لم تكن منار، وهو اسم مستعار لطبيبة الامتياز، تتخيل بعد سنوات طويلة من الدراسة والسهر أن تبدأ يومها مرتدية البالطو الأبيض داخل مستشفى القصر العيني صباحًا، ثم تنهيه خلف سماعة خدمة العملاء في أحد المنشآت الطبية ليلًا. لم يكن ذلك طموحها، وإنما محاولة لتوفير نفقات المواصلات والطعام، بعدما أصبحت مكافأة الامتياز البالغة 2630 جنيهًا غير كافية لتغطية أبسط احتياجاتها.
تقول الطبيبة، التي فضلت عدم ذكر اسمها لـ"فكر تاني"، "بتحس إنك بقيت دكتور، لكن ماديًا معاكش حاجة، مكافأة الامتياز لا تكفي حتى مصاريف المواصلات والأكل داخل المستشفى، أنا بحب الطب ومش ناوية أسيبه في يوم، لكن نظام البصمة اليومي مرهق، واضطريت أشتغل في الكول سنتر علشان أقدر أصرف على نفسي وأكمل تدريبي".
ليست قصة الطبيبة منار حالة فردية، إذ تعكس واقعًا يعيشه كثير من الأطباء الشباب في مصر، في ظل تدني الرواتب وطول ساعات العمل وتكرار الاعتداءات داخل المستشفيات، وهي ظروف دفعت كثيرين إلى التفكير في الاستقالة أو البحث عن مهنة أخرى أو الهجرة بحثًا عن بيئة عمل أكثر استقرارًا.
وتؤكد طبيبة امتياز أخرى، هي سهير أحمد، بالمستشفى نفسه جانبًا آخر من المعاناة، مرتبطًا هذه المرة ببيئة العمل والتدريب، فتقول لـ"فكر تاني"، إن "سنة الامتياز صعبة لأن اللي درسناه في الكتب مختلف تمامًا عن الواقع، المفروض نتعلم، لكن في أوقات كتير بنلاقي نفسنا بنسد العجز الإداري، ونشتغل كمساعدي تمريض أو ننقل أوراق بين الأقسام".
وتحكي سهير أنه في مرة احتاجت حالة طفل وصلة جهاز المونيتور لقياس الضغط، فرفضت إحدى الممرضات تسليمها الوصلة إلا بعد أن تترك بطاقتها الشخصية عندها كضمان، ولما اشتكت للإدارة، كان الرد "التمريض أصحاب المكان". ولا تتوقف المعاناة عند ذلك، فالنبطشيات طويلة، إلى جانب سوء الوجبات داخل المستشفى، فضلًا عن التعرض المتكرر للسب والاعتداء من مرافقي المرضى بسبب نقص الأدوية والمستلزمات، في ظل غياب الحماية الأمنية، وتتذكر سهير واقعة تعرضت فيها إحدى زميلاتها بقسم القلب لاعتداء بالأيدي من أسرة أحد المرضى، وتقول "للأسف، بقت الاعتداءات على الأطباء مشهدًا متكررًا، وبقينا بنسمع عنها ونشوفها بشكل شبه يومي".
النيابة الجامعية وطاحونة الزواج
قد يظن الطبيب أن أصعب المراحل انتهت بمجرد اجتياز سنة الامتياز، لكنه يجد نفسه أمام تحديات أكثر قسوة مع بداية "النيابة الجامعية"، وهي برنامج إقامة وتدريب تخصصي للأطباء بالمستشفيات الجامعية يجمع بين الممارسة السريرية والمسار الأكاديمي ، ويروي الطبيب المقيم أحمد عبد المنعم، الذي التحق بنيابة جامعة القاهرة، تجربته كشاب متزوج يحاول تأسيس أسرة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، قائلًا "أنا متجوز، والمرتب أكبر ضغط نفسي، راتب النيابة لا يُذكر، وفي المقابل جدول العمل مرهق وعدد الساعات طويل، لدرجة إنه يمنعني من الشغل في أي مستشفى خاص علشان أزود دخلي، أو إني أشتغل حتى كموظف خدمة عملاء كما كنت أعمل سابقًا فترة الامتياز".
