"هاتلي حد مصري".. سودانيون في القاهرة يروون كيف تحولت جنسيتهم إلى عبء يومي

يقيم إبراهيم في القاهرة منذ 17 عامًا، أمضى خلالها سنوات دراسته في أكاديمية الفنون، وتعرف على زوجته المصرية ورزقا بابنتهما عام 2013، وعاش خلال هذه السنوات مع الأسرة والعائلة تجربة اندماج وتعايش، لم يتخيل يومًا أن تنهيها أزمة اقتصادية.

يتذكر إبراهيم في حديثه مع "فكر تاني" كيف عاش سنوات الدراسة دون أن يستشعر أي تمييز من أعضاء هيئة التدريس، بل على العكس تمامًا، وجد تقديرًا لموهبته وعمله الفني، ويضيف "مستحيل كنت أفكر اتزوج مصرية، لكن المحبة والترحاب من العائلة شجعوني على الخطوة دي، ومن وقتها ومصر بقت بلدي التاني". غير أن هذا التعايش عكر صفوه، بحسب إبراهيم، ما يراه اليوم من تمييز ضد السودانيين، معتقدًا أنه أمر جديد على المصريين، إذ "فيه عنف شديد بتشوفه في الشارع وعدوانية ما كانت موجودة من قبل"، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن الأزمة الاقتصادية الأخيرة دفعت البعض يأسًا إلى إيجاد شماعة يعلق عليها الأزمة.

ولا يُعد زواج إبراهيم من مصرية حدثًا جديدًا، فقصص الزيجات والعائلات الممتدة بين البلدين تمتد منذ عقود طويلة، وتروي حكايات لا تنتهي عن علاقات الدم والاندماج والتعايش الذي لم ينقطع مهما حدث، حتى في خضم الحرب الأخيرة، إذ سجل عام 2025 وحده 260 زيجة مصرية سودانية، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهي الأعلى منذ اندلاع الحرب عام 2023.

غير أن الأشهر الماضية شهدت على السوشيال ميديا تفاعلًا كبيرًا مع منشورات ذات طابع عنصري مسيء للجالية السودانية في مصر، التي يبلغ عددها قرابة 4 ملايين، إضافة إلى مئات الآلاف من اللاجئين الذين نزحوا بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023. ورغم أن الحضور السوداني في الشارع المصري ليس أمرًا غريبًا، فإن بعض خطابات الكراهية التي يُروَّج لها على السوشيال ميديا تسببت في حالة من الخوف بين أبناء الجالية السودانية، الذين استحالت عودتهم إلى بلادهم بعدما فقدوا كل ما لديهم، كما تسببت في ارتباك شديد لملايين السودانيين المستقرين في القاهرة منذ سنوات ممن ليسوا لاجئين.

تاريخ من التعايش والاندماج

بعد وصولها إلى القاهرة عام 2019، لاقت عائشة أبوزيد، المعلمة، ترحيبًا كبيرًا من الجيران والأصدقاء الذين كوّنتهم بسرعة، وبدأت بيع منتجاتها اليدوية على الإنترنت، وحظيت بدعم كبير من المصريين في دائرتها، لكن وفود أعداد كبيرة من السودانيين بعد الحرب حوّل مسار تجربتها الإيجابية إلى منحى أكثر درامية.

وتوضح أبوزيد في حديثها لـ"فكر تاني" كيف تحولت تجربتها اليومية في القاهرة إلى معركة مع العنصرية بسبب لون بشرتها خلال الأشهر الأخيرة، قائلة "الوضع بقى أصعب، وفي عنف أكتر تجاه السودانيين"، وتحكي بمرارة عما تتعرض له يوميًا من سائقي تطبيقات التوصيل الذين يلغون الطلب بمجرد معرفتهم أنها سودانية "أنا مبركبش سودانيين"، وهو ما يضعها تحت ضغط كبير، خاصة بعد إصابة بالغة في القدم تعيق حركتها اليومية.

ويرى المحامي والخبير في قضايا الهجرة واللجوء أشرف ميلاد أن تصاعد خطاب الكراهية ضد السودانيين بلغ ذروته منذ بداية العام، مدفوعًا بحملات موجهة على السوشيال ميديا، ويصف من يروج لتلك الصفحات بأفكارها المسمومة بـ"لجان إلكترونية" مدعومة من جهات خارجية.

ويضيف ميلاد في حديثه لـ"فكر تاني"، أن "الناس في الشارع تتعامل بشكل طبيعي، والمصريين في الغالب بيساعدوا السودانيين، لكن المشكلة الأساسية في خطاب الكراهية المنتشر على السوشيال ميديا، الذي يحمّل السودانيين مسؤولية كل الأزمات الاقتصادية". ويرجع ميلاد تصاعد هذا الخطاب إلى أسباب سياسية وإقليمية، معتبرًا أن بعض الصفحات المرتبطة بأطراف خارجية تسعى إلى إحداث فتنة بين المصريين والسودانيين، خاصة في ظل التقارب بين البلدين في عدد من الملفات الإقليمية.

بين الدعم والتمييز

لا يمكن اختزال تجارب السودانيين في مصر بالسلبية دائمًا، وما يمنحها عمقها الإنساني هو ما يتذكره كثيرون من دعم ومحبة من البعض، الأمر الذي يجعل من التجربة الاجتماعية أكثر تعقيدًا، فهم لا يعيشون في خيام معزولة باعتبارهم لاجئين، وإنما يندمجون في المجتمع ويصبحون جزءًا من نسيجه وتركيبته السكانية. وهو ما تؤكده عائشة أبوزيد، التي تتذكر مواقف إنسانية تصفها باللطف الشديد، من بينها موقف مع سائق تاكسي خلال فترة حظر كورونا عام 2020، حين لاحظ خوفها من الظلام والهدوء وحاول طمأنتها طوال الطريق، وحين وصلت رفض أن يأخذ منها أجره، وما زالت حتى اليوم تتذكر لطف الرجل وشهامته، وهو ما يجعلها ترى أبعادًا أكثر تعقيدًا لحياتها في مصر رغم زيادة التحديات مؤخرًا.

وتتشابه تجربة أبوزيد مع تجربة عيسى عبد الحي، الذي وفد إلى مصر في التوقيت نفسه تقريبًا، وقرر بعد فترة من الاستقرار العمل على مشروعه الخاص، مستثمرًا خبرته في صناعة الخبز السوداني، متغلبًا على كثير من الصعوبات التي واجهته مع التجار والعملاء.

ويضيف عبدالحي في حديثه لـ"فكر تاني" أنه رغم استغلال البعض للأزمة في رفع الإيجارات على السكان، ما زال ممتنًا لصاحب المحل الذي استأجره، الذي رفض رفع قيمة الإيجار كما فعل آخرون، وكان شديد الاحترام في تعامله معه. وبين صاحب المحل وآخرين غيره، لم تخل تجربة عيسى من العنصرية والتنمر خلال الأشهر الأخيرة، بعدما أصبح البعض يرفضون التعامل معه لمجرد جنسيته، لكنه في المقابل لا ينسى أصحاب الفضل ممن دعموه وهوّنوا عليه جراح التمييز والتنمر.

ويرجع مدير ومؤسس مركز عدالة للحقوق والحريات، المحامي محمد الباقر، تصاعد خطاب الكراهية تجاه السودانيين في الفترة الأخيرة إلى عدة عوامل أهمها الأزمة الاقتصادية والخطابات الإعلامية والرسمية التي تحمّل الأجانب مسؤولية الأوضاع المعيشية المتردية.

ويضيف الباقر في حديثه لـ"فكر تاني" "القانون المصري يجرّم التحريض والتمييز والتنمر، سواء ضد المصريين أو الأجانب، لكن الخطاب المجتمعي والإعلامي قد يسهم في خلق بيئة تسمح بزيادة الانتهاكات"، مشيرًا إلى أن كثيرًا من طالبي اللجوء يتجنبون الإبلاغ عن وقائع الإساءة أو الاعتداء خشية التعرض لمشكلات قانونية أو أمنية، ما يجعل بعض الانتهاكات تمر دون توثيق. ويضيف أن تنامي خطاب الكراهية خلال العام الأخير انعكس على قدرة بعض اللاجئين السودانيين على الوصول إلى السكن والعمل والخدمات.

خطاب كراهية وعدالة مفقودة

اضطر سعيد الهلالي إلى الفرار من الحرب قبل أن يكمل عامه الجامعي الأخير، وحين حاول استكمال دراسته في مصر اصطدم بارتفاع المصروفات الدراسية، خاصة مع احتياجه للعلاج بعد تعرضه لإصابات بالغة، الأمر الذي دفعه للبحث عن عمل لإعالة نفسه.

ويضيف الهلالي في حديثه مع "فكر تاني" أنه التحق للعمل نادلًا في كافيه بعد اجتيازه المقابلة الشخصية، لكن أول يوم عمل له واجه فيه عدوانًا من أحد العملاء الذي قال له "أنت أيه الي جابك هنا؟ هاتلي حد مصري أتعامل معاه، مبحبش أتعامل مع سودانيين". وبعدما أبلغ مدير المقهى بما حدث، وجد منه دعمًا وتطييبًا لخاطره، وحرصًا على سلامته النفسية، إذ نقله للعمل في المطبخ لمنع احتكاكه بأشخاص يمكن أن يؤذوه، لكنه ما زال يواجه تعليقات مسيئة من بعض الزبائن الذين يشاهدونه في المطبخ، من قبيل "إحنا بنقرف من السودانيين، ومش هنشرب حاجة هو الي عاملها".

وعاش الهلالي تناقضًا كبيرًا بين مصريين يؤذونه وأصدقاء مصريين يدعمونه ويقدمون له المساعدة، وبعض السودانيين المقيمين منذ سنوات طويلة يحكون له كيف عاشوا مطمئنين مندمجين في مصر، ويتمنى لو أتى قبل الحرب ليرى الوجه الحقيقي للمصريين، لا ما تفعله القلة المتأثرة بخطابات الإعلام.

ويرى الناشط الحقوقي السوداني جاسر الزين أن قطاعًا واسعًا من السودانيين في مصر يفضلون عدم الإبلاغ عن وقائع التمييز أو الاعتداءات التي يتعرضون لها خلال الأشهر الأخيرة، لأنهم ما زالوا يتذكرون الترحيب والاحتواء الذي وجدوه فور وصولهم بعد الحرب.

ويضيف أن سبب هذا الصمت لا يرجع إلى غياب النصوص القانونية، وإنما إلى شعور البعض بعدم الأمان والخوف من الدخول في إجراءات قانونية داخل بلد ليس بلدهم، مضيفًا أن كثيرين لديهم تصور مسبق بأنهم لن يحصلوا على الإنصاف إذا كان الطرف الآخر مصريًا، وهو ما يدفعهم إلى الصمت وتجنب تقديم البلاغات، رغم أن القانون المصري يجرّم التمييز والعنصرية.

ويشبّه الزين في حديثه لـ"فكر تاني" تطور الأزمة بـ"حنفية كانت بتنقط ثم تحولت إلى فيضان"، معتبرًا أن تجاهل المؤشرات الأولى سمح بتفاقمها. وفي المقابل، يشدد على أن تعميم المسؤولية على جميع السودانيين بسبب تصرفات فردية يمثل أحد أبرز أسباب الاحتقان، لافتًا إلى أن بعض الشباب السوداني وصلوا إلى مصر وهم يحملون آثارًا نفسية قاسية خلفتها الحرب، ومع غياب فرص الدراسة والعمل والاندماج أصبح بعضهم أكثر عرضة للسلوكيات الخاطئة، وهي وقائع يجري تعميمها على الجالية بأكملها.

وهو ما يؤكده المحامي محمد الباقر، الذي يضع مسؤولية الحد من هذا العنف على عاتق الدولة من خلال ضبط الخطاب العام، وعلى المجتمع عبر نشر الوعي واحترام حقوق طالبي اللجوء، وعدم تحميلهم مسؤولية أزمات اقتصادية هم ليسوا سببًا فيها. فيما يشير المحامي أشرف ميلاد إلى أن الوقائع الأخيرة دفعت مؤسسات ومبادرات مجتمعية سودانية إلى تنظيم ورش عمل وجلسات حوار لتعزيز العلاقات بين الشعبين والتأكيد على عمق الروابط التاريخية بينهما، إلا أنه يرى أن مواجهة خطاب الكراهية تحتاج إلى دور أكبر من الدولة، موضحًا أن "الدولة تقدر بسهولة توقف الخطاب ده لو كان في تعليمات واضحة بعدم الترويج له". كما حذر من الدعوات التي انتشرت مؤخرًا لرفض تأجير الشقق أو تقديم الخدمات للسودانيين، قائلًا "إنك ترفض تبيع دواء لسوداني أو تركبه أوبر عشان جنسيته، ده جنان وعنصرية، ولو اتساب هيتطور لحاجات أخطر".

في حين يرى جاسر الزين أن الصورة ليست أحادية، فإلى جانب وقائع التمييز توجد أيضًا مواقف تضامن من مصريين، خاصة في الشارع، حيث تتدخل سيدات مصريات في كثير من الأحيان للدفاع عن السودانيات إذا تعرضن لمضايقات، لكنه يشدد على أن الأزمة الحالية تتطلب خطابًا إعلاميًا أكثر مسؤولية يواجه التحريض وخطاب الكراهية، ويعزز ثقافة التعايش، بدلًا من تكريس الصور النمطية التي تزيد الاحتقان بين الشعبين.

ولكن الصور النمطية نفسها لا تُصنع في فراغ، فحين يتكرر مشهد نادل يُنقل إلى المطبخ حماية له، أو سائق يلغي طلبًا لمجرد اسم، تتحول الوقائع الفردية إلى مادة جاهزة لمن يريد تعميمها، والعكس صحيح أيضًا، فحين يرفض صاحب محل رفع الإيجار أو يمتنع سائق تاكسي عن أخذ أجرته، يصبح هذا التفصيل نموذجًا يمكن البناء عليه بالقدر نفسه من السهولة، والفارق بين الاتجاهين ليس في الوقائع بل في من يختار أيها يُروى أكثر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة