أثّر غياب هيثم أحمد عبد العزيز، المعروف بـ"هيثم دبور"، تأثيرًا بالغًا في أسرته التي لم تكن تملك سندًا سواه، إذ كاد أبوه يُودع بصره، فيما اضطر ذووه إلى بيع ما تبقّى لهم من متاع لتدبر قوت أطفاله الصغار، والوفاء بتكاليف رحلات الزيارة إلى سجن العاشر من رمضان حيث يقبع محبوسًا منذ أكثر من عامين.
علاء جاد، أحد أصدقاء هيثم المقربين، يروي لـ"فكر تاني" ما آلت إليه أحوال الأسرة بعد الاعتقال، قائلًا "خلال أكثر من عامين، كاد والد هيثم أن يفقد بصره حزنًا على ابنه المحبوس احتياطيًا على ذمة القضية رقم 1282 لسنة 2024، لأنه العائل الوحيد لوالده وأمه التي كانت مريضة بالسرطان، ولزوجته وأبنائه الثلاثة، ولد وبنتين، أكبرهم في الرابعة عشرة من عمره وأصغرهم لم يتجاوز الخامسة، وقد باع الأهل كل ما يملكونه ليستطيعوا العيش بعد غياب عائلهم، وكذلك لينفقوا على تكاليف زيارات والدته المسنّة له في سجن العاشر".
المعاناة تبدأ من فلسطين
تعود بداية هذه المأساة إلى الأول من مايو 2024، حين داهمت قوات الأمن منزل هيثم في محافظة الإسكندرية وألقت القبض عليه، ثم اختفى قسرًا لأيام متوالية قبل أن يُعرض على نيابة أمن الدولة، التي وجهت إليه تهمة "نشر أخبار كاذبة"، استنادًا إلى تدوينات نشرها على صفحته في فيسبوك تضمنت دعمًا للقضية الفلسطينية وانتقادات للحكومة، وذلك كله في إطار القضية رقم 1282 لسنة 2024 حصر تحقيق أمن دولة عليا.
وبعد ما يزيد على عامين في الحبس الاحتياطي، أُحيلت قضيته مع قضايا 49 متهمًا آخرين إلى محكمة الجنايات المختصة بدائرة محكمة استئناف القاهرة، التي انعقدت جلستها الأولى لمحاكمته 10 يونيو الجاري، وفق ما أفاد به وائل نصار، المحامي بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، لـ"فكر تاني"، غير أن المحاكمة تأجّلت للاطلاع إلى 14 سبتمبر المقبل.
وتكشف وثيقة أمر الإحالة التي حصلت عليها "فكر تاني" أن هيثم والمتهمين الـ49 يواجهون اتهامات بـ"الانضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، وارتكاب جرائم تمويل الإرهاب عبر جمع الأموال والبيانات والمعلومات وتداولها وتوفيرها بقصد استخدامها في أعمال إرهابية". يضاف إلى ذلك اتهام هيثم وعدد من المتهمين بحيازة مطبوعات تروج لأغراض تلك الجماعة بغرض إطلاع الغير عليها.
حارس الأمل
في فبراير الماضي، طالبت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي بالإفراج عن هيثم، واصفة إياه بـ"حارس الأمل"، ومشيرة إلى أنه واحد من آلاف الشباب الذين سعوا ببسالة واحترام للقانون إلى إحياء الأمل وطرح بديل ديمقراطي، من خلال مشاركتهم في حملة المرشح الرئاسي السابق أحمد طنطاوي التي كان هيثم عضوًا فيها. كما نوهت اللجنة إلى أنه العائل الوحيد لأسرته ولوالديه اللذين يعانيان صحيًا ونفسيًا منذ غيابه.
صديقه علاء جاد يتمنى بدوره أن يطلق سراحه حتى يعود إلى أهله، واصفًا إياه بقوله "هيثم شاب حصل على دبلوم صنايع منذ نحو 20 سنة، ومن يومها وهو يكافح، ورغم أنه تجاوز الـ38 من عمره، فإنه يعمل على باب الله، ما لوش عمل ثابت، بيشتغل جيبسن بورد في تشطيبات الشقق، وده الشغل الوحيد اللي كان بيعول بيه والديه المسنين ومراته وثلاثة أبناء، مرة وحدة قبضوا عليه وحبسوه أكتر من سنتين لحد النهارده وما لوش أي نشاط سياسي".
هيثم دبور ليس وحده في هذا المصير، فهو واحد من عشرات الشباب الذين عبروا عن دعمهم للقضية الفلسطينية دون أن يرتكبوا عنفًا أو إجرامًا، إذ لم يكن سلاحهم سوى الكلمة المكتوبة على فيسبوك، أو صرخة غضب أطلقوها رد فعل على مذابح طالت أهالي غزة ووصفتها الأمم المتحدة بالإبادة الجماعية. ومع ذلك، فإن تلك الكلمات البسيطة كلّفتهم أكثر من عامين خلف القضبان، وهو احتجاز لم يُرفع حتى الآن.