لم تتغير فقط الوجوه التي تقدم النصائح الصحية للجمهور خلال العقود الأخيرة، تغيرت أيضًا المنصات التي صنعت نجومها ووسّعت تأثيرهم، فمن شاشات التلفزيون التي رعت شهرة معالجي الأعشاب في التسعينيات وبدايات الألفية، مرورًا بالفضائيات المتخصصة التي منحتهم جمهورًا أوسع، وصولًا إلى السوشيال ميديا التي أتاحت بناء مجتمعات رقمية كاملة حول أفكار غذائية وصحية بعينها، شهدت مصر تطورًا متدرجًا في ظاهرة البحث عن العلاج خارج الأطر الطبية التقليدية.
في هذا المسار، تمثل أسماء مثل عادل عبد العال، وسعيد حساسين، وأحمد أبو النصر، وضياء العوضي، محطات متعاقبة في رحلة تطور الخطاب الصحي البديل، فلكل منهم أدواته ومنصته وجمهوره، لكن القاسم المشترك بينهم كان تقديم سرديات صحية جذبت قطاعات واسعة من الجمهور الباحث عن حلول أبسط وأسرع لمشكلاته الصحية، وبينما ارتبط الجيل الأول والثاني بشاشات التلفزيون وبرامج الهواء المباشر، استفاد الجيل الأحدث من خوارزميات المنصات الرقمية التي سمحت بانتشار الأفكار على نطاق غير مسبوق، وحولت بعض الشخصيات من مجرد مقدمي نصائح أو مروجي منتجات إلى قادة مجتمعات افتراضية يتبنى أتباعها رؤى متكاملة حول الغذاء والمرض والعلاج.
ومع كل مرحلة، لم يعد التأثير مقتصرًا على بيع الأعشاب أو الترويج لمنتج بعينه، وإنما امتد إلى بناء منظومات فكرية كاملة تعيد تفسير أسباب المرض، وطرق الوقاية والعلاج، وأحيانًا تعيد تعريف العلاقة بين المريض والطبيب، وبين الغذاء والدواء.
وبين مؤيدين يرون في هذه الخطابات طريقًا بديلًا للصحة، ومنتقدين يحذرون من آثارها على المرضى، تكشف مسيرة هذه الشخصيات الأربع كيف تطور النفوذ الصحي الشعبي في مصر، من وصفات تعرض على شاشة تلفزيون، إلى أفكار ومعتقدات تنتشر عبر ملايين الشاشات المحمولة في أيدي المستخدمين، سيما أن الفراغ المعرفي في مجال الصحة، وارتفاع تكلفة العلاج، وانتشار الفضائيات ثم السوشيال ميديا، أوجدت بيئة مثالية لظهور هذه الشخصيات التي قدمت نفسها بديلًا للطب التقليدي أو مكملًا له، وقد تمكن بعضهم من بناء جماهير واسعة وتحقيق حضور إعلامي مؤثر، عبر البرامج التلفزيونية والعيادات الخاصة والمنصات الرقمية، ولعل أول من فتح هذا الباب على مصراعيه، ومنحه الملامح التي عرفها الجمهور المصري لعقود تالية، كان عادل عبد العال.
جيل التلفزيون
يُعد عادل عبد العال من أبرز الأسماء التي ارتبطت بالعلاج بالأعشاب والتغذية العلاجية في مصر والعالم العربي خلال التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، ووفقًا للسير الذاتية والتعريفات الإعلامية المنشورة عنه، وُلد في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، وارتبطت بداياته المهنية بالمجال الأكاديمي والرياضي، إذ عمل بعد تخرجه في جامعة المنيا، وتدرج في عدد من الدرجات العلمية المرتبطة بفسيولوجيا التغذية والرياضة.
وتشير البيانات المنشورة عنه إلى حصوله على درجة الماجستير في إصابات الركبة من جامعة عين شمس عام 1987، ثم درجة الدكتوراه في فسيولوجيا التغذية والرياضة من كلية طب قصر العيني عام 1993، كما ارتبط اسمه لاحقًا بدراسات وشهادات في مجالات الطب البديل والأعشاب والتغذية العلاجية.
وخلال الثمانينيات عمل في مجال الطب الرياضي والعلاج الطبيعي، كما ارتبط بالنشاط الرياضي داخل عدد من الأندية الرياضية، قبل أن ينتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث شغل عددًا من المواقع المهنية في أندية ومراكز طبية متخصصة، وعمل في مجالات العلاج الطبيعي والتغذية والبحوث العلاجية.
وفي منتصف التسعينيات أسس عددًا من المراكز المتخصصة في العلاج بالأعشاب والتغذية والتجميل في إمارة عجمان، وهو ما ساهم في اتساع شهرته عربيًا، بالتوازي مع ظهوره المكثف في البرامج التلفزيونية التي تناولت موضوعات الأعشاب والطب البديل والسمنة والنحافة.
واعتمد عبد العال في خطابه على الترويج لأهمية التغذية الصحية والعلاج بالأعشاب والنشاط البدني، وكان من أبرز المدافعين عن ممارسة الرياضة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الوقاية من الأمراض وتحسين الصحة العامة.
غير أن مسيرته لم تخلُ من الجدل، إذ واجه تحقيقات قانونية وانتقادات من جهات طبية خلال سنوات نشاطه، على خلفية ممارسته لأنشطة علاجية مرتبطة بالطب البديل والأعشاب، وتناقلت وسائل إعلام تقارير عن إحالته للنيابة، قبل صدور قرارات حدّت من ظهوره الإعلامي في مجال تقديم الوصفات العلاجية عبر الشاشات، وأوقف البرنامج ومُنع من الظهور، بعد أن حقق معه في قضية ممارسة الطب من دون ترخيص، وسُجن لمدة شهر، ومنذ ذلك الوقت اختفى الدكتور عادل إعلاميًا حتى نشر خبر وفاته عام 2022 إثر أزمة قلبية مفاجئة.
ورغم الجدل الذي أحاط بتجربته، ظل عادل عبد العال أحد أبرز ممثلي جيل التلفزيون في مجال الطب البديل، قبل أن يتراجع حضوره تدريجيًا مع صعود المنصات الرقمية، وظهور أجيال جديدة من المؤثرين في مجالات الصحة والتغذية.
ولم تكن تجربة عادل عبد العال مجرد قصة فردية لمعالج بالأعشاب حقق شهرة تلفزيونية واسعة، وإنما مثلت نموذجًا مبكرًا لكيفية توظيف الإعلام الجماهيري في منح الشرعية الشعبية للخطاب الصحي البديل. ومع اتساع انتشار القنوات الفضائية خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، لم تعد الوصفة العشبية تُقدَّم باعتبارها نصيحة صحية فحسب، وإنما تحولت تدريجيًا إلى نشاط تجاري متكامل يقوم على بيع المنتجات وبناء العلامات الشخصية. وفي هذه البيئة ظهر جيل جديد أكثر قدرة على استثمار الشهرة الإعلامية وتحويلها إلى نفوذ اقتصادي وسياسي، وكان سعيد حساسين أحد أبرز ممثليه.
جيل الفضائيات التجارية
في العقد الأول من الألفية الجديدة، ظهر سعيد حساسين وحقق شهرة كبيرة استمرت حتى منتصف العقد الثاني، عبر البرامج الفضائية المتخصصة في الأعشاب والطب البديل، ومن خلال تحليل الخطاب الذي قدمه خلال تلك الفترة، تبين أنه اعتمد على وصفات الأعشاب والعلاج الطبيعي لتقديم نصائح صحية مباشرة للمشاهدين، مكنته من اكتساب قاعدة جماهيرية واسعة بين العديد من الفئات الاجتماعية المختلفة، ليتحول بعدها تدريجيًا من صورة المعالج بالأعشاب إلى شخصية إعلامية ثم سياسية، مكنته بعدها من حجز مقعده في مجلس النواب، فهو يمثل نموذجًا للانتقال من النشاط العلاجي إلى مجالات أخرى، فبعد أن توسع نشاطه من خلال مراكز ومنتجات عشبية حملت اسمه، كان عام 2014 بداية لانهيار نشاطه، بعد أن أعلنت وزارة الداخلية ضبط آلاف العبوات من منتجاته غير المسجلة، وبعدها حذر جهاز حماية المستهلك من تداولها.
وفي العام التالي صدرت ضده أحكام بالحبس في قضايا تتعلق بالغش والتدليس، وبيع منتجات غير مرخصة، وممارسة مهنة الطب دون ترخيص، لكن انتخابه عضوًا بمجلس النواب عام 2015 وفر له حصانة برلمانية حالت دون تنفيذ الأحكام طوال فترة عضويته، وبعد انتهاء الدورة البرلمانية عام 2020، واستبعاده من خوض الانتخابات مجددًا بسبب أحكام قضائية نهائية، غادر إلى المغرب، حيث واصل أنشطته التجارية، بينما سعى إلى تسوية عدد من القضايا والتصالح في بعضها.
ومع مرور الوقت سقطت بعض الأحكام قانونيًا وخُففت أخرى، ليعود إلى مصر عام 2024 بعد نحو أربع سنوات من الغياب، معلنًا إغلاق ملف الأعشاب والطب البديل نهائيًا، ومتجهًا إلى قطاع التطوير العقاري، حيث ظهر مجددًا في وسائل الإعلام ممثلًا لإحدى شركات الاستثمار العقاري، والتسويق لمشروعاتها السكنية والتجارية.
وكشفت تجربة حساسين عن مرحلة جديدة في تطور الظاهرة، فبعد أن كان التأثير قائمًا أساسًا على الحضور التلفزيوني المباشر، أصبحت المنتجات والعلامات التجارية جزءًا أساسيًا من الخطاب الصحي البديل، غير أن المواجهات القانونية والرقابية التي تعرض لها عكست أيضًا حدود هذا النموذج التقليدي.
وفي الوقت الذي بدأت فيه القنوات الفضائية تفقد جزءًا من هيمنتها لصالح الإنترنت، ظهر جيل أكثر قدرة على استغلال المنصات الرقمية، يعتمد على التسويق الإلكتروني وصناعة المحتوى المباشر للجمهور دون الحاجة إلى الوسيط التلفزيوني، وهو ما تجسد بوضوح في تجربة أحمد أبو النصر.
جيل التسويق الرقمي
اشتهر إعلاميًا باسم "طبيب الكركمين"، حيث كان الصيدلي أحمد أبو النصر يعرف نفسه بأنه "أول أخصائي مصري معتمد للعلاج بالنباتات الطبية، من خلال تقديم مستخلصات النباتات الطبية للمساعدة في استبدال العلاج الكيميائي بمنتجات طبيعية صحية آمنة".
ووفقًا لموقعه الإلكتروني، يقول أبو النصر إنه "حاصل على ماجستير في العقاقير الطبية من جامعة القاهرة، ومعتمد من وزارة الصحة المصرية للعلاج بالنباتات الطبيعية، وشارك في العديد من الأبحاث العلمية من ضمنها أبحاث معهد الأورام المصري".
وبلغت شهرته ذروتها بين عامي 2017 و2021 تقريبًا، مستفيدًا من انتشار يوتيوب والقنوات الفضائية المتخصصة في الطب البديل، حيث كان الخطاب الذي قدمه قائمًا على الترويج للأعشاب ومستخلصاتها باعتبارها وسائل لعلاج عدد كبير من الأمراض، مع التركيز على منتجات الكركمين ومشتقاته، كما ارتبط اسمه ببيع وتسويق منتجات عشبية ومكملات غذائية من خلال مراكز ومتاجر ومنصات إعلامية.

وفي 2022 ألقي القبض عليه، وأحيل إلى المحاكمة بتهم تتعلق بالترويج لمنتجات غير مرخصة، وادعاءات علاجية، وإدارة أنشطة دعائية وعلاجية دون التراخيص المطلوبة، بحسب بيانات التحقيقات والنيابة المنشورة آنذاك، وتمثل قصته واحدة من أبرز حالات المواجهة بين الجهات الرقابية ومروجي الطب البديل في مصر خلال السنوات الأخيرة.
وإذا كان عبد العال قد مثّل مرحلة "المعالج التلفزيوني"، وحساسين مرحلة "المنتج العشبي المرتبط بالشهرة الإعلامية"، وأبو النصر مرحلة "التسويق الرقمي للمنتجات الصحية"، فإن المرحلة التالية حملت تحولًا أكثر عمقًا، فالمسألة لم تعد مرتبطة ببيع عشبة أو مكمل غذائي بعينه، وإنما ببناء تصور كامل للمرض والعلاج والغذاء، وهنا برز ضياء العوضي في بيئة رقمية مختلفة تمامًا، تسمح بتكوين مجتمعات افتراضية مغلقة تتشارك الأفكار نفسها وتعيد إنتاجها بصورة مستمرة، بما يتجاوز حدود العيادة أو الشاشة التقليدية.
العقيدة الغذائية
اختلفت حالة الدكتور ضياء العوضي كثيرًا عن سابقيه، فهو طبيب متخصص انجرف وراء أهوائه، فبعد أن تخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس، وحصل على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف، تخصص في التخدير والرعاية المركزة وعلاج الألم، وعمل أستاذًا مساعدًا بقسم الرعاية المركزة بكلية الطب جامعة عين شمس، كما حصل على درجة الدكتوراه في الرعاية المركزة.
ويكشف ظهور العوضي عن نقطة تحول لافتة في مسار الظاهرة، فبعكس كثير من الأسماء التي سبقته، لم يكن يقدم نفسه باعتباره معالجًا بالأعشاب أو مروجًا لمنتجات طبيعية فقط، وإنما كان طبيبًا متخصصًا يحمل خلفية أكاديمية معروفة، وقد منح ذلك خطابه قدرًا إضافيًا من المصداقية لدى قطاع من الجمهور، كما سمح لأفكاره بالوصول إلى شرائح ربما لم تكن تتجاوب بالقدر نفسه مع الخطابات التقليدية للطب البديل في المراحل السابقة.
وبدأ حضوره الجماهيري الواسع خلال النصف الثاني من العقد الأخير، ثم تضاعف انتشار نظامه الغذائي عبر السوشيال ميديا بما يشبه الهوس لدى بعض الفئات، لا سيما بعد وفاته، حيث انتشر نظامه بشكل مضاعف مقارنة بما كان عليه وهو على قيد الحياة، إذ أسهمت ظروف وفاته وحيدًا بعيدًا عن بلاده في نسج المزيد من الخيالات ونظريات المؤامرة، وفي ظل فوضى مواقع التواصل الاجتماعي، وعشرات المجموعات التي تفسر وتحلل بلا سند، ليعبر نظام "الطيبات" الغذائي الحدود وسط تحذيرات طبية، وصيحات تحذيرية من المتخصصين.
واعتمد العوضي على الربط بين الغذاء والأمراض المزمنة، وطرح فكرة أن تعديل النظام الغذائي يمكن أن يساعد في التعامل مع طيف واسع من الأمراض، وهو ما أثار جدلًا بين مؤيدين ومعارضين، وواجه انتقادات من متخصصين اعتبروا أن بعض الطروحات المنسوبة إليه تجاوزت ما تدعمه الأدلة العلمية المتاحة. وبالرغم من أن الأسس الطبية السائدة تعتبر أن التعميم آفة لا تغتفر، وأن لكل حالة وضعها الخاص الذي تتم متابعته بالأشعة والتحاليل للوقوف على مدى التحسن ومدى ملاءمة العلاج المتبع، كان العوضي يتشبث في نظامه بالتعميم الذي يطبقه على الجميع، رافضًا اللجوء إلى الأشعة والتحاليل، ويمنحهم أحكامًا مطلقة متطابقة تقريبًا مهما كانت الشكوى، وفي حال حدث ألم أو متاعب إضافية كان يصرخ في المترددين على عيادته ويتهمهم بأنهم لم يتبعوا النظام بدقة، ليثبت الأطباء والمتخصصون في ما بعد أن هذا التدهور جاء بسبب اتباع النظام لا العكس.
وبالرغم من وفاته في أبريل الماضي، ما زالت أفكاره مستمرة في التداول عبر مجموعات ومواقع يتابعها مؤيدوه.
وتكشف مسارات الشخصيات الأربع عن نمط متكرر في العلاقة بين الخطاب الصحي البديل والمؤسسات الرسمية، إذ غالبًا ما تبدأ الظاهرة خارج نطاق الرقابة، ثم تتوسع جماهيريًا قبل أن تبدأ الجهات الطبية والتنظيمية في التدخل بعد وصول التأثير إلى مستويات يصعب تجاهلها.
وعند النظر إلى هذه المسيرة الممتدة لأكثر من عقدين، تبدو الشخصيات الأربع وكأنها حلقات متتابعة في تطور ظاهرة واحدة أكثر من كونها تجارب منفصلة، فقد انتقلت الفكرة من وصفات الأعشاب التي تُعرض على شاشات التلفزيون، إلى مراكز ومنتجات تحمل أسماء أصحابها، ثم إلى التسويق الرقمي المباشر، وصولًا إلى بناء مجتمعات افتراضية كاملة تتبنى أنظمة غذائية ورؤى صحية متكاملة. وفي كل مرحلة كانت أدوات التأثير تتطور بالتوازي مع تطور وسائل الإعلام والاتصال، بينما ظل القاسم المشترك هو استثمار حاجة المرضى إلى الأمل والحلول السريعة، واستغلال الفجوة القائمة بين المعرفة الطبية المتخصصة والجمهور العام.
ولا يبدو أن هذه الظاهرة قد وصلت إلى نهايتها، فمع اتساع نفوذ المنصات الرقمية، وتطور أدوات صناعة المحتوى، والاعتماد المتزايد على الخوارزميات التي تعزز انتشار الرسائل المثيرة للجدل، تظل البيئة مهيأة لظهور شخصيات جديدة قد تمتلك قدرة أكبر على التأثير من أسلافها. وربما لن يكون السؤال مستقبلًا من هو النجم الجديد للطب البديل؟ وإنما كيف يمكن للمؤسسات الطبية والإعلامية والتعليمية أن تواكب هذا التحول، وأن تبني خطابًا علميًا قادرًا على المنافسة داخل الفضاء الرقمي نفسه، قبل أن تتكرر القصة بأسماء جديدة وجمهور أكبر وتأثير أوسع.