قبل أشهر قليلة من موعد زفافها، كانت فاطمة تعد الأيام المتبقية على ليلة انتظرتها طويلًا. شابة في مقتبل العمر تعمل مسؤولة ائتمان بإحدى جهات التمويل في محافظة الإسماعيلية، تحاول مثل آلاف الفتيات الجمع بين متطلبات الحياة وأحلام المستقبل، غير أن صباح 21 يونيو الجاري حمل نهاية مختلفة تمامًا لقصتها، إذ تناولت حبة الغلة داخل منزل أسرتها بقرية سرابيوم التابعة لمركز فايد، لتنتهي رحلتها تاركة خلفها أسئلة ثقيلة تتجاوز حدود قصتها الشخصية.
بحسب روايات أسرتها وزميلاتها، لم تكن الأزمة مرتبطة بدين شخصي أو خلاف عائلي، إنما بضغوط عمل متراكمة بدأت مع تعثر عدد من العملاء المكلفة بمتابعتهم دفعتها، وفق ما نقله ذووها، إلى بيع ذهبها وجهاز زفافها والاستدانة من أكثر من جهة والدخول في جمعيات في محاولة لسد فجوة آخذة في الاتساع، ومع تضخم المبالغ المطلوبة منها وتكرار محاولاتها ترك العمل من دون جدوى، تحولت المخاوف اليومية إلى عبء نفسي ثقيل، سبقته رسائل تحدثت فيها عن عجزها عن توفير الأموال المطلوبة وخوفها من المستقبل.
لم تكن فاطمة تعمل داخل مؤسسة معزولة أو قطاع محدود التأثير، إنما ضمن واحدة من أكبر شبكات التمويل المنتشرة في مصر، فوفقًا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، ضم قطاع التمويل متناهي الصغر بنهاية الربع الأول من عام 2025 نحو 1038 شركة وجمعية ومؤسسة أهلية، تمتلك 3595 فرعًا و3664 منفذًا على مستوى الجمهورية. وخلف هذه الشبكة الواسعة يعمل آلاف الموظفين والعاملات في الائتمان والتحصيل والمتابعة الميدانية، يتولون يوميًا الوصول إلى العملاء ومتابعة الأقساط وتحصيل المستحقات. وبينما تعكس الأرقام نموًا متسارعًا للقطاع، تكشف شهادات عاملات وموظفين حاليين تحدثوا لـ"فكر تاني" عن ضغوط التحصيل والخوف من الخصومات وملاحقة العملاء المتعثرين والعمل لساعات طويلة مقابل أجور محدودة، وهي ضغوط تجعل من العاملين في خطوط التحصيل الأمامية طرفًا يتحمل تبعات المنظومة دون أن تمتد إليه حمايتها.
وكشفت شهادات عدد من العاملين عن تباين في طبيعة العلاقة التي تربطهم ببعض جهات التمويل، فبينما قالت إحدى الموظفات إنها تعمل منذ سنوات دون تأمينات اجتماعية أو عقد عمل يُثبت حقوقها، روى موظف آخر أن الجهة التي يعمل بها ألزمته عند التعيين بالتوقيع على مجموعة من الأوراق لم يُتَح له الاطلاع على مضمونها، ليكتشف لاحقًا، وفق روايته، أن من بينها أوراقًا موقعةً على بياض استُخدمت لتهديده حين حاول ترك العمل. وتحدثت موظفة ثالثة عن اقتطاع جزء من راتبها بصورة مستمرة لا يُصرف إلا إذا نجحت في تحقيق مستهدفات التحصيل، فيما أكد آخرون أنهم يتحملون مسؤولية ملف القرض بالكامل، منذ استقطاب العميل وحتى متابعة الأقساط، رغم محدودية الضمانات الوظيفية التي يتمتع بها بعضهم.
الخوف من العودة بخفي حنين
على كتفها الأيسر أثر غائر تركته حقيبة ثقيلة لم تغادر ظهرها تقريبًا منذ أشهر. داخل الحقيبة تختلط ملازم كلية الحقوق بأوراق العملاء وسجلات الأقساط، بينما تختلط في رأس "أمل" ذات العشرين عامًا، أحلام طالبة جامعية تريد أن تصبح محاميةً يومًا ما، مع مخاوف موظفة ائتمان تقضي أيامها بين القرى والنجوع بحثًا عن أقساط متأخرة.
وبصوت خافت يكاد يضيع وسط ضجيج الطريق، تحكي أمل رحلتها اليومية التي تبدأ مبكرًا ولا تنتهي إلا مع حلول المساء. ساعات طويلة تقضيها متنقلة داخل مركز فرشوط بمحافظة قنا، بين منازل العملاء في قرى متفرقة، حاملة حقيبتها على ظهر نحيل أنهكته المواصلات والانتظار والسير تحت شمس الصعيد. لا يتجاوز راتبها الشهري أربعة آلاف جنيه يذهب نصفها تقريبًا إلى المواصلات وحدها، وما يتبقى يتوزع بين احتياجات الدراسة والكتب الجامعية ومصروفات الحياة اليومية. ولا تجمع أمل بالشركة التي تعمل بها أي علاقة رسمية، سوى خط هاتفي تسلمته مع صورة بطاقتها كضمان، فتقول معلقة لـ"فكر تاني"، "أوقات بحس إني بجري طول اليوم علشان أفضل واقفة مكاني".
غير أن أكثر ما يثقل ظهر أمل ليس الحقيبة الممتلئة بالأوراق والكتب، إنما الخوف الدائم من العودة إلى الفرع دون تحصيل الأقساط المطلوبة. فبحسب روايتها، تتحول مهمة متابعة العملاء المتعثرين أحيانًا إلى مطاردة يومية، تطرق الأبواب وتعيد الزيارات وتحاول إقناع العملاء بالسداد، بينما يرافقها شعور مستمر بالقلق من رد فعل الإدارة إذا عاد أحد الملفات دون تحصيل. "بننزل لحد بيوت الناس نتحايل عليهم يدفعوا القسط"، تقولها بصوت مرتبك قبل أن تضيف "أنا مرعوبة أرجع الفرع والعميل ما دفعش، مرة اتبهدلت بسبب إني مقدرتش أجمع الرقم المطلوب مني في التحصيل، وحجز مرتبي وخلاني ألف زي المجنونة، وأسمع كلام بطريقة صعبة من بعض العملا، لحد ما قعدت قدام بيت عميل ساعة كاملة وأنا اتحايل علشان آخد القسط".
وتحقيق المستهدف والخوف من عدم التحصيل هو أيضًا ما يجعل "هبة" التي تعيش في منزل العائلة بمحافظة المنوفية، ولا تنام حتى بعد أن ينام طفلاها. تجلس الأم الثلاثينية التي توفي زوجها في ركن هادئ من المنزل، تفتح هاتفها من جديد وتبدأ في مراجعة الأسماء، عميل أغلق هاتفه، وآخر وعد بالسداد غدًا، وثالث لم يعد يرد على الاتصالات منذ أيام. انتهى دوام العمل رسميًا منذ ساعات، لكن العمل بالنسبة لها لم ينتهِ قط. تقول هبة، التي تعمل بإحدى مؤسسات التمويل متناهي الصغر التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي "مفيش حاجة اسمها خرجت من الشغل، العملا معايا في البيت، وفي المطبخ، وحتى وأنا قاعدة مع أولادي".
تبدأ يومها مبكرًا قبل استيقاظ طفليها، تجهز احتياجات المنزل على عجل، ثم تخرج في جولات ميدانية بين القرى لمتابعة العملاء والأقساط المستحقة. ومع نهاية اليوم تعود منهكة إلى المنزل، في حين تظل عشرات المكالمات والرسائل تلاحقها حتى ساعات متأخرة من الليل، وتضيف لـ"فكر تاني"، "أوقات ابني بيكلمني وأنا ماسكة التليفون مع عميل متعثر، فأقوله استنى دقيقة، والدقيقة تبقى ساعة". تتوقف قليلًا ثم تبتسم بحزن "بقيت حاسة إني مقصرة في حق ولادي طول الوقت".
لا تتحدث هبة عن إرهاق العمل وحده، إنما عن شعور دائم بأنها محاصرة بين عالمين في الخارج تطارد العملاء المتعثرين، وفي الداخل تحاول أن تكون أمًا حاضرة في حياة طفلين يحتاجان إليها. وتروي أنها في بعض الأيام تعود إلى المنزل محملةً بعشرات القصص الثقيلة، أسر فقدت مصدر رزقها، وأخرى عاجزة عن سداد الأقساط، ومشكلات لا تنتهي، في حين أن المطلوب منها في النهاية هو تحقيق المستهدف، "أوقات ببقى قاعدة بأذاكر لابني وأنا بفكر في عميل اختفى، أو قسط متأخر، أو ملف مطلوب مني أخلصه". ومع مرور السنوات، بدأت تشعر أن الحدود بين حياتها الشخصية والعمل اختفت تمامًا "الشغل دخل بيتي، بقى موجود على السفرة، وفي أوضة النوم، وفي وقت أولادي". وتضيف أن أكثر ما يخيفها ليس ضغط اليوم الواحد، إنما تراكم الضغوط يومًا بعد يوم دون توقف حقيقي "إحنا بشر في الآخر، عندنا بيوت وأطفال ومسؤوليات، لكن اللي مطلوب مننا نفضل شغالين حتى بعد ما نرجع بيوتنا، بدل ما نتبهدل في الفرع قدام اللي يسوى واللي ميسواش".
وعن علاقتها الرسمية بالعمل، تؤكد أمل وجود عقد مع الجمعية "بس مفيش تأمين، قال لي لو عايزة تأمين عليكي هتمضي على شيك علشان يضمن متقدميش شكوى". وتضيف أنه خلال فترة عملها لم تأتِ زيارة واحدة من مكتب العمل أو أي جهة رقابية تسأل عن أي عامل في المؤسسة. وفي الوقت الذي تعلن فيه مؤسسات التمويل أرقامًا بمليارات الجنيهات، ترى هبة أن الوجه الآخر للمنظومة لا يظهر في التقارير والإحصاءات، إنما في حياة موظفين يحملون ملفات العملاء معهم إلى منازلهم ويواصلون العمل حتى بعد إغلاق أبواب الفروع.
الموظف بديلًا عن الضامن
في شقة متواضعة بمنطقة فيصل في الجيزة، يبدأ "محمود عبد المغيث" يومه قبل ساعات من ذهابه إلى العمل. لا يعيش الشاب الثلاثيني لنفسه وحده، إنما يحمل على كتفيه أسرة كاملة، أب وأم مسنان يحتاجان إلى الرعاية، وشقيقة أرملة تكافح لتربية طفلها بعد وفاة زوجها. يقول محمود لـ"فكر تاني"، إن راتبه قد لا يكفي احتياجات الأسرة كاملة، لكنه يظل مصدر الدخل الأكثر استقرارًا داخل البيت، ولهذا لم يكن خيار ترك العمل مطروحًا بالنسبة له يومًا مهما بلغت الضغوط "كل يوم بقول هسيب الشغل، وكل يوم أرجع أقول هصرف على البيت منين؟"
يعمل محمود مسؤول ائتمان بإحدى مؤسسات التمويل في الحوامدية بمحافظة الجيزة، ويشير إلىى أن الضغوط التي يتعرض لها الموظفون الرجال تختلف أحيانًا عن تلك التي تتعرض لها الموظفات، فهي أضعاف مضاعفة حد وصفه "البنت ممكن المشرف يزعق لها كلمتين وخلاص، لكن إحنا الرجالة بندخل المكتب ونسمع ألفاظ صعبة جدًا وإهانات مباشرة لو في مشكلة في التحصيل أو عميل متعثر". ويتوقف قليلًا قبل أن يضيف "في أوقات كنت بخرج من المكتب حاسس إني متبهدل نفسيًا أكتر من أي حاجة تانية".
غير أن الإهانات، بحسب روايته، لم تكن أصعب ما واجهه خلال سنوات العمل. فهو يقول إنه في أكثر من مناسبة طُلب من بعض الموظفين التوقيع كضامنين على ملفات عملاء، مضيفًا "كان الكلام واضح، اللي مش عاجبه يمشي". ويروي واقعة لا يزال يتذكرها جيدًا، حين تعثر أحد العملاء في سداد قسط قيمته نحو ألفي جنيه لمدة ثلاثة أشهر متتالية ربنا سترها وقتها، لكن في الآخر المبلغ اتحسب عليّا، العميل اتعثر وأنا اللي لبست الموضوع"، يقولها بمرارة، ثم يضيف أن المبلغ قد يبدو بسيطًا للبعض، لكنه بالنسبة إلى شخص يعول أسرة كاملة كان عبئًا إضافيًا فوق أعباء الحياة اليومية "إحنا أصلًا عايشين بالعافية، مواصلات وأكل وشرب وإيجار ومسؤوليات، لما يتحمل الموظف كمان مشكلة عميل متعثر يبقى الوضع صعب جدًا".
ثم جاءت الصدمة الأكبر حين علم في خلاف أخير مع مدير الفرع أن المدير قال له نصًا "أنت ماضي على ورقة على بياض، لو ما اتصرفتش في الأقساط اتحمل". ومنذ ذلك اليوم، يؤكد محمود أن حياته انقلبت رأسًا على عقب، مختتمًا حديثه بالقول "أحيانًا بحس إننا بقينا الحلقة الأضعف في السلسلة كلها، العميل عليه ضغط، والمؤسسة عليها ضغط، وفي الآخر الموظف هو اللي بيشيل كل حاجة فوق طاقته".
وبينما تتحدث روايات العاملين عن ضغوط يومية تبدأ من متابعة العملاء ولا تنتهي عند حدود ساعات العمل الرسمية، تكشف الأرقام الرسمية أن هذه الشهادات تدور داخل واحدة من أكبر منظومات التمويل غير المصرفي في مصر. فوفق بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، بلغت قيمة التمويلات الممنوحة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر نحو 106.9 مليار جنيه بنهاية عام 2025، مقابل 95.8 مليار جنيه في العام السابق، بمعدل نمو بلغ 24%. كما يضم القطاع 23 شركة تمويل متناهي الصغر و494 جمعية ومؤسسة أهلية مرخصة، تنتشر عبر مئات الفروع في مختلف المحافظات، وقد استفاد من خدماتها ما يقارب 3.1 مليون عميل خلال أول 11 شهرًا من عام 2024.
الاقتراض لمواجهة الفقر
إذا كانت شهادات العاملين قد كشفت جانبًا من الضغوط التي يتعرض لها موظفو التمويل في ملاحقة العملاء المتعثرين، فإن الأزمة من وجهة نظر بعض المتخصصين تبدأ من نقطة أعمق بكثير، من فلسفة التوسع في الإقراض نفسها، ومدى قدرة المقترضين على تحمل أعبائه في ظل أوضاع اقتصادية متقلبة.
وترى مي صالح، مديرة برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية بمؤسسة المرأة الجديدة، أن واقعة فاطمة ليست حادثًا منفصلًا، إنما مؤشر على أزمة أوسع تمتد آثارها إلى المقترضين والعاملين داخل منظومة التمويل على السواء.
وتقول مي لـ"فكر تاني" إن القروض تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى سياسة عامة للتعامل مع الفقر والهشاشة الاقتصادية، رغم أنها من وجهة نظرها لا تحقق تمكينًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا حقيقيًا، موضحة أن الاعتماد المتزايد على الاقتراض أدى إلى خلق أزمات جديدة بدلًا من حل الأزمات القائمة. مضيفة أن الأضرار لم تعد تقتصر على المقترضين وحدهم، إنما امتدت إلى أطراف أخرى داخل المنظومة، من بينهم الضامنون والعاملون في مؤسسات التمويل، وتستشهد بحالة سيدة اضطرت إلى سداد قرض كامل بعد اختفاء المقترضة التي ضمنت حصولها عليه، مؤكدة أن أي شخص يدخل هذه المنظومة قد يجد نفسه معرضًا لتحمل أعباء مالية لم يكن يتوقعها.
وبحسب مي، فإن جزءًا من الأزمة يرتبط بحصول كثير من المقترضين على قروض دون امتلاك الخبرة الكافية لإدارة المشروعات أو دراسة جدواها الاقتصادية، فيما يلجأ آخرون إلى توجيه الأموال لأغراض استهلاكية أو أسرية لا تدر عائدًا يمكنهم من سداد الأقساط لاحقًا. وتشير إلى أن معدلات التضخم المتصاعدة وارتفاع أسعار الفائدة يزيدان من تعقيد المشهد، إذ تتغير أسعار الخامات والنقل والإنتاج بصورة مستمرة، ما يجعل كثيرًا من دراسات الجدوى التي يُبنى عليها الحصول على القروض غير قادرة على الصمود أمام المتغيرات الاقتصادية اللاحقة.
وتلفت مي إلى أن نسبة كبيرة من القروض الموجهة للنساء لا تعني بالضرورة أن النساء هن صاحبات القرار في استخدامها، موضحة أن بعض الأسر تدفع النساء للحصول على القروض نيابة عن أزواج أو أبناء أو أقارب يواجهون أزمات مالية، بينما تتحمل المرأة وحدها مسؤولية السداد حال التعثر. وترى أن المشكلة لا تكمن فقط في التشريعات المنظِّمة للقطاع، إنما في ضعف الوعي بالمخاطر المرتبطة بالاقتراض وغياب الشفافية الكافية بشأن التبعات الاقتصادية طويلة المدى للقروض، معتبرة أن تقديم الاقتراض باعتباره الحل الرئيسي للفقر أو التمكين الاقتصادي يضع مزيدًا من الأفراد في دوائر مديونية متكررة. وعليه، دعت إلى التوسع في نماذج التعاونيات والاقتصاد التضامني باعتبارها بدائل أقل مخاطرة، لافتة إلى أن التمكين الاقتصادي الحقيقي للنساء لا يتحقق عبر التوسع في الإقراض وحده، إنما من خلال تعزيز فرص العمل الرسمية والمستقرة وتوفير وظائف تضمن دخلًا ثابتًا وتأمينًا اجتماعيًا وحقوقًا قانونية.
ضغوط العمل
على الصعيد الاجتماعي، يرى الدكتور سعيد صالح، خبير علم الاجتماع، أن قبول بعض الفتيات العمل في وظائف مرتبطة بالتمويل والتحصيل لا يعود إلى طبيعة العمل بقدر ما يرتبط بالضغوط الاقتصادية ونقص البدائل المتاحة.
ويوضح لـ"لفكر تاني"، أن التوسع السريع في قطاع التمويل خلق فرص عمل واسعة للشابات، لكنه في الوقت نفسه فرض عليهن ضغوطًا مهنية تتمثل في تحقيق مستهدفات مرتفعة وملاحقة العملاء المتعثرين والعمل لساعات طويلة في الميدان، مشيرًا إلى أن العاملات لا يواجهن فقط ضغوط العمل، إنما أيضًا ضغوطًا مالية ونفسية متراكمة، خاصة مع الخوف المستمر من الخصومات أو فقدان الوظيفة، وهو ما يجعل كثيرات أكثر استعدادًا لتحمل أوضاع يرينها غير عادلة. ويضيف أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وغياب شبكة أمان اجتماعي فعالة يقلصان قدرة النساء على رفض هذه الممارسات، لأن فقدان مصدر الدخل قد يعني بالنسبة لبعضهن فقدان القدرة على إعالة أنفسهن أو أسرهن.
ويؤكد صالح أن القوانين توفر قدرًا من الحماية للعاملين، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في التطبيق، خاصة داخل القطاعات التي تعتمد على العمل الميداني والضغوط المرتبطة بالتحصيل، لافتًا إلى أن تحسين أوضاع العاملات يتطلب توفير فرص عمل أكثر استقرارًا وتعزيز الحماية الاجتماعية بما يمنع تحول الحاجة الاقتصادية إلى أداة لإجبار العاملين على تحمل أعباء تفوق قدراتهم.
الشعور بالفشل يؤدي إلى الاكتئاب
وعلى الصعيد النفسي، تقول بسمة سليم، أخصائية علم النفس الإكلينيكي، إن الضغوط الاقتصادية والوقوع في دوائر الديون تُعد من أبرز العوامل المرتبطة بظهور الاكتئاب، موضحة أن الشعور المستمر بالفشل والعجز والذنب يُعد من المؤشرات الأساسية التي يقيسها المتخصصون عند تشخيص المرض.
وتشير إلى أن استمرار هذه الضغوط لفترات طويلة دون وجود دعم نفسي أو حلول واقعية قد يدفع الشخص إلى ما تصفه بـ"الحلقة المفرغة"، حيث يغذي الاكتئاب مشاعر الفشل والذنب بينما تزيد هذه المشاعر من حدة الاكتئاب، ما قد يرفع احتمالات ظهور أفكار انتحارية لدى بعض الحالات الأكثر هشاشة.
وتلفت بسمة، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن ثمة علامات تحذيرية تسبق الانهيار النفسي، من بينها العزلة وفقدان الاهتمام بالآخرين، واضطرابات النوم والشهية، والشعور المستمر بعدم القيمة، وترديد عبارات تحمل قدرًا من الاستسلام أو جلد الذات، مؤكدة أن تجاهل هذه المؤشرات قد يؤدي إلى تدهور الحالة النفسية بصورة خطيرة. كما ترى أن بيئة العمل تلعب دورًا حاسمًا في تفاقم الأزمة النفسية، خاصة حين يتعرض الموظف لضغوط مستمرة لتحقيق المستهدفات، أو لساعات عمل طويلة، أو لشعور دائم بعدم التقدير مقابل دخل لا يلبي احتياجاته الأساسية. وتوضح أن هذه العوامل مجتمعة تمثل بيئة خصبة للاحتراق النفسي والاكتئاب، ما يستدعي توفير آليات للدعم والإرشاد النفسي داخل المؤسسات لحماية العاملين والحفاظ على صحتهم النفسية.
القانون يحمي؟
وإذا كانت شهادات العاملين قد كشفت عن ضغوط يومية تبدأ بملاحقة العملاء المتعثرين ولا تنتهي عند الخوف من الخصومات أو فقدان الوظيفة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو إلى أي مدى يسمح القانون بتحميل الموظف مسؤولية ديون العملاء أو إلزامه بتحمل خسائر جهة العمل؟
يقول أسعد هيكل، المحامي بالنقض والمحكمة الدستورية العليا، إن الأصل في علاقة العمل هو التزام العامل ببذل العناية وليس تحقيق النتيجة، موضحًا أن الموظف لا يُسأل قانونًا عن تعثر العملاء أو الخسائر الناتجة عن النشاط الطبيعي للشركة ما لم يثبت ارتكابه خطأ جسيمًا أو مخالفة مباشرة لتعليمات العمل تسببت في وقوع الضرر. ويشير إلى أن بعض شركات التمويل والمبيعات تلجأ إلى ممارسات يصفها بالضاغطة منذ اللحظة الأولى للتعيين، من بينها الحصول على توقيعات على إيصالات أمانة أو شيكات أو استقالات مسبقة، ما يضع العامل تحت ضغط دائم ويجعله أكثر عرضة للقبول بأوضاع قد لا تتفق مع حقوقه القانونية.
ويلفت هيكل إلى أن تحول الموظف نفسه إلى مدين لجهة عمله ليس أمرًا نظريًا، إذ شهدت ساحات التقاضي وقائع متعددة لأشخاص وجدوا أنفسهم غارقين في الديون نتيجة طبيعة عملهم أو الضمانات التي تحملوها، معتبرًا أن المشكلة لا تتعلق بالنصوص القانونية بقدر ما ترتبط بمدى الرقابة الفعلية على أنشطة بعض شركات التمويل والإقراض. ويضيف أن التوسع في الاقتراض خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية، أدى إلى وقوع أعداد من المواطنين في دوائر مديونية متفاقمة انتهى بعضها إلى الحبس في قضايا ديون وتعثر سداد. وعن وسائل الحماية القانونية المتاحة، يوضح هيكل أن الموظف الذي يتعرض لخصومات أو إجراءات تخالف قانون العمل يحق له اللجوء إلى مكتب العمل المختص وتقديم شكوى رسمية لإثبات الواقعة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد جهة العمل.
أما على صعيد آليات الرقابة، فتوضح حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أن شركات التمويل المقيدة في البورصة والخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية والبنك المركزي تعمل وفق ضوابط محددة، تشمل اشتراطات تتعلق بالملاءة المالية وحدود القروض الممنوحة وآليات متابعة العملاء وقدرتهم على السداد.
وتشير في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى أن هذه الشركات تعتمد بصورة دورية على الاستعلام الائتماني وتحديث بيانات العملاء لتقييم مخاطر التعثر ورصد أي متغيرات قد تؤثر على قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية. لافتة إلى وجود اختلافات بين شركات التمويل والجمعيات الأهلية العاملة في مجال الإقراض، موضحة أن الجمعيات الأهلية تعتمد على مواردها وبرامجها التنموية وتخضع في الأساس لإشراف وزارة التضامن الاجتماعي التي تتولى متابعة أنشطتها وآليات صرف التمويلات والتأكد من توجيهها للأغراض المخصصة لها. وتؤكد رمسيس أن الجهات العاملة في هذا القطاع تخضع لصور مختلفة من الرقابة المالية والإدارية، لكن اتساع نشاط التمويل خلال السنوات الأخيرة يجعل من المتابعة المستمرة والرقابة الفعالة عنصرًا أساسيًا لضمان سلامة الممارسات داخل المنظومة وحماية جميع الأطراف المتعاملة معها. وهي حماية يبدو أنها لم تصل بعد إلى الطبقة الأكثر هشاشة في المنظومة كلها.
فخلف الأرقام التي تتباهى بها شركات ومؤسسات التمويل يمكن أن يُخفي نظام توظيف أقرب إلى السخرة منه إلى علاقة عمل سوية، يُجبَر فيه العامل على تحمل جميع المسؤوليات بما فيها تلك الخارجة عن سيطرته كتعثر عميل، ويعاني ضغوط التهديد بالحبس أو الطرد من العمل حين يعجز العملاء عن سداد الأقساط. وبين هذه الضغوط من جهة، والظروف المعيشية القاسية التي تجعل فقدان الوظيفة كارثة حقيقية من جهة أخرى، تتراكم مشاعر الفشل وانعدام القيمة يومًا بعد يوم، حتى تبلغ في بعض الحالات حدًا لا عودة منه، كما حدث مع فاطمة. الحكمة القديمة تقول إن الدين هم بالليل ومذلة بالنهار، وقد صار هذا الهم اليوم وظيفة بعقد أو بدونه.