"أطفال للبيع وأرحام للإيجار".. كيف تُباع الأنساب في مصر عبر "فيسبوك"؟

قالت قبل إبرام أي اتفاق "عاوزة آخد بنج كلي، وقبل ما أفتح عيني تاخدي العيل وتختفي"، واستدركت "بس برضه قبل ما هولد هاخد الفلوس كلها"، ثم لم تجد الأم الحامل في شهرها الثالث شروطًا أخرى تضعها لعملية بيع جنينها الصغير، فأمسكت عن الكلام، ربما احتاجت الصمت في تلك اللحظة، لكنه بدا الخاتمة الأنسب لمشوار طويل قطعته من محافظة الإسماعيلية، وآخر ما يزال عليها احتماله حتى موعد إنجاز الصفقة بعد ستة أشهر.

وبالطريقة نفسها، ومن نقطة تبدأ أو تنتهي بذلك الصمت، تفرعت خيوط أخرى خلال تحقيق أجريناه داخل سوق سرية يتولى إدارتها سماسرة يربطون بين أسر تبحث عن طفل بأي وسيلة وأخرى دفعتها الظروف الاقتصادية إلى عرض أطفالها للبيع، خاضتها محررة "فكر تاني" بهوية مستعارة وعلى مدار أشهر، في جروبات فيسبوك خاصة بكفالة ورعاية الأطفال، حيث كانت مجرد نقرة واحدة على زر "إرسال رسالة" كافية لفتح باب طويل من التفاوض، تبدأ خطواته الأولى بمحادثة عابرة على "ماسنجر"، ثم تنتقل سريعًا إلى "واتساب"، ليرن الهاتف بعدها بصوت سمسار يتحدث عن أجنة لم تولد بعد بنبرة تاجر يثمن بضاعته، عارضًا خدماته.

رسوم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

وخلال عملها على إنجاز التحقيق تفاوضت المحررة مع 3 سماسرة لشراء أطفال، للكشف عن طرق البيع واستغلال حاجة الأسر الفقيرة، وأساليب نقل الأطفال من بطون أمهاتهم إلى السجلات الحكومية، كما تواصلت مع أسرتين يعرضون أطفالهم للبيع، وتحدثت مع أم تحاول بيع طفلها، وأب في أسرة أخرى يتولى العملية.

لم تكن المأساة تكمن في قسوة الفعل، وإنما واقع أسري سحقه العوز تمامًا، فالأم التي تئن تحت وطأة تربية ستة أطفال آخرين، الذين جاء شقيقهم السابع بينهم كـ"غلطة" لا تحتملها ميزانية الجوع، اتفقت مع زوجها على تحويل الرحم إلى وظيفة اضطرارية لصد الفقر وسداد الديون، وتقول في تسجيل صوتي "أنا حامل في الشهر التالت ومعايا 6 أطفال والطفل ده جه غلطة وأنا كلمت السمسار لو يعرف حد ياخده مني بس مقابل مادي يدفع تمن الولادة في أي مكان وهولد باسم اللي هتاخده وهاخد 50 ألف جنيه".

ولتأمين تلك الأموال المبكرة، عرضت قضاء شهور الحمل الأخيرة في ضيافة الجهة المشترية معلقة "معنديش مانع أقعد عندهم شهور الحمل، وهاخد 10 آلاف جنيه مقدم، والكلام ده هيكون بورق علشان أضمن إنك هتاخدي الطفل"، وعند سؤالها عما يضمن للمشترين عدم تراجعها أو مطالبتها بالطفل مستقبلًا، أجابت بمرارة تلخص سحق الغريزة الفطرية "أنا جوزي مش عاوز الطفل، وأنا بصراحة عندي بما فيه الكفاية وأنا اللي شايلة الهم، أنا مجرد ما هولد، مش عاوزة حتى أشوفه".

هذه الصدمة التي وثقها التحقيق بالصوت والمراسلات، ليست حالة معزولة أو نزوة فردية، وإنما واجهة لـ"بورصة أنساب رقمية" علنية تدار خلف شاشات الهواتف عبر مجموعات مغلقة على فيسبوك، تتخفى تحت شعارات براقة كـ"التكفل" أو "التبني".

سماسرة الثغرات

لا يتحدث السماسرة بلغة العاطفة أو القانون، بل بلغة "الثغرات"، وعبر تتبع ورصد ممتد لإحدى تلك العمليات، يبدأ المخطط برسالة عادية حول "إتاحة طفل للتبني"، ليرد السمسار بعبارة تكشف فورًا عن البحث عن غطاء شرعي للجريمة "طب حضرتك عائلة وكده ولا إيه الدنيا؟"، وبمجرد الاطمئنان إلى جدية الطرف المشتري ورغبته في الحصول على طفل بأي ثمن، تتدفق التفاصيل والخيارات المتاحة، حيث يقول السمسار في إحدى المحادثات الموثقة "الموضوع بيكون مكلف شوية وفيه سرية، الحل إما طفل موجود وأهله غير مقتدرين، وإما حالة لسه متولدتش".

وعند الاستفسار عن كواليس هذا "العرض"، يتكشف الوجه القبيح لاستغلال الفقر، حيث يعترف السمسار صراحة بآلية صيد الضحايا "الموضوع بيحصل لما يكون فيه زوجين عندهم طفل موجود وعايزين يتنازلوا عنه مقابل مبلغ مثلًا، أو لسه الزوجة حامل وهتسيب الطفل لأن عندهم كذا طفل ومش هيقدروا يتحملوا بسبب الضغط، حتى مصاريف الولادة مش بتبقى موجودة معاهم، وبردو يعني تكون مبلغ في المعقول لأن في ناس بتطلب مبالغ خيالية".

رسوم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

ولا تكن الخطورة الحقيقية في منظومة السماسرة في العثور على الطفل فقط، وإنما في قدرة السمسار على "شرعنة" نسبه داخل أجهزة الدولة بيسر شديد، إذ يشرح السمسار طريقة تسجيل المولود بثقة مستندة إلى ثغرات إدارية واضحة "المتابعة بتكون عند الدكتور باسم حضرتك، ويوم الولادة من المفترض أن الحالة بتخرج من العمليات، الزوج بيقدم البطاقة بتاعته طبعًا وبتاع الزوجة عشان يأخذ الإخطار (إخطار الولادة)"، وعند مواجهته باحتمالية كشف المخطط، يجيب بثقة مطلقة تبرز مواطن الضعف في الرقابة داخل المستشفيات الخاصة ومكاتب الصحة "مستحيل يتكشف، لأن معروفة بعد الولادة الزوج بيروح يقدم صور البطايق عشان يأخذ الإخطار، وأهم شي اسم الزوج موجود على بطاقة حضرتك دي حاجة، وتذكرة الدخول بتكون باسم حضرتك، ولو يكن مثلًا اسم حضرتك أسماء محمد، لما بدخل المركز بقول حالة ولادة تبع الدكتور فلان، اسم الحالة إيه؟ أسماء محمد. بعد الولادة بروح أقول للاستقبال عاوز الإخطار بديله صور البطايق وباخذ الإخطار، بس كده".

وتخضع هذه الجريمة لبورصة أسعار تحكمها الحاجة ولهفة الإنجاب، حيث يفصل السمسار في تسجيلاته قائمة الأسعار "ممكن شخص يقولك أنا عاوز 200 ألف وشخص ممكن يوصل لـ150 أو 120، وممكن شخص تاني يطلب مبلغ أكبر من كده، يقولك أنا عاوز 300 أو 400 ألف، وروح شوف حقن النهارده بكام ومش عارف إيه، وممكن شخص يكون عنده طفل عمر شهرين مثلًا ولا حاجة يأخذ 50 أو 60 ألف ويحمد ربنا".

ولتأمين الصفة والهروب من الملاحقة، يفرض السمسار حضورًا ميدانيًا للمشترين يوم الولادة، لكن مرونته تتسع لمن يخشون الظهور في الصورة، عارضًا البديل "أو مش حابة تباني في الصورة عادي، ممكن أحتاج صور البطايق، وكأننا إحنا أهل الزوجة مثلًا، عادي يعني".

أما درع الحماية الحقيقي الذي يتدثر به السمسار، فهو "المصلحة المشتركة" ويقينه بأن الفقر كفيل بشراء الصمت الأبدي، مبررًا ذلك "الأغلبية بيبقى عاوز الفلوس، يعني واحد عنده أربع أطفال وعليه ديون ما بعدها ديون، بيعتبروا أن الطفل مات في سبيل أنه يوفر حياة أفضل للأربعة اللي معاه"، معترفًا بأنه كـ"سمسار" أتم هذه العملية مرتين بنجاح تام.

ولم تكن خطط السمسار الموثقة مجرد مناورات رقمية، فخلف كل تكتيك شرحه على الواتساب، كانت هناك شبكة من الأسر الجاهزة للتنفيذ، وبمجرد استقرار المفاوضات على خيار "طفل قبل الولادة"، تحولت الوعود النظرية إلى تنسيق ميداني يقوده السمسار بنفسه مع عائلات حولت الحمل إلى "وظيفة بالطلب".

رسوم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

وعلى أرض الواقع، لم يختلف منطق الطرف البائع (الزوج) عن ممارسات السمسار، بل جاء حديثه ليوثق تحول الأبوة إلى عملية تجارية بحتة محكومة ببنود التسليم والدفع المؤجل، ففي المحادثات المباشرة، وضع الزوج البائع شروطه اللوجستية لإتمام الصفقة، محددًا خارطة طريق للشهرين الأخيرين من الحمل "وآخر شهرين من الحمل هتوفري مكان للمدام قريب منك ماشي، بعيد عنك ماشي برضه، لحد ما تولد وتستلمي الطفل ونستلم باقي حسابنا".

وعندما حوصر بأسئلة الضمانات والمخاوف من ضياع المبالغ المالية المدفوعة، لم يتردد البائع في اللجوء إلى المنظومة القانونية الموازية ذاتها التي تديرها شبكات السماسرة عبر "إيصالات الأمانة"، رابطًا درجة الأمان بقيمة رأس المال المدفوع "والله شوفي عاوزة إيه وأنا معاكي، عاوزة وصلات أوك، عاوزة المدام تقيم قريب منك لحد الولادة مع الوصلات مفيش مشكلة، لكن المبلغ هيزيد". ولم تكن الطمأنينة التي يبثها البائع نابعة من جهل بالعواقب، بل من يقين تام بآلية "انتحال الصفة" التي يرى أنها تجري بسلاسة داخل المنشآت الطبية، إذ بدد مخاوف المشترين من الملاحقة الجنائية بشرح آلية التزوير الإداري "ومشاكل ليه؟ المدام هتدخل المستشفى باسم حضرتك، والمتابعة عند الدكتور هتبقى باسم حضرتك، يعني مفيش فيه أي قلق، ليه القلق كل ده؟".

أما المنعطف الأكثر خطورة في اعترافات الطرف البائع، فتمثل في كشفه عن مرونة الشبكة في اختراق المنظومة الطبية، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على المراكز والعيادات الخاصة التي تتراخى في مطابقة الهويات، بل امتدت خياراتهم إلى عمق المنظومة الصحية الرسمية للدولة، حيث أكد بوضوح "الدكتور اللي حضرتك بتقولي عليه بنتابع معاه والولادة هتبقى في المركز اللي هو بيولد فيه، أو هنظبطها في مستشفى حكومي تدخل تولد فيها، الموضوع سهل والله"، قبل أن ينهي حديثه بصيغة "الإنذار التجاري" لسرعة حسم الصفقة "أنا قولتلك اللي هيتم، الموضوع هيمشي إزاي، فكري من دلوقتي لحد بكرة بالكثير".

ولم تكن خيوط هذه التجارة حكرًا على شخص واحد، فمع تعمق التتبع الرقمي، ظهر "مهندس" آخر للأنساب البديلة، ليرسخ فرضية تكرار النمط الإجرامي وتماثل الأدوات. وفي هذه المحادثات الموثقة، لم يعد عرض السمسار الثاني مقتصرًا على الأجنة الرحمية، بل اتسعت بورصة البيع لتشمل أطفالًا في عمر الوعي، حيث بادر بعرض خياراته بجمود تجاري "في طفل 6 سنوات، وفي طفل رضيع، منكِ للأهل على طول"، وخلف هذا العرض الصادم، كان الدافع الاقتصادي يطل بوجهه الأكثر قسوة، حيث كشف السمسار عن حالة أم سحقها العوز ودفعت بها كثرة الإنجاب إلى عرض أطفالها للبيع "في واحدة عندها 6 عيال مش قادرة عليهم، وحامل، ممكن تولد على اسمك وتاخدي الطفل على طول". وعند استفسار الطرف المشتري عن المقابل المادي الذي قد تطلبه هذه الأم المأزومة، أجاب السمسار باقتضاب يوضح طبيعة الصفقة "فلوس، أكيد".

وتظهر المحادثات الموثقة تكتيكًا نفسيًا مكررًا يتبعه السماسرة، وهو محاولة إضفاء "غطاء إنساني" زائف على جريمة الاتجار بالبشر لتبديد مخاوف المشتري وكسب ثقته، حيث تخفى السمسار خلف عبارات الدعم قائلًا "على فكرة أنا مش بستغل حد، ودي خدمة مني ليكي بس مش أكتر، هعمل المستحيل علشان أسعدك"، غير أن هذا الادعاء الإنساني سرعان ما كان يتلاشى عند التلميح للمقابل المادي المباشر له كـ"وسيط"، تاركًا الباب مفتوحًا لتحديد حصته من الصفقة.

والمنعطف التشريعي والأخلاقي الأبرز في سلوك السمسار الثاني، كان إصراره على فرض سياج من الكتمان والسرية التامة، مدركًا غياب الرقابة الحيوية وقدرته على تمرير الصفقة إداريًا طالما بقيت بعيدة عن الأعين، إذ ألح قاصدًا آلية انتحال الصفة وتزوير الهويات "ما تفكري في اللي بقولك عليه أسهل والله، ويكون سر، ولا حد يتحكم فيكي، وترضي جميع الأطراف". ولم يتوقف دور السمسار عند الوساطة الرقمية، بل تحول إلى "موجه سلوكي" يدير عملية التفاوض بين المشتري والأم البائعة لضمان عدم انهيار الصفقة أو تراجع الأسعار، مقدمًا نصائحه اللوجستية قبل المقابلة الميدانية "كلميها عادي، كلمتها قالت هكلمك بعدين، متحسسيهاش إنك عايزاها، وشوية كده رني عليها، ربنا يصلح لك الحال".

"بفلوسك تعمل كل شيء"

أما المرحلة الأكثر خطورة في حديث السمسار فكانت مرونته في اللعب بـ"الخلفية الدينية" للأطفال المعروضين للبيع، مؤكدًا قدرته على توفير أطفال من ديانات مختلفة ليتوافقوا مع ديانة الأسرة المشترية، حيث أشار بوضوح إلى توفر الخيارات الدينية في بورصته قائلًا "في تلك الحالات، بالنسبة لموضوع الأطفال موجود ولد، بنت، مسلم، مسيحي، اللي انتِ عايزاه إن شاء الله، فضل ربنا موجود"، وكأننا في سوق خضار.

وعند الاستفسار عن كيفية الإفلات من الفحص الرسمي للأوراق الثبوتية وعقد الزواج داخل غرف العمليات، جاءت إجابة السمسار حاسمة لتكشف كيف يتحول القطاع الطبي الخاص إلى أداة لتسهيل الجريمة بالمال، موجهًا المشتري بضرورة الابتعاد عن المستشفيات الحكومية "يا باشا الموضوع ده انت بتظبطه عند دكتور خاص تبعك أو دكتورة، ما ينفعش في المستشفى، لو ما عندكش دكتورة نشوف لك الموضوع ده، في دكاترة كتير جدًا". وبنبرة واثقة تتحدى الرقابة الصحية، نسف السمسار أهمية التدقيق في بطاقات الهوية داخل غرف التوليد قائلًا "مش بيشوفوا البطاقة والقسيمة للي هتولد؟ يا باشا بفلوسك النهاردة تعمل كل شيء".

ولتبديد مخاوف المشتري من الملاحقة الجنائية، تباهى السمسار بنجاح عملياته السابقة، مستشهدًا بحالة جرت مؤخرًا وتورطت فيها أطراف من طبقات متباينة "لو حضرتك عايز تكلم ناس لسه قبل رمضان بأسبوع في حد في القاهرة في الشرابية واخدة طفل من إسكندرية، كلمهم وعايز تقابلهم وتقعد معاهم وتشوف ده بعينك ما فيش مشكلة، بس لازم أستأذنهم الأول عشان دي ناس من الطبقة الراقية، بحاول أطمنك انت بس".

"بورصة النطاف".. البديل الأرخص من التبني

ولا تتوقف أنشطة شبكات السماسرة عند حدود الوساطة في البيع، بل تمتد إلى هندسة أجنة مجهولة الهوية بيولوجيًا خارج مراكز الخصوبة المعتمدة، هربًا من شروط "قسيمة الزواج" والرقابة الحكومية. وعندما تكون المشكلة الطبية لدى الزوج المشتري، يطرح السمسار ما يسميه "الحقن الصناعي البديل"، معترفًا بإدارته لثلاث حالات مشابهة على مدار عامين، فيقول "في ناس بتكون نفس الوضع كده مش عارفين يتبنوا طفل، أو الأم مثلًا محتاجة تعيش إحساس أن في رحمها جنين وكده، بتعمل حقن صناعي لكن بحيوان منوي غير زوجها، الشخص اللي هناخد منه الحيوان المنوي بيجمع الحيوان المنوي في أمبول ويفرغ، والموضوع بتكرار مثلًا ثلاث أربع مرات يوم ويوم".

وهذا الخيار، وفقًا لأدبيات السماسرة، يسوق على أنه "آمن واقتصادي" ومحمي بقانون خاص يبتكرونه عبر "وصلات الأمانة"، حيث تبلغ تكلفته بين 80 إلى 100 ألف جنيه، مع ميزة تفوق التبني يشرحها السمسار "أكيد أهون وأرحم من التبني، إحنا لو هنتبني بعد الولادة بناخد على الأم والأب ورق ووصلات عشان ميجيش بعد سنة اتنين عشرين يقولي ده ابني، لكن الحل التاني مبيعرفش تفاصيل كتير، هو فقط المحل اللي هيقيم فيه الحقن بيتم في وقت معين ما بعد البريود ومع السلامة، لا بيشوفنا ولا بنشوفه ثاني". ولتفادي الملاحقة الجنائية، يتم إبعاد المستشفيات والأطباء تمامًا، وتتحول الشقق المفروشة والمنازل إلى عيادات بدائية، حيث يؤكد السمسار في محادثاته "ما دي المشكلة بقا، عشان أقول مستشفى ودكتور يعني عاوزين قسيمة زواج وحوار، ده بقا شخص عنده خلفية عن أمور الحقن وهتم إزاي، فعشان كده بنبعد خالص عن المستشفيات، والأدوات اللي بيستخدمها نفس الأدوات اللي هستخدم لو في مستشفى من ناحية التعقيم وكل شيء".

غياب رد رسمي

وفي محاولة لمنح حق الرد ومواجهة الجهات التنفيذية بهذه الاختراقات، تواصلت محررة "فكر تاني" مع حاتم حسني، مدير مكتب إعلام وزير الصحة والسكان، الذي أفاد بأنه غير معني بالتصريحات الرسمية في هذا الشأن، موجهًا بضرورة التواصل مع الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، ورغم محاولات التواصل المتكررة مع المتحدث الرسمي هاتفيًا وعبر واتساب، وإرسال تفاصيل الاختراقات الموثقة، فإنه لم يرد أي تعقيب رسمي حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.

ولم يكن الموقف داخل أروقة نقابة الأطباء، باعتبارها الجهة المنوط بها محاسبة الأطباء، أكثر تجاوبًا، إذ تواصلنا مع الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، هاتفيًا وعبر واتساب لمواجهته بشهادات السماسرة التي تؤكد تورط أطباء في تزوير إخطارات الولادة وحقن النطاف في شقق مفروشة، غير أن نقيب الأطباء لم يرد على الاتصالات أو الرسائل حتى تاريخ النشر.

وامتدت محاولات المواجهة إلى المطبخ التشريعي تحت قبة مجلس النواب، للوقوف على المساعي البرلمانية لسد الثغرات القانونية التي تسمح بتزوير الأنساب، حيث تواصلنا هاتفيًا وعبر واتساب مع النائبة نيفين إسكندر، عضو لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب، للحديث عن آليات الالتفاف على القانون وغياب إلزامية فحص البصمة الوراثية في مكاتب الصحة، ولكن لم يتلقَّ التحقيق أي رد منها حتى تاريخ النشر.

ماذا يقول القانون؟

تنص المادة 2 من قانون رقم 64 لسنة 2010 بشأن مكافحة الاتجار بالبشر على أنه "يعد مرتكبًا لجريمة الاتجار بالبشر كل من يتعامل بأية صورة في شخص طبيعي بما في ذلك البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بهما أو الاستخدام أو النقل أو التسليم أو الإيواء أو الاستقبال أو التسلم سواء في داخل البلاد أو عبر حدودها الوطنية، إذا تم ذلك بواسطة استعمال القوة أو العنف أو التهديد بهما، أو بواسطة الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع، أو استغلال السلطة، أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة، أو الوعد بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا مقابل الحصول على موافقة شخص على الاتجار بشخص آخر له سيطرة عليه، وذلك كله إذا كان التعامل بقصد الاستغلال أيًا كانت صوره بما في ذلك الاستغلال في أعمال الدعارة وسائر أشكال الاستغلال الجنسي، واستغلال الأطفال في ذلك وفي المواد الإباحية أو السخرة أو الخدمة قسرًا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد، أو التسول، أو استئصال الأعضاء أو الأنسجة البشرية، أو جزء منها".

ويوضح عادل عامر، رئيس المركز المصري للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، أن بيع الأطفال حديثي الولادة يعد من أخطر صور الاتجار بالبشر، لأن القانون ينظر إلى الرضيع باعتباره عديم الإرادة وغير قادر على حماية نفسه، وهو ما يترتب عليه تشديد العقوبات، التي قد تصل إلى السجن المؤبد إذا ارتبطت الجريمة باستغلال حالة الضعف أو ارتُكبت من خلال شبكة منظمة.

رسوم: سلمى الطوبجي

ويشير في تصريحات لـ"فكر تاني" إلى أن بيع الأطفال مسؤولية قانونية على الآباء أو الأسر التي تتخلى عن أطفالها، وتمتد إلى كل من يتدخل في إتمام الصفقة، وعلى رأسهم السماسرة، حتى وإن ادعوا أنهم لا يحصلون على أي مقابل مادي. مؤكدًا أن مجرد التوسط بين الأسرة البائعة والأسرة الراغبة في الحصول على الطفل، أو تسهيل إجراءات التسليم، يكفي لاعتبار السمسار شريكًا في الجريمة، وقد يعد فاعلًا أصليًا إذا كان يتولى تنظيم العملية. ويشير إلى أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010 لا يشترط تقاضي السمسار أموالًا لإثبات الجريمة، وإنما يكفي ثبوت دوره في استقطاب الضحايا أو التفاوض أو نقل الطفل أو تسليمه، موضحًا أن العقوبات تصل إلى السجن المشدد والغرامات، مع تشديدها إذا كان المجني عليه طفلًا.

ويلفت عامر إلى ما رصده التحقيق من الاتفاق مع بعض السيدات على استكمال الحمل مقابل تسليم الطفل بعد الولادة، مؤكدًا أن هذا النموذج، المعروف بـ"الحمل بالطلب"، يمثل صورة مكتملة الأركان لجريمة الاتجار بالبشر، لأنه يقوم على اتفاق مسبق لاستغلال الحمل وتحويل المولود إلى محل صفقة، ويشدد على أن القانون يعاقب على هذه الوقائع بأقصى العقوبات، خاصة إذا ثبت وجود وسطاء أو تنظيم يتولى إدارة تلك العمليات.

الضحية الأولى

ومن الجانب النفسي، يوضح الدكتور وليد هندي أن جريمة بيع الأطفال لا تنتهي عند لحظة تسليم الطفل إلى أسرة أخرى، وإنما تمتد آثارها النفسية لسنوات طويلة، مؤكدًا أن الطفل يكون الضحية الأولى لهذه الممارسات التي تترك ندوبًا عميقة في تكوينه النفسي والاجتماعي.

ويشير هندي في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن ظاهرة بيع الأطفال ليست جديدة، لكن السوشيال ميديا والإنترنت سهلت نشاط السماسرة والوصول إلى الأسر الراغبة في بيع أطفالها أو الحصول عليهم خارج الأطر القانونية، موضحًا أن الفقر قد يكون عاملًا في بعض الحالات، لكنه لا يمكن اعتباره مبررًا لهذه الجريمة، لأن الغالبية العظمى من الأسر التي تعاني ظروفًا اقتصادية صعبة لا تلجأ إلى بيع أبنائها. ويلفت إلى أن الطفل الذي يكتشف لاحقًا أنه كان محل صفقة بيع أو تنازل مقابل المال، غالبًا ما تتشكل لديه صورة مشوهة عن والديه والأسرة، ويعاني اضطرابات في الثقة والانتماء والأمان، وهو ما قد ينعكس على علاقاته الاجتماعية واستقراره النفسي في مراحل عمره المختلفة.

ويؤكد استشاري الصحة النفسية أن بعض الضحايا قد يعيدون إنتاج أنماط العنف أو الإهمال التي تعرضوا لها، بينما يتجه آخرون إلى العزوف عن الزواج أو تكوين أسرة، نتيجة شعور دائم بعدم القيمة أو الكفاءة النفسية، وهو ما قد يصاحبه القلق والعزلة وصعوبة الاندماج مع المجتمع. ويحذر هندي من أن استمرار هذه الاضطرابات دون تدخل نفسي واجتماعي قد يزيد من احتمالات الانخراط في سلوكيات عدوانية أو مخالفة للقانون لدى بعض الحالات، مؤكدًا أن احتواء هؤلاء الأطفال نفسيًا واجتماعيًا يمثل جزءًا أساسيًا من مواجهة جريمة الاتجار بالأطفال، إلى جانب تطبيق القانون بحق المتورطين فيها.

وبين صمت الجهات الرسمية والتشريعية، وفجاجة عروض السماسرة، تكتمل فصول المأساة، فلم تعد القضية مجرد حالات عوز فردية تدفع أصحابها للتنازل عن أطفالهم، وإنما منظمة تعيد هندسة الأنساب من بوابات خلفية، ويبقى السؤال كم طفلًا ما زال ينتظر أن تنقذه الدولة قبل أن يتحول اسمه وهويته إلى بند في صفقة بيع؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة