أنبياء الديجيتال | شهادات الأتباع من وعود الشفاء إلى تدهور المرضى

لم تكن بسنت إبراهيم تتوقع أن تتحول مقاطع الفيديو القصيرة التي تملأ شاشات الهواتف إلى سبب في دخول والدتها غرفة العناية المركزة، فالشابة التي لا تزال في منتصف العشرينيات تعيش مع أمها، وهي سيدة في العقد الخامس من عمرها تعاني منذ سنوات من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، وتلتزم يوميًا بنظام غذائي محدد وبجرعات الأنسولين التي تساعدها على السيطرة على مستويات السكر في الدم.

تقول بسنت إن والدتها كانت حريصة على تناول أدويتها في مواعيدها، وتدرك جيدًا خطورة التهاون في العلاج، لكن الأمر بدأ يتغير مع ظهور مقاطع متكررة على السوشيال ميديا تروج لما يعرف بـ"نظام الطيبات"، ومع مرور الوقت أصبحت تلك الفيديوهات تظهر أمامها باستمرار، حاملة وعودًا بالشفاء وتحسين الصحة والتخلص من الأمراض المزمنة عبر تغيير نمط الغذاء فقط. ورغم أن بسنت كانت تعبر دائمًا عن رفضها لهذه الأفكار وتحذر والدتها من التوقف عن العلاج أو التقليل من أهمية الأدوية، فإن الأم كانت تتابع تلك المقاطع بصمت، ولم تخبر ابنتها بأنها قررت بالفعل البدء في تطبيق النظام الغذائي الجديد، ولم تفصح أيضًا عن أنها بدأت في التراجع عن تناول الأدوية التي اعتادت عليها لسنوات.

وبعد أيام قليلة، لاحظت بسنت أن مستوى السكر لدى والدتها أصبح غير مستقر على غير العادة، واستمرت حالة الاضطراب لثلاثة أيام متتالية من دون سبب واضح، إلى أن جاءت اللحظة الأصعب عندما فقدت الأم وعيها ودخلت في غيبوبة استدعت نقلها بشكل عاجل إلى المستشفى. هناك فقط انكشف السبب، فخلال الفحوصات ومراجعة التاريخ المرضي، اكتشفت الابنة أن والدتها كانت تتبع "نظام الطيبات" منذ نحو أسبوع، وأنها تراجعت عن تناول الأدوية والجرعات اللازمة للتحكم في مرضها. وبالنسبة لبسنت، لم تكن الصدمة في تدهور الحالة الصحية فحسب، وإنما في أن وعودًا بالشفاء انتشرت عبر شاشة هاتف صغيرة كانت كافية لدفع والدتها إلى المجازفة بعلاج احتاجت إليه لسنوات، لتنتهي التجربة بأزمة صحية كادت أن تودي بحياتها.

الطريق إلى الفشل

ولم يختلف الوضع كثيرًا في حالة حمادة السيد، وهو شاب في منتصف الثلاثينيات من عمره، كان يبحث عن أكثر من وسيلة تساعده على تحسين حالته الصحية والتعامل مع مشكلة ارتفاع الأملاح التي يعاني منها منذ سنوات، وبينما كان يتابع محتوى صحيًا على السوشيال ميديا، تعرّف إلى ما النظام، واقتنع بفكرة الالتزام به أملًا في تحقيق نتائج أفضل من الطرق التقليدية التي اعتاد عليها. وبدأ حمادة تطبيق النظام بحماس، وكان من بين التغييرات التي أدخلها على حياته اليومية تقليل كميات المياه التي يشربها بشكل ملحوظ، وفي البداية لم يلاحظ أي أعراض استثنائية، وظن أن الأمور تسير بصورة طبيعية، لكن مع مرور الوقت، وتحديدًا بعد نحو 3 أشهر من الالتزام بالنظام، بدأت مؤشرات مقلقة في الظهور.

ويقول إن الألم بدأ تدريجيًا في منطقة الكليتين، ثم أخذ يزداد يومًا بعد يوم حتى أصبح يعيق نشاطه المعتاد، وبعد ذلك لاحظ تورمًا متزايدًا في اليدين والقدمين، وهو ما دفعه في النهاية إلى طلب المشورة الطبية وإجراء الفحوصات اللازمة. وكانت نتائج التحاليل صادمة، فقد أظهرت الفحوصات تأثر وظائف الكلى بشكل كبير، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في مستويات الأملاح داخل الجسم، وبسبب خطورة حالته، جرى نقله إلى المستشفى بصورة عاجلة ودخوله قسم الطوارئ لمتابعة وضعه الصحي بشكل مكثف.

وخضع حمادة لسلسلة من الإجراءات العلاجية العاجلة شملت تصحيح اضطراب الأملاح والسوائل في الجسم، ومراقبة وظائف الكلى على مدار الساعة، إلى جانب بروتوكول علاجي مكثف لتجنب مزيد من التدهور، ووفقًا للأطباء الذين تابعوا حالته، فإن التأخر في طلب الرعاية الطبية كان من الممكن أن يؤدي إلى فشل كلوي حاد يستلزم بدء جلسات غسيل كلوي طارئة. واليوم، ينظر حمادة إلى تلك التجربة باعتبارها واحدة من أصعب المحطات في حياته، بعدما تحولت محاولة البحث عن حل صحي إلى أزمة كادت تنتهي بفقدان إحدى أهم وظائف جسمه الحيوية، لولا التدخل الطبي السريع الذي أنقذه في اللحظات الأخيرة.

ولا تُعد حالة والدة بسنت أو حمادة الشهادات الوحيدة عما عايشه مرضى "ضياء العوضي"، فهناك عشرات الشهادات المتداولة على السوشيال ميديا لأسر مرضى ساءت حالتهم بعدما ساروا قدمًا على نظامه الغذائي، وتسبب لاحقًا في تدهور حالتهم الصحية. ومن بين تلك الشهادات، ما رواه المحلل الرياضي ضرار مختار عن تجربة والدته مع نظام الطيبات الغذائي وما أعقبها من تدهور في حالتها الصحية. وقال مختار، في مقطع فيديو نشره عبر حسابه على فيسبوك، إن أمه كانت تعاني من قصور في وظائف الكلى، وظلت حالتها مستقرة نسبيًا لسنوات تحت إشراف طبي منتظم، قبل أن تتوجه لاستشارة ضياء العوضي، الذي أوقف جميع الأدوية التي كان قد وصفها لها الدكتور نبيل ويصا، استشاري الباطنة والغدد الصماء، واستبدل بها نظام غذائي جديد إلى جانب بعض الأدوية والفيتامينات.

وأضاف "كانت إنزيماتها 2.3 و2.6، وكانت تتناول هذه الأدوية منذ 3 أو 4 سنوات، وكانت تجري تحاليل شهرية وكانت النتائج مستقرة، لكن والدتي سئمت كثرة العلاج، وكانت تتمنى في يوم من الأيام أن تخفف منه أو تقلله، شأنها شأن أي شخص لا يستطيع الاستمرار في تناول هذه الكمية من الأدوية، وعندما ذهبت إلى ضياء العوضي للكشف، شطب جميع الأدوية باللون الأحمر وكتب لها دواءين أو 3، وطلب منها اتباع نظام الطيبات". وتابع "قال لها العوضي أن تعود إليه بعد شهر، لكنها شعرت بإعياء شديد، فذهبت إليه بعد 21 يومًا، وأخبرته أن حالتها تزداد سوءًا وأنها لا تستطيع الانتظار حتى نهاية الشهر، فقال لها أكيد عملتي حاجة غلط، أكيد لخبطتي في الأكل، فأجابته بأنها التزمت بكل ما قاله، فقال لها أكيد أكلتي كوسة".

@hanii6974

#ضياء_العوضي مختار ضرار الأستاذ الجامعي المتخصص في اللغة الإسبانية والترجمة، والمحلل الرياضي في التلفزيون المصري.. خرج بفيديو شخصي بيحكي فيه قصة والدته. قال إن والدته أُصيبت بفشل كلوي بعد ما اتبعت نظام "الطيبات" ودة مش كلام نظري.. ده واقع عاشه هو وأسرته. ‏متجريش ورا أي نظام "طبيعي" أو "رجيم صحي" قبل ما تتأكد إنه آمن على جسمك، خصوصاً الكلى. الكلى مش بترجع زي الأول بسهولة. اي شخص عنده مشكلة طبية ميوقفش أدويته عشان ميحولش مشكلته لكارثة ‏الصحة مش لعبة ونشر الوعي أمانة وممكن ينقذ حياة. ‏⁧‫#ضياء_العوضى

♬ الصوت الأصلي - Hanii@@

وأشار إلى أن الحالة الصحية لوالدته شهدت تدهورًا كبيرًا بعد ذلك، ما استدعى نقلها إلى المستشفى، حيث شُخصت بالفشل الكلوي، وأصبحت تعتمد على جلسات الغسيل الكلوي حتى الآن. وأضاف "والدتي دخلت مستشفى الزراعيين، وأصبحت مريضة كلى، وتوقفت الكلى عندها عن العمل، ووصلت إنزيمات الكلى إلى 6 و7 وأرقام غريبة جدًا".

رسالة العوضي

ورغم مرور نحو شهرين على وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي، فإن الجدل المرتبط بأفكاره لم يتراجع، ويبدو أن انتشار نظامه الغذائي المعروف باسم "الطيبات" ازداد بصورة لافتة بين بعض الفئات، متجاوزًا في نطاقه ما كان عليه خلال حياته، وذلك رغم التحذيرات المتكررة الصادرة عن الأطباء والمتخصصين والجهات الصحية. وعلى فيسبوك تحديدًا، يمكن رصد عشرات التعليقات والمنشورات المتشابهة التي تتبنى روايات تتحدث عن تعرض العوضي لـ"الاغتيال"، وتدعو إلى التمسك بأفكاره الغذائية واتباع نظامه باعتباره طريقًا إلى الشفاء. وفي الوقت نفسه، توسعت المجموعات الداعمة لأفكاره خارج مصر لتشمل متابعين في الأردن وتونس والجزائر والعراق والمغرب، كما أصدرت وزارة الصحة السعودية تحذيرًا من الاعتماد على الأنظمة الغذائية غير المثبتة علميًا كبديل عن العلاجات الدوائية الموصوفة، وذكرت بالاسم نظام "الطيبات"، محذرة من المخاطر الصحية المحتملة المترتبة على اتباعه.

ولم يؤدِ غياب صاحب الفكرة إلى تراجع حضورها، وعلى العكس، يرى متابعون أن وفاة العوضي أسهمت في تحويل أفكاره إلى ما يشبه الحركة اللامركزية، إذ بات آلاف وربما ملايين من أتباعه يتحدثون باسمه ويعيدون إنتاج خطابه عبر المجموعات والصفحات والمنصات الرقمية. ويظهر ذلك بوضوح في الحجم الكبير للمجتمعات الإلكترونية التي تتبنى أفكاره وتدافع عنها، كما ينعكس في مظاهر يومية مرتبطة بتغير أنماط الاستهلاك الغذائي لدى بعض الفئات، فمن بين المؤشرات التي يتداولها المتابعون ازدياد الإقبال على بعض المنتجات المرتبطة بالنظام، مثل الخبز الأسمر، إلى درجة جعلته أكثر حضورًا في الأسواق مقارنة بما كان عليه في السابق، رغم أنه لم يكن جزءًا أساسيًا من الثقافة الغذائية السائدة لدى قطاعات واسعة من المصريين.

ورغم أن التوقعات كانت تتجه نحو تراجع شعبية النظام تدريجيًا بعد وفاة صاحبه، خصوصًا مع تزايد شكاوى أطباء الرعاية المركزة والطوارئ من استقبال حالات تعاني مضاعفات صحية خطيرة، من بينها جلطات وارتفاعات حادة في مستويات السكر وتدهور وظائف الكلى، لدى أشخاص التزموا بصورة صارمة بالتوصيات الغذائية المرتبطة بالنظام، فإن انتشار الفكرة اتخذ على أرض الواقع مسارًا مختلفًا. فخلال الأشهر الأخيرة بدأت بعض المطاعم وصفحات التسويق عبر السوشيال ميديا في الترويج لما يُعرف بوجبات "الطيبات"، مع تقديمها بوصفها جزءًا من نمط غذائي قادر على تحسين الصحة أو المساعدة في الشفاء من الأمراض.

وأثار هذا التوسع قلقًا متزايدًا، مما دفع عضو مجلس النواب أشرف أمين إلى التقدم بـطلب إحاطة موجه إلى وزارة الصحة ورئاسة مجلس الوزراء والهيئة القومية لسلامة الغذاء، مطالبًا ببحث سبل مواجهة انتشار هذه الثقافة الغذائية التي سبق أن حذرت منها الجهات الصحية المختصة.

غرف الصدى

من جانبها تقول الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، إن ما يشهده المجتمع اليوم يمكن وصفه بـ"ثورة الوعي الزائف"، حيث يطرح سؤالًا جوهريًا نفسه بإلحاح، وهو لماذا هجر كثير من الناس عيادات الأطباء، وبدأوا في تصديق شاشات الهواتف ومحتواها السريع بدلًا من الرجوع إلى الخبرة الطبية المتخصصة.

وتوضح جيهان لـ"لفكر تاني"، أن الطبيب تاريخيًا كان يمثل المرجع الأول والأخير في قضايا الصحة والمرض، وكانت زيارة العيادة تُبنى على قدر كبير من الثقة والاحترام للمعرفة العلمية، لكن هذا التصور تغير بشكل جذري مع صعود السوشيال ميديا، التي أتاحت لمقاطع قصيرة لا تتجاوز ثوانٍ معدودة أن تؤثر في قرارات صحية مصيرية، تصل أحيانًا إلى إيقاف أدوية حيوية واستبدالها بأنظمة غذائية أو وصفات غير مثبتة علميًا.

وترى أن هذا التحول لا يمكن تفسيره على أنه مجرد جهل فردي، وإنما ظاهرة نفسية واجتماعية مركبة تعكس أزمة ثقة واسعة وتغيرًا في طريقة تلقي المعرفة، فالمجتمع المعاصر يعيش حالة من القلق المستمر تجاه الأمراض والمخاطر الصحية والغذائية، ما يدفع الأفراد للبحث عن حلول سريعة تمنحهم شعورًا بالسيطرة واليقين، حتى لو كانت هذه الحلول غير دقيقة علميًا. وتضيف أن الخطاب الصحي البديل ينجح في جذب المتلقين لأنه يقدم إجابات حاسمة وبسيطة، في مقابل الخطاب الطبي الذي يعتمد على التفسير العلمي المعقد والاحتمالات، وهو ما يبدو أقل إقناعًا في لحظات الخوف والضعف.

كما تشير إلى أن العلاقة التي يبنيها صناع المحتوى مع جمهورهم تلعب دورًا مهمًا في تعزيز الثقة، إذ يشعر المتابعون بقدر من الألفة والخصوصية معهم، في حين تُنظر المؤسسات الطبية أحيانًا باعتبارها أكثر رسمية وبُعدًا عن الواقع اليومي، وتلفت كذلك إلى أن تنامي الشكوك حول دوافع صناعة الدواء يعزز من صورة المؤثر الرقمي باعتباره "البديل الموثوق" لدى البعض.مؤكدة أن خوارزميات السوشيال ميديا تسهم في تعميق هذه الظاهرة من خلال ما يُعرف بـ"غرف الصدى"، حيث يُحاصر المستخدم داخل محتوى متشابه يعزز قناعاته ويقلل من فرص التعرض للرأي العلمي المخالف، ما يؤدي إلى تكوين ما يشبه "القبائل الرقمية" التي تمنح أفرادها شعورًا بالانتماء، لكنها في الوقت نفسه قد تعزز الانغلاق الفكري. وتختتم بأن هذه الدوائر المغلقة تساهم في إعادة تشكيل ما يمكن تسميته بـ"الحقيقة الاجتماعية"، حيث تتحول التجارب الفردية إلى قناعات جمعية تتداول بوصفها حقائق ثابتة، رغم افتقارها في كثير من الأحيان إلى الأساس العلمي، مما ينعكس في النهاية على القرارات الصحية للأفراد وعلى الصحة العامة للمجتمع.

ورغم ما يراه متخصصون من تناقضات جوهرية داخل هذا النظام الغذائي، وما يتضمنه من قوائم للمسموحات والممنوعات تخالف كثيرًا من الأسس العلمية المتعارف عليها في التغذية العلاجية، فإن قطاعًا من المرضى لا يزال يتمسك به أملًا في التخلص من معاناته الصحية، فبينما يستبعد النظام بعض الأطعمة التي تُعد جزءًا أساسيًا من الأنماط الغذائية الصحية، مثل عدد من الفواكه ومنتجات الألبان والبيض، فإنه يتيح تناول منتجات أخرى مصنعة أو عالية المعالجة يوصي خبراء التغذية عادة بالحد منها. ويشير متخصصون إلى أن هذه التوجهات تتعارض مع ما استقرت عليه الأدلة العلمية الحديثة، التي تؤكد أهمية التنوع الغذائي والاعتماد على الأغذية الطبيعية الطازجة ضمن نظام متوازن.

غير أن كثيرًا من المرضى الذين أنهكتهم الأمراض المزمنة يجد في هذه الوعود بارقة أمل، خاصة عندما تُطرح عليهم باعتبارها طريقًا مختصرًا نحو التحسن أو الاستغناء عن الأدوية، لكن هذا التحسن السريع الذي يتحدث عنه بعض المتبعين للنظام قد لا يعكس دائمًا تحسنًا حقيقيًا في الحالة الصحية، إذ يحذر أطباء من أن بعض التغيرات قد تخفي وراءها تدهورًا تدريجيًا وصامتًا في وظائف الجسم، لا تظهر آثاره إلا بعد مرور الوقت، وعندها قد يصبح التعامل مع المضاعفات أكثر صعوبة، وربما غير قابل للعلاج الكامل في بعض الحالات.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة