يمكن لموظف يحمل شهادة الماجستير في القانون أن يترك عمله في جهة حكومية، ليتنافس مع الآلاف على وظيفة أدنى منه في المؤهل والمكانة، وذلك لسبب واحد، هو الفارق الصادم في الأجر بين جهة وأخرى داخل الجهاز الحكومي نفسه، فمع كل إعلان تطلقه مصالح الضرائب أو الجمارك لندب موظفين من جهات حكومية أخرى، يتسابق الآلاف للتقديم، وبينهم من يحملون مؤهلات أعلى بكثير مما تتطلبه الوظيفة، في مشهد يكشف عن اختلال عميق في هيكل الأجور بمصر، لا يقتصر على الفارق بين مؤهل وآخر، بل يمتد إلى حملة المؤهل الواحد أنفسهم، فخريج كلية التجارة أو الحقوق العامل في قطاعات ترتبط بوزارة المالية يحصل على بدلات نوعية أعلى بكثير من نظيره الذي يحمل المؤهل ذاته في جهة أخرى، رغم أن أعباء عمله قد تكون أقل.
ويصل متوسط أجر موظف الضرائب العامة إلى 15 ألف جنيه شهريًا، يرتفع مع إضافة الحوافز الموسمية التي قد تصل عند البعض إلى حجم المرتب كل 3 أشهر، وعلى الرغم من أن الضرائب العقارية مصلحة إيرادية تتبع وزارة المالية أيضًا، فإن رواتبها أقل بكثير، إذ يحصل موظف الدرجة الأولى على راتب شهري قدره 16 ألف جنيه، بينما يحصل الموظف في بداية عمله على 9 آلاف جنيه، ويشكو العاملون في المصلحة من تلك الفجوة باستمرار، مؤكدين أنهم لا يتحملون مسؤولية انخفاض حصيلة المباني ضمن مستهدفات الوزارة.
وتبلغ مستهدفات وزارة المالية للعام المالي الحالي 2026/2027 نحو 3.5 تريليون جنيه، مقابل 2.65 تريليون جنيه في عام 2025/2026، منها حصة الضرائب على المباني (الضرائب العقارية) التي تبلغ نحو 17.25 مليار جنيه، وهو حجم يُعد من الأقل بين مستهدفات الضرائب الأخرى. وفي هذا السياق، يقول ه. عمر، وهو موظف يعمل بإحدى المحاكم منذ 25 عامًا، لـ"فكر تاني"، إنه "يقدم في كل إعلان عن ندب الوظائف بالضرائب العامة لأن الرواتب التي يحصل عليها موظف الضرائب العامة أعلى من راتبه 3 أضعاف على الأقل"، ولم ييأس من المحاولات التي بلغ عددها نحو 3 مرات، غير أنه لم يقدم في مسابقات الندب الخاصة بالضرائب العقارية بسبب امتيازاتها الأقل.
اختلالات بين الوظائف الأعلى
وحتى بين الوظائف الأعلى في متوسط الأجر الشهري، توجد اختلالات واضحة أيضًا، إذ يحتل نشاط الوساطة المالية والتأمين المرتبة الأولى في المكافآت الشهرية بمتوسط قدره 19897 جنيهًا (المتوسط بين أعلى أجر وأقل أجر)، وفقًا لدراسة حديثة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عام 2024. وتأتي بعدها أنشطة إمدادات الكهرباء والغاز والبخار والتكييف، أي العاملون في الكهرباء وأنشطة تبريد الهواء، في المرتبة الثانية بمتوسط راتب شهري قدره 14994 جنيهًا، تليها قطاعات المعلومات والاتصالات بمتوسط 12897 جنيهًا، ثم نشاط التعدين واستغلال المحاجر بأجر شهري قدره 12091 جنيهًا.
وفي المرتبة الخامسة بين الأعلى أجرًا، يأتي نشاط التشييد والبناء بمتوسط 10773 جنيهًا شهريًا، ويتبعه الأنشطة العلمية والتقنية المتخصصة بحوالي 8055 جنيهًا، ثم أنشطة التخزين والإقامة بأجر شهري قدره 7464 جنيهًا، فالنقل والتخزين بـ7442 جنيهًا، ثم الصناعات التحويلية بـ6514 جنيهًا، تليها أنشطة الفنون والإبداع والترفيه بـ4691 جنيهًا، فالزراعة بـ4090 جنيهًا، وأخيرًا الصحة بـ3840 جنيهًا.
وصحيح أن تلك الرواتب قد اختلفت خلال العامين الماضيين، غير أن هذه القائمة تفتح الباب أمام عشرات الاستنتاجات، فأجر العامل في قطاع الصحة عام 2024 يمثل 19.2% فقط من أجر العامل في الوساطة المالية، أي أقل من الخُمس، كما أن الفرق بين قطاع الوساطة المالية وقطاع إمدادات الكهرباء، اللذين يحتلان المركزين الأول والثاني، يصل إلى 4903 جنيهات دفعة واحدة.
مفارقات كبيرة في هيكل الأجور
وتلعب البدلات دورًا كبيرًا في مصفوفة اختلال الأجور بمصر، ففي وزارة مثل البترول، تزيد رواتب بعض رؤساء الشركات التابعة لوزير البترول عن راتب الوزير ذاته، وكذلك راتب رئيس هيئة البترول الذي يشرف على عشرات الشركات التابعة لهيئته، أو الشركات التي تشارك فيها الوزارة.
وتظهر اختلالات الأجور أكثر بين نواب رئيس هيئة البترول، بسبب بدلات حضور الجمعيات العامة للشركات، فنائب رئيس الهيئة للإنتاج يحتل المرتبة الأولى في الراتب بسبب مشاركته في جميع الجمعيات العامة لشركات الإنتاج، يليه نائب رئيس الهيئة للاستكشاف والاتفاقيات، ثم نائب التجارة الداخلية والتكرير، ثم نائب العمليات والنقل والمنتجات البترولية، وأخيرًا نائب الشؤون المالية. ويتبع الهيئة 12 شركة قطاع عام، و5 شركات مشتركة في التصنيع والتكرير، إلى جانب عدد كبير من الشركات العاملة في المشروعات والصيانة ومنصات الحفر وشركات المعدات والمهمات البترولية والغاز الطبيعي والبحث والاستكشاف وإنتاج البترول. والأغرب من ذلك أن رؤساء بعض الشركات العاملة في قطاع البترول ذاته يحصلون على راتب أعلى بكثير من رئيس هيئة البترول، الذي يُفترض أن يتولى الإشراف عليهم.
سائق مديرية أفضل من موظفين في بنوك
وتصبح الاختلالات فجة حين تتم مقارنة الجهات المختلفة ببعضها، ففي نهاية عام 2024، أعلن أحد البنوك الحكومية الكبرى عن وظيفة سائق بمرتب يصل إلى 15 ألف جنيه، بشروط لا تتعدى امتلاكه رخصة مهنية، وهو راتب أفضل من راتب قطاع عريض من موظفي التيلر القدامى ببنوك أخرى.
وفي الفترة التي تلت ثورة يناير، كُشف عن اختلالات كبيرة في ملف الأجور بمصر، من بينها حصول سائق خاص برئيس مأمورية ضرائب على مكافآت شهرية أفضل من موظفي الجهة ذاتها، كما كُشف عن تلقي سائقين في وزارة المالية حوافز أعلى من راتب موظفين بجهات أخرى، إذ تراوحت مكافآت بعضهم بين 2500 و5000 جنيه، وهي مبالغ ضخمة بمقاييس الأجور قبل 20 عامًا.
وفي كتاب "وقائع موثقة من صور الفساد في الجهاز المصرفي"، تحدث الخبير المصرفي د. محمد عادل العجمي عن مكافآت بالجملة في القطاع المصرفي كانت تُصرف لنحو 177 من قادة البنوك، وصلت لدى أحد الشخصيات إلى 160 ألف جنيه.
وبحسب العجمي، شهدت البنوك تعيينات لخريجي الصيدلة وطب الأسنان والطب البيطري والبشري ومهندسي الحاسب الآلي والزراعة، مع عدم عدالة في الوقت ذاته بين المستشارين والعاملين المتعاقد معهم في البنك المركزي وقدامى العاملين، خاصة في زيادة المرتبات والبدلات للمستشارين، والتي بلغت نسبتها في إحدى السنوات 30%.
ويشير العجمي أيضًا إلى اختلافات في رواتب المديرين بالبنك المركزي، فبعضهم كان يحصل على 25 ألف جنيه قبل ثورة يناير 2011، بخلاف مكافآت الصندوق، وآخرون على رواتب 36 ألف جنيه، ووصلت الفجوة في وظيفة المحلل المالي إلى تعيين بعض الخريجين على راتب ألفي جنيه، وأخريات براتب 22 ألف جنيه، بينما تراوح راتب محلل الاستثمار بين 7 و19 ألف جنيه دون سبب واضح لتلك الفجوة الكبيرة، رغم أن مهام العمل واحدة.

المستشارون.. بين الموازنة والواقع
وقبل أيام، طالبت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب بإعادة النظر في نظام الاستعانة بالمستشارين، لترشيد الإنفاق العام وضمان الشفافية، وتكثيف الرقابة على تطبيق أحكام القانون الخاصة بالعلاوات، ووضع آليات رقابية تضمن تطبيق الحد الأدنى للأجور، وتعزيز دور مكاتب العمل في جميع محافظات الجمهورية. وجاء ذلك بعدما أكدت النائبة سولاف درويش، عضو لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن نظام الاستعانة بالمستشارين "يفتح الباب لغياب الانتماء المؤسسي"، مطالبة بإجراء حصر شامل للاستعانات في جميع الوزارات، "فعدد المستعان بهم في بعض الجهات أصبح أكبر من عدد العاملين المعينين".
وبحسب الموازنة العامة للعام المالي الحالي، بلغت مكافآت المستشارين 281.5 مليون جنيه، مقابل 237.8 مليون جنيه في العام الماضي 2025/2026، و232.1 مليون جنيه في عام 2024/2025، وتتوزع تلك المبالغ بين 163.9 مليون جنيه للجهاز الإداري للدولة، و25.7 مليون جنيه للإدارة المحلية، و91.9 مليون جنيه للهيئات الخدمية.
وأضافت النائبة أن بعض المستشارين في الوزارات يتقاضون رواتب تصل إلى 400 ألف جنيه شهريًا، بينما لا يتجاوز راتب بعض الموظفين في الأماكن نفسها 5000 جنيه، لافتة إلى أن اللجنة سبق أن طلبت هذه البيانات ولم تتم الاستجابة لها.
وتمثل الاختلالات في الأجور أحد أسباب ضعف كثير من الجهات الحكومية، إذ لا يوجد مقياس واحد للترقية أو الامتيازات المالية، وهو ما يؤدي إلى تراجع درجة الرضا الوظيفي، الأمر الذي سيدفع الموظفين إلى التراجع في أداء مهامهم.