بين أرقام تزين الدفاتر الحكومية وواقع يكتوي به المواطن في الشارع، يطفو التساؤل مع كل بداية مالية جديدة عن أثر الموازنة العامة على الخدمات والسلع وأحوال المعيشة، وفي جلسة حوارية جمعت منصة "فكر تاني" بالنائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، والباحثة مي قابيل من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، جرى تفكيك شفرات الموازنة الجديدة التي تنطلق في يوليو المقبل.
لم يكن الحوار مجرد قراءة في الأرقام، وإنما مواجهة صريحة مع "نظرية نصف الكوب" التي تسوقها الحكومة، وكشفًا لخلل الأولويات الذي يضع ديون الدولة في المقدمة، ويترك جيب المواطن وصحته وتعليمه في قاع الاهتمامات، فضلًا عن قياس أثر التطبيق على المواطن ما بين تقديرات الحكومة المتفائلة وما هو متوقع وفق المتغيرات المحلية والعالمية.
موازنة تسوية الدفاتر
تستند مي قابيل في تحليلها إلى الورقة التي أصدرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تحت عنوان "موازنة تسوية الدفاتر"، إذ تشرح كيف تُحكم الحكومة ترتيب أوراقها بمهارة، وتصف ذلك بقولها "الحكومة عندها شطارة، ممكن نقول إنها ترتب أوراقها، تقول نعرف الموارد وسنلتزم بحدود معينة ونصرف في كذا، وبالتالي إظهار التحسن". غير أنها تلفت إلى أن هذه التقديرات لا يُشترط فيها أن تكون واقعية، ولا أن تعكس ما يجري فعلًا على الأرض.
وتشير قابيل إلى أن الحكومة بنت موازنتها على افتراض تراجع معدلات ارتفاع الأسعار، قائلة "اعتمدوا على أن معدل زيادة الأسعار سيقل، لكن الدنيا لا تسير في هذا الاتجاه بالضرورة". وعلى الرغم من تفاخر الحكومة بتحقيق فائض أولي مرتفع، توضح قابيل أن هذا الفائض يفقد معناه حين يُصرف في مجمله على سداد الديون، إذ لا قيمة للحديث عن فائض ما لم يكن عائدًا على المواطن. وتدعم هذا الطرح بما كشفت عنه ورقة المبادرة من تزايد حاد في الإنفاق على مدفوعات الديون مقارنة بما يُرصد للتعليم والصحة، في ظل تراكم الديون الذي استمر منذ عقد كامل وتسارع وتيرته بعد اتفاقية صندوق النقد الدولي عام 2016.
من جهته، يضيف النائب إيهاب منصور طبقة أخرى إلى هذا التحليل حين يقول "احنا بنظهر تحسن نسبي، والحقيقة إن كل حاجة تزيد، الديون تزيد والأسعار تزيد والدنيا بتزيد على المواطن، لكن المواطن لن يأكل ولن يشرب نسب". وقد رفض منصور مشروع الموازنة المقدم من الحكومة، معتبرًا أنها تستعرض "نص الكوباية المليان"، ليضيف ساخرًا "بلاقيه بيخر علينا، وأنا في النهاية مش شايف النص المليان ده، أنا نفسي أشوفه".
ولم يكن موقفه الرافض موقفًا فرديًا، فقد امتدت ملاحظات بعض النواب حول عدم دستورية نسب الإنفاق على الصحة والتعليم لتشمل نوابًا من حزب مستقبل وطن نفسه. ويعبر منصور عن أمله في مواجهة حقيقية مع هذا الواقع، قائلًا "نفسي في مرة نرفض ونرى الإجراءات اللاحقة على الرفض ماذا سيحدث فيها، ونعدل أبواب الموازنة".
وفيما يخص التعديلات التي أجرتها لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب على مشروع الموازنة، يوضح منصور أن مردها طلبات مقدمة من محافظات عديدة، مشيرًا إلى أنها المرة الأولى التي تصل فيها هذه الطلبات إلى هذا الحجم، وأن بنودًا عدة جرى تحسينها بعد المناقشات مع إضافة اعتمادات جديدة للمحافظات.
الضرائب والأولويات
تعد الحصيلة الضريبية المصدر الأول للإيرادات في مشروع الموازنة، وتشير قابيل إلى أنها تبلغ نحو 46% من إجمالي الإيرادات، كاشفة أن العبء الأكبر يقع على كاهل المواطنين العاديين، سواء عبر ضريبة الدخل على المرتبات أو ضريبة القيمة المضافة المدفوعة على السلع والخدمات، في حين لا تتجاوز مساهمة الشركات 20% من هذا العبء الضريبي.
وتُعزز قابيل هذا الطرح حين تُفسر دوافع الحكومة في إبقاء هذا النظام دون إصلاح، مشيرة إلى أن المواطن يفتقر إلى الصوت المعبر عنه في غياب المجالس المحلية، فيما يملك رجال الأعمال نفوذًا حقيقيًا وصوتًا مسموعًا. ويضيف النائب منصور أن إصلاح المنظومة الضريبية يصطدم بواقع التركيبة المختلطة لمجلس النواب، وأن "الدولة لا تعرف إلا الضرائب".
وعلى صعيد الأولويات، لا ترى قابيل أن الأزمة تقتصر على تراكم الديون، بل تمتد جذورها إلى خيارات التوجيه الأولى للقروض، إذ كان بالإمكان توظيفها في قطاعات تنموية تحدث نقلة حقيقية في المجتمع. وتضرب مثلًا بمشروع المونوريل، مشيرة إلى أن تكلفته المتحفظة تعادل في الموازنة الجديدة نصف ميزانية الصحة كاملًا، وتتساءل "كان ممكن أوجه الإنفاق للصحة، الناس مستواها الصحي يتدهور، وقدرتها على الإنتاج تقل، وتكاليف علاجها تزيد".
التضخم والمحروقات
لا تُقنع توقعات الحكومة بانخفاض معدلات التضخم مي قابيل، التي تصفها بـ"التفاؤل غير المبرر"، مضيفةً بعبارة حذرة "متفائلين هي الكلمة الطيبة التي يمكن أن نقولها". وتستند في حكمها إلى المشهد الدولي الراهن، قائلة "الموازنة تقدم والعالم مولع، حرب بجانبنا والبترول طلع في السما، لا يوجد أي شيء يقول إننا نتفاءل في اللحظة دي". وتضيف أن التوقعات العالمية تشير إلى ارتفاع التضخم في السنة الجديدة، وأن مصر ستجد نفسها أمام تضخم مستورد في ظل اعتمادها الكبير على الاستيراد في سلع كثيرة، فضلًا عن مشاكلها الداخلية.
وتحذر قابيل من مخاطر بناء الموازنة على تقديرات متفائلة للتضخم، موضحة أنه إن تجاوز التضخم الفعلي النسبة المقدرة، تقلصت القيمة الحقيقية للمبالغ المرصودة للإنفاق ولم تبلغ أهدافها، فضلًا عن انخفاض القيمة الشرائية لما يحصل عليه المواطنون سواء من دعم أو أجور.
ويعزز النائب منصور هذه الرؤية بمقارنة واضحة، مشيرًا إلى أن الموازنة بنيت على سعر 75 دولارًا للبرميل في حين يبلغ فعليًا 92 دولارًا، وعلى سعر صرف 47 جنيهًا للدولار في حين يقترب من 52 جنيهًا، ويتوقع أن تضطر الحكومة إلى السحب من الاحتياطيات المالية لسد هذه الفجوة خلال العام المالي المقبل.
وفي السياق ذاته، يلفت منصور الانتباه إلى الانخفاض الحاد في مخصصات دعم المواد البترولية بالموازنة، وهو ما تفسره قابيل بوضوح، قائلة إن ذلك "معناه بالضرورة إنه سيكون هناك زيادة في أسعار المحروقات، خاصة أن سعر البترول يرتفع".
من يكسب ومن يخسر؟
حين يطرح سؤال المستفيد الأكبر من مشروع الموازنة، تجيب قابيل بلا تردد بأن الدائنين هم الرابحون الحقيقيون، مضيفة "أكتر جهة كسبانة على الإطلاق الناس التي تقرض الحكومة، البنوك والمؤسسات المحلية والدولية، لأنهم يحصلوا على الفوائد التي تصل إلى نصف المصروفات". وتشير أيضًا إلى فئات أخرى تستفيد من بند الدعم دون أن تنتمي إلى شرائح المواطنين البسطاء، كالمستفيدين من دعم التصدير ودعم الكهرباء. وفي المقابل، تحدد الخاسر الأكبر بلا مواربة وهو المواطن العادي، مستندة إلى أن الزيادة الرقمية الظاهرية في مخصصات الدعم تخفي خلفها تراجعا في قيمتها الفعلية، لأن "الحكومة تتكلم عن زيادة مخصصات الدعم، يتم زيادة الفلوس، لكن الحقيقة أن قيمتها تقل".
أما على صعيد البدائل، فيطرح النائب منصور مسارات بديلة لتمويل الموازنة دون الإفراط في الاقتراض أو تصعيد الضغط الضريبي على المواطن، ومن أبرزها تفعيل قانون التصالح في مخالفات البناء المتوقف منذ 2019، مشيرًا إلى أن نسبة من أتموا إجراءات التصالح لا تبلغ 20%، في حين أن 70% من المباني أُقيمت من دون ترخيص. ويرى أن تفعيل هذا القانون كان كفيلًا بجمع 200 مليار جنيه، تساوي نحو 11 مليار دولار بأسعار 2019، غير أن التأخير أفقدها قيمتها لتعادل اليوم 4 مليارات دولار فحسب. ويختم منصور بتساؤل يحمل في طياته صيغة محاسبة ضمنية "من ضيع على مصر 6 مليار دولار، لماذا لا يحاسب؟".