المرتب مبيكفيش| قف للمعلم نهارًا وانتظره بعد الظهر سواق اسكوتر

ينتهي دوام محمد ذكي في المدرسة مع الظهر، لكن يوم عمله لا ينتهي عند هذا الحد. يغادر الفصل ويطوي دفتر التحضير، ثم يرتدي خوذته ويصعد إلى دراجته النارية، مستعدًا لوردية ثانية في نقل الركاب عبر أحد التطبيقات المخصصة لذلك.

يقضي معلم المرحلة الثانوية، البالغ من العمر 45 عامًا والمقيم في حلمية الزيتون بالقاهرة، ما بين 6 و10 ساعات يوميًا فوق دراجته بعد انتهاء اليوم المدرسي، متنقلًا بين شوارع المدينة بحثًا عن دخل يكفي لإيجار المنزل ونفقات أسرته.

يقول محمد، وهو أستاذ لمادتي الفلسفة وعلم النفس، لـ"فكر تاني"، إن "الحياة أجبرتني، بعد اليوم الدراسي ألبس الخوذة، وأشتغل من 6 إلى 10 ساعات على الموتوسيكل علشان أقدر أدفع الإيجار والخدمات ومصاريف البيت ومصاريف أولادي الثلاثة اللي اتحرموا من القعدة معايا، وفي الآخر مرتب المدرسة مش بيكفيهم".

ولا يمثل محمد حالة استثنائية، فبين من يقودون السيارات والدراجات، وآخرين يعملون في الخياطة أو يلجؤون إلى الدروس الخصوصية، تنقسم أيام كثير من المعلمين بين وظيفتهم الأصلية وأعمال أخرى، في محاولة لتعويض الفجوة المتزايدة بين الرواتب وتكاليف المعيشة.

ورغم حضور بيت أحمد شوقي، "قُم للمعلم وفِّه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولًا"، في الخطب والاحتفالات، لا يكفي التبجيل لسداد إيجار منزل أو فاتورة كهرباء أو مصاريف تعليم الأبناء، فخلف الصورة الاحتفائية بالمعلم، تكشف شهادات أصحاب المهنة والبيانات الرسمية، عن أجور فقدت جانبًا كبيرًا من قدرتها الشرائية، ودفعت معلمين إلى البحث عن وردية أخرى بعد انتهاء اليوم الدراسي.

معلمة خبيرة وماكينة خياطة

لا تختلف حال عزة مكاوي كثيرًا عن حال محمد، رغم وصولها إلى درجة "معلم خبير"، وهي إحدى الدرجات المتقدمة في السلم الوظيفي للمعلمين، بعد أن أمضت 30 عامًا في مهنة التدريس.

تعمل عزة مدرّسة للتكييف والتبريد في مدرسة أبو كبير الثانوية الفنية بمحافظة الشرقية، وتتقاضى راتبًا شهريًا لا يزيد على 8 آلاف جنيه، لكن الراتب، بحسب قولها، لم يعد كافيًا للإنفاق على أسرتها الصغيرة.

ويذهب نحو ألف جنيه من دخلها إلى المواصلات بين قريتها والمدرسة، فيما تستهلك فواتير الكهرباء والغاز والمياه قرابة ألفي جنيه في المتوسط، وما يتبقى يتوزع بين الطعام والملابس ومصاريف التعليم وبقية احتياجات المنزل، بالإضافة إلى ألف ونصف لثمن علاجها، فعزة مكاوي تعاني من الضغط والسكري ومشكلات صحية ترتبط بتقدمها في العمر وطبيعة عملها، "ده غير خشونة والتهاب في المفاصل ودوالي".

رسوم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

وتعيش عزة، التي تقترب من عامها الرابع والخمسين، مع ابنتها التي أنهت دراستها الجامعية وتستعد الأسرة لتجهيزها للزواج، وابنها الطالب في الصف الثالث الإعدادي. وتقول إن دخلها فقد خلال السنوات الأخيرة جانبًا كبيرًا من قيمته، حتى أصبحت الزيادات الاسمية في الراتب عاجزة عن ملاحقة الأسعار.

ولخفض نفقات الطعام، تربي عزة الدجاج والبط في بدروم منزلها وعلى سطحه، وتقول "لولا الفراخ والبط اللي بنربيهم، ما كناش هناكل لحمة تقريبًا".

لكن تربية الطيور لم تكن كافية لسد العجز، فتعلمت الخياطة واشترت ماكينة وضعتها في منزلها، وبعد انتهاء يومها في المدرسة، تبدأ عملًا ثانيًا في تعديل ملابس سيدات الحي وتضييقها أو إصلاحها، إلى جانب تفصيل بعض الملابس لمن يطلب منها ذلك.