ويضيف في تصريحات لـ"فكر تاني"، أنه في أول سنة يشتغلون في نقل الأوراق وإنهاء الإجراءات، وبعدها فجأة يصبحون مسؤولين عن أرواح المرضى، فيقول "بنقضي نبطشيات بتتجاوز 24 ساعة من غير نوم، ولما تبقى مطبق، تركيزك بيقل، وده ممكن يفتح الباب لأخطاء طبية سببها الإرهاق الجسدي والنفسي".
ومن قسم طوارئ الجراحة العامة والمناظير بمستشفى عين شمس الجامعي، يروي الطبيب المقيم محمد رامي جانبًا آخر من الأزمة، قائلًا "راتبي يتراوح بين 7 و8 آلاف جنيه، بينما إيجار شقتي وحده 5500 جنيه، لولا مساعدة والدتي كل شهر، ما كنتش هعرف أعيش أو حتى أفكر في الخطوبة".
ويتابع قائلًا لـ"فكر تاني"، إن "مقابل كل ثماني ساعات عمل إضافية في المستشفى الحكومي، بنحصل على ما بين 60 و80 جنيهًا فقط، وهو مبلغ لا يغطي حتى تكلفة المواصلات، وفوق ده كله، بندفع 7200 جنيه سنويًا رسومًا للماجستير، ودي رسوم سنة دراسية واحدة". ولا تقف المعاناة عند الجانب المادي، إذ يؤكد الطبيب أنه خلال فترة التكليف كان يخرج لمناظرة وفيات المنازل من دون أي حماية، كما شهد اعتداء عدد من مرافقي المرضى على استقبال الجراحة، حيث اعتدوا بالسب وكسروا زجاج المستشفى، بينما لم يتدخل أفراد الأمن، ويختتم حديثه قائلًا "المرضى الموجودون هم اللي حمونا، الناس في الخارج ممكن تستنى ساعات علشان يشوفها طبيب، لكن هنا أحيانًا ما بيستحملوش نص ساعة، وبيقتحموا الاستقبال لحالات غير طارئة، وده بيعطل الجراح عن التعامل مع الحوادث والعمليات العاجلة".

ضغوط مادية ومهنية
ولا تقتصر معاناة الأطباء على حالات فردية، وإنما تعكس أزمة أوسع تشهدها المنظومة الصحية في مصر، فقد حذرت نقابة الأطباء من تصاعد معدلات الاستقالة من القطاع الحكومي، مشيرة في بيان لها إلى استقالة أكثر من 11 ألف طبيب خلال 3 سنوات، وهو ما يهدد بزيادة العجز في الكوادر الطبية ويؤثر على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين
وفي حين يقدر المعدل العالمي للأطباء بـ23 طبيبًا لكل 10 آلاف مواطن، فإن المعدل في مصر 9 أطباء لكل 10 آلاف مواطن، ما يكشف العجز في الأطباء من جانب، ومن جانب آخر الضغوط على الأطباء في مجتمع يعاني من نقص من يقدمون الخدمة.
ويقول الدكتور خالد أمين، الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، في تصريحات تلفزيونية، إن عدد استقالات الأطباء البشريين سجل نحو 9600 استقالة خلال عام واحد فقط، مشددًا على أن تحسين بيئة العمل وتطوير فرص التدريب وتوفير الحماية القانونية للأطباء تمثل عوامل أساسية للحد من الاستقالات والهجرة.
وبين حلم الالتحاق بإحدى "كليات القمة" لخدمة المرضى، وواقع يفرض ساعات عمل مرهقة وضغوطًا معيشية ومهنية متزايدة، يجد كثير من الأطباء أنفسهم أمام معادلة صعبة، تدفع بعضهم إلى البحث عن فرص خارج البلاد أملًا في حياة مهنية أكثر استقرارًا.
من أوائل الثانوية الأزهرية إلى غرف العمليات في ألمانيا
من أقصى الصعيد، وتحديدًا من نجع حبشي بمركز القرنة في محافظة الأقصر، بدأت رحلة جراح التجميل الدكتور مؤمن عبد العزيز، الذي كان من أوائل الثانوية الأزهرية، فالتحق بكلية الطب بجامعة الأزهر، ثم بدأ تدريبه في مستشفى المطرية التعليمي، بالتزامن مع إعداد رسالة الماجستير في جراحة تجميل البطن وإصلاح الفتق السري.
ويقول مؤمن لـ"فكر تاني"، إن "الفترة دي كانت الأساس في تكويني كجراح، هناك اتعلمت الصبر، وعشت نبطشيات كانت بتوصل لـ36 ساعة متواصلة، وشفت أعدادًا كبيرة من الحالات اللي بتصقل أي طبيب في بدايته، لكن في نفس الوقت، كان فيه فجوة كبيرة بين حجم المجهود والعائد المادي، وفضلت فترة معتمد على دعم أهلي علشان أقدر أكمل".
ويضيف أن نقطة التحول جاءت بعد واقعة الاعتداء على أطباء مستشفى المطرية، التي انتهت بإحالة 9 من رجال الشرطة إلى المحاكمة الجنائية، موضحًا "في الليلة دي بدأت أفكر في الهجرة، حسيت إن مفيش أمان، وإن فيه سقف للتطور المهني صعب أتخطاه".
وكانت محطته الأولى جزر المالديف، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا، لكن الرحلة لم تكن سهلة، إذ يقول "أول ليلة ليا هناك نمت في الشارع، وبعدها عديت بسنة كاملة من الظروف المادية الصعبة، غير اللغة، وإجراءات معادلة الشهادة، ومحاولة الاندماج في نظام طبي مختلف، وفي الوقت ده كنت سايب مراتي وأولادي في مصر".
ووثق مؤمن تفاصيل تلك الرحلة عبر هاشتاج #حكايات_من_ألمانيا، الذي روى من خلاله كثيرًا من المواقف التي واجهها في الغربة، واليوم يعمل جراحًا هناك، ويستخدم أحدث التقنيات، مثل نظام "دافينشي" الجراحي الروبوتي، وهو منصة جراحية روبوتية متطورة تتيح للجراح إجراء العمليات الدقيقة عبر أذرع روبوتية تُدار بالكامل من خلال وحدة تحكم، لكن مؤمن يرى أن الفارق الحقيقي لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، فيقول "في مصر النبطشيات كانت طويلة ومفيش حدود واضحة لساعات العمل، لكن هنا كل حاجة منظمة بقانون، التكنولوجيا متوفرة، والتقدير المادي قريب من حجم المسؤولية، وأي اعتداء على الفريق الطبي بيتعامل معاه باعتباره جريمة لها عواقب قانونية فورية".
ورغم استقراره في الخارج، يؤكد في حديثه لـ"فكر تاني" أن الهجرة ليست رحلة سهلة، "فيها ضغط إنك تثبت نفسك من الصفر، وبعد عن الأهل، ومواقف عنصرية أحيانًا، غير الضغط اللي بيواجهه أي حد مش أبيض، خصوصًا لو كان مسلم أو مؤيد للقضية الفلسطينية، كل ده بيخليك تحس بالغربة مهما وصلت علميًا أو مهنيًا".
ورغم كل ما حققه، لا يزال مؤمن يفكر في العودة إلى مصر، لكنه يربط ذلك بتغيير حقيقي في بيئة العمل، ويقول "لو رجع بيا الزمن هاخد نفس القرار، لكن بعقلية أوضح، وأنا لسه نفسي أرجع مصر، لكن بشرط يكون فيه تقدير مادي عادل وبيئة عمل آمنة، المشكلة مش في المرتب بس، لأن الطبيب محتاج بيئة محترمة، وأمان وظيفي وجسدي، وفرص حقيقية للتطور، الطبيب المهاجر استثمار قومي مفقود، والحل مش في تقييد الهجرة، لكن في تهيئة بيئة تخلي الطبيب يختار يفضل في بلده".
الهجرة طوق نجاة
إذا كان بعض الأطباء لا يزالون يحاولون الصمود داخل المستشفيات المصرية، فإن آخرين حسموا قرارهم بالرحيل، بعدما رأوا في الهجرة فرصة لاستعادة حياة مهنية وإنسانية أكثر استقرارًا، وفي دول الخليج وأوروبا، ينقل أطباء مصريون كيف تبدلت ظروف العمل، بين ساعات أكثر تنظيمًا، وبيئة أكثر أمانًا، وتقدير يتناسب مع حجم المسؤولية.
وتروي الطبيبة شيماء، وهو اسم مستعار لأخصائية النساء والتوليد، أسباب مغادرتها مصر بعد حصولها على درجة الماجستير، قائلة "في مصر كنا بنكمل الشهر بالعافية، والشغل الحكومي ما كانش يكفي، ومن أصعب المواقف اللي عمري ما هنساها إني قضيت نبطشية 24 ساعة، وبعدها كملنا شغل لحد الساعة اتنين الظهر، يعني حوالي 36 ساعة من غير راحة".
وتضيف في حديثها لـ"فكر تاني"، أنه في "أثناء المرور على المرضى، دخل النائب الإداري غرفة الولادة وما لقانيش، فاعتبرني غايبة وأحالني للشؤون القانونية، رغم إني كنت بأدي شغلي، وقتها حسيت إن بيئة العمل مش آمنة، وإن الطبيب ممكن يتظلم من غير ما يلاقي حد ينصفه، ومن هنا بدأت أفكر بجدية في الهجرة". وتؤكد أن الغربة لم تكن سهلة، خاصة مع اضطرارها لترك طفلها الصغير في الحضانة مع بداية عملها، لكنها ترى أن المقابل كان يستحق هذا الثمن، موضحة "بره مصر ساعات العمل محددة، وفيه احترام للطبيب، وتقدير مادي يضمن حياة كريمة، والأهم وجود منظومة قانونية وأمنية بتحمي الفريق الطبي".
وتتفق معها الطبيبة أميرة صابر، أخصائية النساء والتوليد، التي هاجرت عام 2014، مؤكدة أن الفارق لم يكن ماديًا فقط، وإنما شمل طبيعة ممارسة المهنة نفسها، وتقول لـ"فكر تاني"، إنه في مصر "الطبيب مستباح، من أصعب المواقف اللي مريت بيها إن أسرة سيدة فقدت جنينها قبل وصولها للمستشفى اعتدت علينا وقلبت المكان، وما كانش فيه حد يحمينا". مضيفة، أنه "بعد السفر اكتشفت الفرق، في الخارج كل شيء قائم على الخطوط الاسترشادية العالمية وتتوفر الأجهزة والإمكانات اللازمة، والراتب يوفر حياة مستقرة مع تأمين ضد مخاطر المهنة، أما في مصر فكنا نعتمد في كثير من الأحيان على الخبرة الشخصية بسبب نقص الإمكانات".
ولا تختلف شهادة طبيب الأشعة عبد الغني محمد كثيرًا، إذ يقول إن يوم العمل كان يمتد بين 8 و11 ساعة، بينما كانت النبطشيات تصل أحيانًا إلى 24 ساعة متواصلة، وهو ما يفرض ضغوطًا بدنية ونفسية كبيرة على الفريق الطبي، ويستعيد واقعة لا تزال عالقة في ذاكرته، حين تعرض أحد فنيي الأشعة للاعتداء من مرافقي أحد المرضى بدعوى التأخر في تقديم الخدمة، مؤكدًا أن مثل هذه الحوادث تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، وتعزز شعور الأطباء بعدم الأمان أثناء أداء عملهم.
الاحتراق النفسي والمهني
واعتبرت الدكتورة جيهان عبد الحميد، استشاري طب المخ والأعصاب وعضو نقابة الأطباء، أن ما يمر به الطبيب الشاب في مصر لم يعد مجرد ضغوط مهنية عادية، وإنما تجاوز ذلك إلى ما يُعرف بـ"الاحتراق النفسي والمهني الحاد" (Burnout)، وتقول لـ"فكر تاني"، إن "الطبيب في النهاية كائن بشري، عنده طاقة استيعاب عصبية ونفسية محدودة، ولما يلاقي نفسه بيشتغل بعائد مادي لا يفي حتى بالاحتياجات الأساسية، وفي نفس الوقت بيقضي ساعات عمل طويلة تتجاوز الطاقة البشرية، وتحرمه بشكل مزمن من النوم، داخل بيئة تفتقر للمستلزمات والإمكانات، ومن غير حماية جسدية أو قانونية في مواجهة الاعتداءات أو حتى الجحود الإداري، فالنتيجة الطبيعية هي انهيار منظومة المقاومة النفسية عنده".
وتضيف أن هذا لا يعد انطباعًا شخصيًا، وإنما تؤكده الدراسات، مشيرة إلى دراسة صادرة عن الأمانة العامة للصحة النفسية بوزارة الصحة، كشفت أن أكثر من 74% من الأطباء المقيمين في المستشفيات الحكومية يعانون من أعراض القلق والاكتئاب والإنهاك الحاد المرتبط ببيئة العمل.
وترى عبد الحميد أن مواجهة الأزمة تتطلب التعامل معها باعتبارها أزمة منظومة، وليست مجرد أزمة رواتب، موضحة أن البداية تكون بإصلاح الهيكل المالي للأطباء، ورفع الرواتب بما يتناسب مع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة الحالية، حتى يتمكن الطبيب من ممارسة عمله دون أن يضطر للبحث عن مصدر دخل آخر. كما تؤكد أهمية التطبيق الفعلي لقانون المسؤولية الطبية، إلى جانب توفير حماية أمنية حقيقية داخل المستشفيات، خاصة في أقسام الاستقبال والطوارئ، لضمان بيئة عمل آمنة للطواقم الطبية، والحد من الاعتداءات التي باتت تتكرر بصورة مقلقة.
ولا تغفل الدكتورة جيهان الجانب المجتمعي للأزمة، إذ تقول إن "الطبيب بيدفع سنوات طويلة من عمره في الدراسة والتدريب علشان يقدر يخدم المريض، ولما يتفاجأ بحملات على السوشيال ميديا بتردد إن مصر خالية من الأطباء أو بتقدم صورة سلبية عنه بشكل مستمر، ده بيأثر على إحساسه بقيمة اللي بيقدمه، وعلى قدرته على الاستمرار في أداء رسالته". وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الحفاظ على الأطباء يكون بمنعهم من السفر، من خلال بناء بيئة عمل تمنحهم الأمان والتقدير وفرصة حقيقية لممارسة مهنتهم بكرامة.
وهي المعادلة نفسها التي تتكرر في كل شهادة من الشهادات السابقة، ويبقى غياب تلك البيئة القاسم المشترك بين كل الحكايات. غبين طبيبة امتياز تعمل في الكول سنتر لتتمكن من الوفاء بنفقات الطعام والمواصلات، وطبيب مقيم يدفع أكثر من 70% من راتبه البالغ 8 آلاف جنيه إيجارًا وينتظر مساعدة أهله ليكمل باقي الشهر، وآخر قدم استقالته وقضى ليلته الأولى في الغربة على الرصيف قبل أن يستقر في غرف العمليات بألمانيا، تتكرر الحكاية نفسها بأسماء مختلفة، وتختلف التخصصات، لكن القاسم المشترك يظل واحدًا، أطباء التحقوا بكلية القمة ليتخرجوا منها بعد تعب سنوات، ليجدوا أسوأ بيئة عمل، فلا تقدير مادي يكفيهم المتطلبات الأساسية، ولا أمان داخل المستشفيات، وورديات عمل قد تصل إلى 36 ساعة متواصلة تجعلهم عرضة للخطأ أو لتقديم خدمة سيئة للمرضى.