مع ارتفاع درجات الحرارة، وبدء الإجازة الصيفية بعد انتهاء الثانوية العامة، لم يعد السؤال الذي يتردد داخل كثير من البيوت المصرية "هنصيف فين؟"، وإنما أصبح "هنقدر نصيف أصلًا؟"، فمحمد جمال، وهو موظف بإحدى الشركات، لم يبدأ التجهيز لمصيف هذا العام بحجز شقة أو إعداد حقائب السفر، وإنما فتح آلته الحاسبة يسجل عليها تكلفة المواصلات لأنه لا يمتلك سيارة، ويقارن بين أسعار الإقامة، وما ستحتاجه أسرته من طعام، وحتى ما قد يطلبه طفله على الشاطئ. لم يكن محمد يبحث عن مكان للإقامة بقدر ما كان يحاول ألا تتحول 5 أيام من الراحة إلى عبء مالي يمتد إلى الأشهر التالية.
يتقاضى محمد نحو 8 آلاف جنيه شهريًا، وهو أب لأسرة مكونة من 4 أفراد، وبعد أيام من المقارنات، قرر قضاء 5 أيام على البحر بتكلفة بلغت نحو 8 آلاف جنيه، أي ما يعادل راتبه الشهري بالكامل. يقول لـ"فكر تاني"، "انبسطنا زي أي حد صرف أضعاف المبلغ.. المهم إن الولاد غيروا جو".
وليست قصة محمد استثناءً، وإنما تعكس تحولًا أوسع في الطريقة التي تنظر بها الأسر المصرية إلى الإجازة الصيفية، فالمصيف الذي كان حتى سنوات قليلة مضت جزءًا ثابتًا من خطط كثير من العائلات، أصبح اليوم يخضع لحسابات أكثر تعقيدًا، مع ارتفاع تكلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية.
الأسبوع "اتسخط" إلى 3 أيام
قبل سنوات، كان كثير من الأسر يقضي أسبوعًا أو أزيد على البحر، أما اليوم فقد تغير المشهد، إذ اختصرت بعض العائلات الإجازة إلى 3 أيام، واكتفت أخرى برحلة يوم واحد، بينما فضلت أسر إلغاء المصيف بالكامل، مثل عم إبراهيم، وهو موظف حكومي لا يتعدى راتبه 6 آلاف جنيه شهريًا، فلم يعد الحديث عن المصيف مطروحًا داخل منزله منذ أكثر من 4 سنوات، إذ يعول الرجل أسرة مكونة من زوجة و4 أبناء، ويقول إن ارتفاع تكاليف المعيشة أجبره على الاستغناء عن الإجازة الصيفية بالكامل، بعدما أصبحت الأولوية لتوفير الاحتياجات الأساسية للأسرة.
ويقول، إبراهيم الذي تحفظ على نشر اسمه كاملًا، إنه "بقالي أكتر من 4 سنين أنا ومراتي وولادي مش بنفكر في مصيف، المرتب بالعافية بيكفي الأكل والشرب والفواتير، وحتى الخروجة البسيطة على الكورنيش أو يوم في جنينة بقت بنحسبها، لأنها بتفرق معانا في مصاريف آخر الشهر". ويضيف لـ"فكر تاني"، أن أبناءه اعتادوا في السنوات الأخيرة على قضاء الإجازة داخل المنزل، أو في زيارات عائلية قصيرة، بعدما أصبح السفر بالنسبة للأسرة رفاهية لا تسمح بها الظروف الحالية.
"تقشف ذكي"
لا يأتي هذا التحول بمعزل عن المشهد الاقتصادي الأوسع، فبحسب مسح لـ"العربية"، ارتفعت أسعار الخدمات الترفيهية والفندقية بنسب تتراوح من 15% إلى 30% الصيف الحالي، إضافة إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي في الحضر إلى 14.3% خلال يونيو الماضي، وهو ما انعكس على قدرة كثير من الأسر على الإنفاق، ودفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها، لتتراجع بنود الترفيه أمام الاحتياجات الأساسية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي خالد الشافعي أن ما يحدث لا يتعلق بالمصيف وحده، وإنما يعكس تغيرًا في أولويات الإنفاق داخل الأسرة المصرية، إذ يقول إن الضغوط الاقتصادية دفعت كثيرًا من العائلات إلى إعادة ترتيب ميزانياتها، لتتقدم احتياجات مثل الغذاء والتعليم والعلاج على بنود الترفيه. ويصف ما يحدث بأنه "تقشف ذكي"، حيث لا تتخلى الأسر عن الإجازة بالكامل، وإنما تعيد تشكيلها بما يتناسب مع إمكانياتها، سواء عبر تقليص عدد الأيام، أو تغيير الوجهة، أو الاكتفاء برحلات اليوم الواحد.
وعلى نحو مشابه، اعتاد محمود عبد المنعم، العامل في إحدى مزارع الدواجن بمحافظة البحيرة، الذي لا يتعدى راتبه 7 آلاف جنيه، اصطحاب أسرته إلى المصيف كل موسم، قبل أن يكتشف هذا العام أن الميزانية لم تعد تسمح. يقول، لـ"فكر تاني"، إن "الأسعار بقت أعلى بكتير من اللي متعودين عليه، بدل المصيف بقينا نخرج يوم ونرجع، علشان الأولاد يحسوا إن الصيف لسه موجود".
لكن التغيير لم يعد مرتبطًا بعدد أيام المصيف أو وجهته فقط، وإنما امتد إلى الطريقة التي تنظر بها الأسر المصرية إلى الترفيه نفسه، فما كان يُعد قبل سنوات جزءًا طبيعيًا من ميزانية الصيف، أصبح اليوم قرارًا يحتاج إلى حسابات دقيقة، ويخضع للمفاضلة مع احتياجات أكثر إلحاحًا، مثل مصروفات الدراسة أو العلاج أو فواتير الخدمات.
وامتد هذا التغيير ليطال السوق نفسه، إذ يقول راضي، وهو سمسار في الإسكندرية تحفظ على نشر اسمه كاملًا، إن أنماط الحجز اختلفت هذا الصيف مقارنة بالأعوام الماضية، مضيفًا لـ"فكر تاني"، أن كثيرًا من الأسر أصبحت تبحث عن أقل سعر ممكن، بينما تراجعت مدة الإقامة من أسبوع كامل إلى يومين أو 3 أيام لدى عدد كبير من الزبائن، كما ارتفع الإقبال على الشقق الاقتصادية مقارنة بالوحدات الأعلى سعرًا. ويمثل هذا التحول مؤشرًا على أن الأزمة لم تغيّر وجهة المصيف فقط، وإنما غيّرت أيضًا طريقة اتخاذ قرار السفر.
غير أن هذا التوجه العام لا يشمل الجميع، إذ لم يرَ الدكتور محمد صلاح، مشرف الجودة بإحدى المراكز الطبية، أن تقليل تكلفة الإجازة هو الخيار المناسب، ويقول لـ"فكر تاني"، إن "الرحلة كلفتني حوالي 30 ألف جنيه خلال 3 أيام، لكن كنت عارف إني هدفع علشان أستمتع أنا وأسرتي، الخدمة كانت فوق الممتازة، وأولادي استمتعوا جدًا". وتكشف هذه التجربة أن اختلاف قرارات الأسر لا يرتبط فقط بحجم الدخل، وإنما أيضًا بطريقة النظر إلى الإجازة نفسها.
كيف نفلت من الحياة
وفي قراءة أعمق لهذا التحول، ترى جيهان النمرسي، أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر، أن الأمر لا يتعلق بالمصيف وحده، وإنما بمعنى الراحة داخل الأسرة المصرية، موضحة أن كثيرًا من الأسر لم تتخل عن الترفيه، وإنما أعادت تعريفه بما يتناسب مع ظروفها، مؤكدة أن حتى رحلة قصيرة أو خروجة بسيطة يمكن أن تساعد الأسرة على كسر ضغوط الحياة اليومية.
وتؤكد سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، أن الترفيه لم يعد رفاهية داخل الأسرة المصرية، وإنما يمثل مساحة ضرورية للحفاظ على التوازن النفسي والاجتماعي للأسرة، موضحة أن قضاء وقت مشترك خارج ضغوط العمل والدراسة، حتى وإن كان في صورة خروجة بسيطة أو زيارة عائلية، ينعكس على طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء، ويساعد على تخفيف الضغوط اليومية التي تعيشها الأسرة.
وتضيف لـ"فكر تاني"، أن كثيرًا من الأسر أعادت تعريف الترفيه بما يتناسب مع إمكانياتها الاقتصادية، فلم يعد الهدف هو السفر أو الإنفاق الكبير، بقدر ما أصبح الحفاظ على وقت يجمع أفراد الأسرة بعيدًا عن ضغوط الحياة، لأن غياب هذه المساحة لفترات طويلة قد ينعكس على الحالة النفسية للأسرة، وعلى جودة العلاقات بين أفرادها.
وتتفق هذه الرؤية مع مراجعة علمية نشرتها Journal of Leisure Research، حللت نتائج 181 دراسة تناولت الأنشطة الترفيهية الأسرية، وخلصت إلى وجود ارتباط واضح بين قضاء الأسرة وقتًا مشتركًا في أنشطة ترفيهية، وبين ارتفاع مستوى الرضا عن الحياة الأسرية، وتحسن التواصل بين أفرادها، بينما كانت الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الأنشطة من أبرز العوامل التي تحد من مشاركة الأسر في هذه الأنشطة.
وتقول أم أحمد، وهي أم لطفلين تعمل في محل ملابس، إن الحديث عن المصيف لم يعد مطروحًا داخل منزلها، وتضيف "إحنا مبقاش عندنا حاجة اسمها مصيف، كل اللي بنفكر فيه إزاي نعدي الشهر من غير ما نستلف، لو قدرنا نخرج يوم يبقى كويس". وتحاول، بحسب حديثها لـ"فكر تاني"، تعويض طفليها بزيارات عائلية أو خروجات قريبة، حتى لا يشعرا بأنهما محرومان من الإجازة.
ورغم الضغوط الاقتصادية التي دفعت كثيرًا من الأسر إلى تقليص أو إلغاء الإجازة الصيفية، فإن ذلك لم ينعكس بالضرورة على أداء القطاع السياحي ككل، فبحسب غرفة السياحة، شهد موسم صيف 2025 مؤشرات إيجابية، مع توقعات بزيادة الحركة السياحية بنحو 20 إلى 25% مقارنة بالعام السابق، مدفوعة بالحجوزات المبكرة من السياحة الداخلية والخارجية، وارتفاع نسب الإشغال في عدد من المقاصد السياحية. ويشير هذا التباين إلى أن سوق المصايف في مصر لم ينكمش، بقدر ما أعاد توزيع جمهوره، ففي الوقت الذي واصلت فيه بعض الأسر الإنفاق على الإجازات، ولو بتكلفة مرتفعة، اتجهت أسر أخرى إلى تقليص مدة المصيف أو استبداله برحلات اليوم الواحد، بينما خرج المصيف من حسابات أسر بالكامل، بعدما أصبحت الأولوية لتغطية الاحتياجات الأساسية.
وقد تختلف الميزانيات، وتتباين القرارات، لكن ما يجمع بين الأسر المصرية هذا الصيف ليس المكان الذي تقضي فيه الإجازة، وإنما الطريقة التي تتخذ بها قرارها، فلم يعد البحر بعيدًا عن المصريين، لكن الوصول إليه أصبح يمر أولًا عبر دفتر المصروفات، لا خريطة الطريق. وبين من اكتفى برحلة قصيرة، ومن ألغى المصيف، ومن قرر إنفاق مبلغ أكبر، يبدو أن الصيف نفسه لم يعد كما كان، بعدما أصبحت الراحة بندًا ينافس احتياجات الحياة اليومية على مساحة محدودة داخل ميزانية الأسرة.