وتقول عزة إن دخل الخياطة لم يعد مبلغًا إضافيًا للادخار أو تحسين مستوى المعيشة، وإنما أصبح ضروريًا لمساندة الراتب وتغطية نفقات الأسرة. ومع الجمع بين عملها في المدرسة والعمل على ماكينة الخياطة، بالكاد تستطيع تلبية احتياجات المنزل وابنتها وابنها.

وتتجاوز أزمة الأجور شهادات المعلمين، فوفقًا لـنشرة التوظف والأجور وساعات العمل لعام 2024 الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد الذين رصدتهم في نشاط التعليم نحو 779.2 ألف شخص، بمتوسط أجر شهري قدره 4656 جنيهًا، مقابل متوسط 181 ساعة عمل شهريًا.

وشكلت النساء نحو 57.7% من إجمالي العاملين في النشاط، إذ بلغ عددهن نحو 449.7 ألف عاملة، بمتوسط أجر شهري قدره 4350 جنيهًا، مقابل نحو 329.6 ألف رجل بلغ متوسط أجرهم 5073 جنيهًا.

وبذلك يقل متوسط أجر النساء عن الرجال بنحو 723 جنيهًا شهريًا، أو ما يعادل 14.3%، رغم أن الفارق في ساعات العمل لا يتجاوز ساعتين شهريًا، 180 ساعة للنساء مقابل 182 ساعة للرجال.

راتب لا يكفي الحياة

أحمد عمر، معلم رياضيات أول، واحد من هؤلاء، فرغم سنوات خدمته ودرجته الوظيفية، لا يتجاوز راتبه الشهري، بحسب قوله، 7 آلاف جنيه، بينما يحصل المعلمون حديثو التعيين على نحو 5500 جنيه.

يقول أحمد لـ"فكر تاني"، إن "هذا المبلغ نتاج سنوات طويلة من العمل، المرتب لا يكفي أسرة ولا حتى شابًا في بداية حياته، حياتنا ماشية بالستر وعلى القد جدًا".

لم تعد الدروس الخصوصية بالنسبة إليه خيارًا مهنيًا أو وسيلة لتحسين دخله، بقدر ما أصبحت موردًا أساسيًا لتعويض الفارق بين راتبه ونفقات المعيشة "بنضطر ندي دروسًا خصوصية، مش حبًا في استنزاف أولياء الأمور، لكنها بقت الأكسجين الوحيد اللي بيمنعنا من الغرق ماديًا".

التضخم يلتهم القوة الشرائية

تكشف بيانات البنك المركزي المصري أن أزمة معيشة المعلمين لا تتعلق بقيمة الرواتب وحدها، وإنما بما تستطيع هذه الرواتب شراءه.

فقد بلغ معدل التضخم السنوي العام 13.2% في يونيو 2022، ثم قفز إلى 35.7% في يونيو 2023، وسجل 27.5% في يونيو 2024، قبل أن يتباطأ إلى 14.9% في يونيو 2025 و14.3% في يونيو 2026.

وبحساب الأثر التراكمي لهذه المعدلات، ارتفع المستوى العام للأسعار بين يونيو 2021 ويونيو 2026 بنحو 157%، وهذا يعني أن سلة من السلع والخدمات كانت تكلف ألف جنيه في يونيو 2021 أصبحت تحتاج إلى نحو 2570 جنيهًا لشراء محتوياتها نفسها بعد 5 سنوات.

ولا يعني انخفاض معدل التضخم من أكثر من 35% إلى نحو 14% أن الأسعار عادت إلى التراجع، وإنما يعني أنها واصلت الارتفاع بوتيرة أبطأ. لذلك، لا تكفي زيادة راتب المعلم اسميًا للحفاظ على مستوى معيشته، ما لم تواكب الارتفاع المتراكم في الأسعار.

وكان الضغط أكبر في بنود الإنفاق اليومي التي يصعب الاستغناء عنها، فقد سجلت أسعار الخضروات والفاكهة زيادات سنوية بلغت 46.5% في يونيو 2023، و37.1% في يونيو 2024، و30.6% في يونيو 2025، قبل أن تسجل 16.9% في يونيو 2026.

كما ارتفعت أسعار السلع والخدمات المحددة إداريًا، التي تضم بنودًا يتدخل القطاع الحكومي في تسعيرها أو تنظيمها، بنسبة 28.3% في يونيو 2024، و23.5% في يونيو 2025، ثم 13.7% في يونيو 2026.

وتعني هذه الزيادات أن المعلمين واجهوا ارتفاعًا متزامنًا في نفقات الطعام والمواصلات والمرافق والخدمات، بينما لم ترتفع دخولهم بالمعدلات نفسها، وفقًا لشهاداتهم.

ولا تتيح البيانات المتاحة حساب الخسارة الدقيقة في القوة الشرائية لرواتب المعلمين، لعدم وجود سلسلة متصلة تقارن تطور أجورهم سنويًا بتطور الأسعار، لكن شهادات محمد وأحمد وعزة تعكس النتيجة في حياتهم اليومية، عمل إضافي، وتقليص للنفقات، ومحاولات مستمرة لتوفير الاحتياجات الأساسية.

الحد الأدنى لا يحكي القصة كاملة

رغم القرارات المتتالية برفع الحد الأدنى للأجور، يقول معلمون إن المشكلة لا تتوقف عند الرقم المعلن، وإنما تمتد إلى طريقة احتساب الأجر الأساسي والحوافز والبدلات، وما يُخصم منها قبل وصول الراتب إلى حساباتهم.

ويشير معلمون إلى أن جانبًا من مستحقاتهم لا يزال مرتبطًا بأساسي أجر قديم، ما يحد من أثر بعض الزيادات والحوافز بعد إضافة الضرائب والاستقطاعات.

لذلك، تظهر فجوة بين قيمة الدخل التي تتحدث عنها القرارات الرسمية والمبلغ الذي يحصل عليه المعلم فعليًا في نهاية الشهر، خاصة مع اختلاف الدرجة الوظيفية وسنوات الخدمة وقيمة البدلات والخصومات.

كما يضاعف العجز في أعداد المعلمين الأعباء الواقعة على الموجودين في المدارس، إذ يضطر بعضهم إلى تدريس عدد أكبر من الحصص أو التعامل مع فصول مرتفعة الكثافة، من دون أن يصاحب ذلك دائمًا مقابل مادي يتناسب مع العبء الإضافي.

بين الهجرة والدروس الخصوصية

وأمام ضعف الأجور، تضيق الخيارات المتاحة أمام المعلمين، خصوصًا الأصغر سنًا، ويفكر إسلام خالد، وهو معلم لمادة الدراسات الاجتماعية في مدرسة خاصة بمركز أبو حماد بمحافظة الشرقية، في السفر إلى الخارج أو الانتقال إلى وظيفة في خدمة العملاء أو المبيعات، حتى لو لم تكن مرتبطة بتخصصه أو بسنوات دراسته.

لا يحصل إسلام من المدرسة سوى على نحو 3500 جنيه شهريًا، لذلك يعتمد بصورة أساسية على الدروس الخصوصية التي تدر عليه قرابة 10 آلاف جنيه شهريًا، ومع ذلك، يقول لـ"فكر تاني" إن إجمالي دخله بالكاد يغطي نفقاته الشخصية، وفي مقدمتها المواصلات التي تستهلك نحو ألفي جنيه كل شهر.

ولا توجد وسيلة نقل عام تربط قريته بأبو حماد، ما يضطره إلى الاعتماد على "التوك توك"، بتكلفة تصل إلى 35 جنيهًا للرحلة الواحدة، أي نحو 70 جنيهًا يوميًا ذهابًا وعودة. ومع ارتفاع بقية تكاليف المعيشة، لم يعد العمل في المدرسة والدروس الخصوصية معًا كافيًا لمنحه شعورًا بالاستقرار.

وبعد رحلة بحث طويلة، اتفق إسلام مع أحد مكاتب السفر على التوجه إلى الإمارات بتأشيرة زيارة لمدة 3 أشهر، على أن يبحث عن عمل عقب وصوله. يلخص خطته قائلًا "يا ألاقي شغل يا أرجع تاني"، لكن تطورات الحرب الإيرانية الأمريكية، بحسب قوله، عطلت سفره وأبقت مشروع الهجرة معلقًا.

وبينما تبقى صورة "المعلم الرسول" حاضرة في الكلمات الرسمية والاحتفالات، يخرج محمد من الفصل ليرتدي خوذته ويبدأ ورديته الثانية، وتجلس عزة أمام ماكينة الخياطة، ويعتمد إسلام على الدروس الخصوصية ويحلم بعقد عمل خارج البلاد، فيما يواصل إيهاب البحث عن وظيفة تبدأ بعد انتهاء اليوم الدراسي، قبل أن يعودوا جميعهم إلى فصولهم في الصباح التالي، بعدما قضوا ما تبقى من يومهم في أعمال أخرى، لا طلبًا للرفاهية، وإنما بحثًا عن دخل يكفيهم حتى نهاية الشهر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة