مرّ أكثر من شهر على الحكم القضائي غير المسبوق الذي صدر ضد مدير أحد فنادق مدينة بورسعيد، إثر إدانته بالتمييز ضد الصحفية آلاء سعد، التي رفض تسكينها بمفردها داخل فندقه، في رسالة واضحة مفادها أن منع النساء من الإقامة في الفنادق بسبب جنسهن لم يعد مجرد ممارسة يمكن تبريرها باعتبارها سياسة داخلية، وإنما بات يُنظر إليه بوصفه سلوكا يرقى إلى جريمة يعاقب عليها القانون.
غير أن ثمة سؤالًا ظل معلقًا في الهواء بعد صدور الحكم مباشرة، وهو ما إذا كان صداه قد وصل فعلًا إلى الفنادق الأخرى المنتشرة في أرجاء البلاد، وما إذا كان قد غير شيئًا في الواقع الذي اصطدمت به عشرات النساء على مدار سنوات طويلة، أم أن ما جرى داخل قاعة المحكمة ظل حدثًا معزولًا فيما استمرت الممارسات القديمة في الخفاء بعيدًا عن الأضواء.
للإجابة عن هذه الأسئلة، قررت "فكر تاني" إعادة التجربة من جديد واختبار الواقع على أرضه، عبر التواصل مع عدد من الفنادق في محافظات مختلفة وطلب حجز غرف لسيدة بمفردها، بهدف رصد ما إذا كانت الفنادق لا تزال تضع عراقيل غير معلنة أمام النساء "السينجل"، أم أن الحكم الأخير بدأ فعلًا في إحداث تغيير داخل القطاع الفندقي.
واخترنا المحافظات بشكل عشوائي، ولكن راعينا أن يكون مستوى الفنادق بين 3 إلى خمس نجوم، قبل أن نكلف الزميلتين مارسيل نظمي وأمل يسري بمحاولة التواصل مع تلك الفنادق، لضمان تنوع الحاجزة، مع الحرص على تسجيل محاولات الحجز والتأكيد على الهوية الصحفية في مراحل متقدمة منه.
وقع الاختيار على محافظات أسوان ومطروح والبحر الأحمر وجنوب سيناء والأقصر والقاهرة، فضلًا عن العودة الحتمية إلى بورسعيد بوصفها محافظة الأزمة الأصلية.
موافقة فورية بلا أسئلة
كانت المحطة الأولى في مدينة أسوان، إحدى أبرز المدن السياحية المصرية، حيث تواصلت الزميلة المحررة مع فندق النيل المصنّف ضمن فئة الثلاث نجوم عبر الرقم المعلن على الإنترنت، طالبة حجز غرفة خلال الفترة من 5 حتى 9 من يوليو المقبل، فجاء الرد سريعًا من مسؤول الحجوزات، الذي رحّب بالحجز وشرح تفاصيل الإقامة والأسعار المتاحة. والأهم من ذلك أن الموظف لم يُبدِ أي اعتراض أو تحفظ حين علم أن الحجز لسيدة بمفردها، ولم يوجه أي أسئلة تتعلق بالحالة الاجتماعية أو سبب الإقامة أو وجود مرافق من عدمه. بدت المكالمة اعتيادية تمامًا، كما لو أن فكرة إقامة امرأة وحدها لم تعد أمرًا يستدعي النقاش أو التبرير، وهو ما يعكس تحولًا ملحوظًا مقارنةً بشكاوى متكررة كانت تتداولها نساء عبر السوشيال ميديا خلال السنوات الماضية.
وفي مدينة الغردقة، تواصلنا مع فندق "هاواي لو جاردن" المصنّف خمس نجوم، فجاءت الإجابة هي الأخرى مرحبةً دون أي تحفظ، إذ استقبل موظف الحجوزات الاستفسار باعتباره طلبًا عاديًا تمامًا، ولم يطرح أي أسئلة تتعلق بكون النزيل امرأة بمفردها. ورغم أن النتيجة بدت إيجابية، فإنها لم تكن مفاجئة بالكامل، إذ يتجاوز متوسط سعر الغرفة في ذلك الفندق 8600 جنيه لليلة الواحدة، ما يجعله ينتمي إلى شريحة مختلفة تستهدف فئات قادرة ماليًا وسياحًا أجانب، وهي الفئة التي نادرًا ما ارتبط اسمها بشكاوى منع النساء من الإقامة منفردات، فعلى مدار السنوات الماضية، كانت أغلب الشكاوى المتداولة تتعلق بفنادق أقل تصنيفًا، لا سيما فنادق الثلاث والأربع نجوم، حيث يبدو بعض المديرين أكثر ميلًا إلى فرض قيود غير رسمية على النساء تحت ذرائع شتى.
بورسعيد.. المدينة نفسها لكن المشهد مختلف
كانت المحطة التالية أكثر دلالةً من غيرها، ففي المدينة ذاتها التي شهدت واقعة آلاء سعد والحكم القضائي اللاحق، تواصلت المحررة مع فندق "بالما" المصنّف أربع نجوم طالبةً الاستفسار عن إمكانية الحجز، فشرحت مسؤولة الحجوزات تفاصيل الغرف المتاحة، وأشارت إلى وجود جناح كبير يبلغ متوسط سعره نحو 5500 جنيه لليلة شاملةً الإفطار. عند هذه النقطة أوضحت الزميلة أنها ترغب في الإقامة بمفردها، وسألت بشكل مباشر عما إذا كان ثمة مشكلة في حجز الجناح وحدها كسينجل، فجاء الرد سريعًا وحاسمًا بأنه لا توجد أي مشكلة، ولم تتضمن الإجابة أي تحفظ أو تردد أو محاولة للاستفسار عن أسباب السفر أو الوضع العائلي، وكأن السؤال نفسه بدا غير مفهوم للموظفة، وكأن فكرة منع امرأة من الإقامة بمفردها لم تعد مطروحة من الأساس.
ولا يمكن الجزم بأن الحكم القضائي الأخير هو السبب المباشر لهذا التحول، لكن من الصعب تجاهل أن الواقعة التي انتهت بحكم بالحبس والغرامة حدثت في المدينة ذاتها، وأن الفنادق باتت أكثر وعيًا بالتبعات القانونية لمثل هذه الممارسات.
ذاكرة واقعة قديمة بالقاهرة
خلال إعداد هذا التقرير، استعادت الزميلة المكلفة بإنجازه ذكرى واقعة مشابهة عاشتها قبل عامين مع صديقتها مروة، العاملة في إحدى الجهات الحكومية، التي تحمل بطاقة تتيح لها الاستفادة من خدمات عدد من النوادي والفنادق بأسعار مخفضة.
في ذلك الوقت، أرادت مروة حجز إقامة لمدة يومين داخل فندق بمحافظة القاهرة، وبدا الأمر في البداية عاديًا، إلى أن اطلع موظف الاستقبال على بياناتها واكتشف أنها متزوجة، فطلب منها الانتظار قليلًا بحجة أنه يحتاج إلى الرجوع للمدير قبل إتمام الحجز.
ما شهدته الزميلة التي رافقت مروة في البداية قبل أن تغادر، أن المدير حضر بنفسه وبدأ يوجه إليها مجموعة من الأسئلة الشخصية المتعلقة بزوجها وسبب غيابه وأسباب رغبتها في الإقامة وحدها.
تقول مروة إن طريقة الحديث ونظرات المدير أوحتا لها منذ البداية بأنه يتعامل معها باعتبارها مثيرة للشك والريبة، وأنها حاولت أن تشرح له أن إقامتها مرتبطة بدراستها وأن زوجها على علم بالأمر ويوافق عليه، لكن ذلك لم يكن كافيًا لإيقاف الاستجواب، وبعد دقائق من ذلك التدقيق، قال لها المدير عبارة ما زالت ترن في ذاكرتها حتى اليوم، "أنا في العادي مبوافقش على مبيت ستات متجوزة لوحدهم أو بنات لوحدها عشان حضرتك عارفة المشاكل، لكن حضرتك شكلك بنت ناس مقدرش أقول لأ"، وكانت تلك العبارة كاشفةً لمنطق كامل يقوم على التمييز والوصاية، إذ لا يصبح الحق حقًا للجميع، وإنما امتيازًا يمنح أو يُمنع وفق الانطباعات الشخصية.
وبعد صدور الحكم في قضية آلاء سعد، طلبت الزميلة من مروة إعادة تجربة الحجز في الفندق ذاته مرة أخرى، لمعرفة ما إذا كانت الأمور قد تغيرت فعلًا، فتواصلت مروة مع الفندق من جديد وطلبت الحجز بالطريقة ذاتها تقريبًا، لكن هذه المرة لم تواجه أي أسئلة عن زوجها أو أسباب إقامتها أو دوافع سفرها، ولم يطلب أحد مقابلة المدير ولم تجرِ أي مناقشة حول وضعها الاجتماعي، ورُحِّب بالحجز بشكل طبيعي تمامًا كما يحدث مع أي نزيل آخر. ورغم أن هذه الواقعة وحدها لا تكفي للوصول إلى استنتاج قاطع، فإنها تقدم مؤشرًا مهمًا على أن بعض المؤسسات ربما بدأت فعلًا في مراجعة ممارسات كانت تُعدّ لسنوات طويلة أمرًا طبيعيًا.
من واقعة فردية إلى سابقة قضائية
كان وقع قضية آلاء سعد على زميلتنا الأخرى التي تابعتها قبل أن تعد هذا التقرير، إذ تقول إنها لم تتخيل أن احتقار النساء يمكن أن يمر بهذه السهولة في مجتمعنا، متسائلة عما يمنع من حجز سيدة في فندق بمفردها، وما الذي يُميّز الرجل عنها.
تضيف أنها حين اتصلت بأختها الأكبر لتخبرها، ضحكت الأخيرة من صدمتها، وأخبرتها أنها مرّت بالتجربة ذاتها قبل 8 سنوات في مدينة الإسكندرية حين رفض مدير فندق تسكينها لأنها فتاة وحدها خلال حضورها ورشة عمل، لكنها تشاجرت معه حتى فرضت عليه الأمر.
ولأن الزميلة لم تخض تجربة السفر وحدها من قبل، وكان سفرها دائمًا رفقة العائلة، أشعل ما حدث مع آلاء رغبتها في خوض التجربة بنفسها ومعرفة ما إذا كان نضال الصحفية قد أثمر، وفعلًا اختارت فنادق في الغردقة وشرم الشيخ والأقصر ومرسى مطروح، وشرعت في التواصل للحجز. وعلى خلاف ما حدث مع آلاء سعد قبل أشهر، جاءت ردود تلك الفنادق مختلفة، فخلال مكالمات هاتفية أجرتها مع سبعة فنادق في المدن الأربع، لم يرفض أي منها تسجيلها بمفردها، وكان الرد المبدئي لجميعهم أنه يمكنها الحجز دون مرافق.
وبعد الموافقة في كل مرة، كانت الزميلة تكشف عن هويتها الصحفية وتقدم نفسها كسيدة ترغب في السفر وحدها للسياحة أو للعمل خلال شهر يوليو.
الغردقة والأقصر وشرم والساحل
بدأت الزميلة بفندقي "ساند بيتش" و"سي جاردن" في الغردقة، وتتراوح أسعارهما بين 2500 و3200 جنيه لليلة، فلما أوضحت للمسؤول رغبتها في حجز غرفة سينجل لثلاث ليالٍ، جاء الرد شبه متطابق من الفندقين بالترحيب وطلب اسمها مباشرةً. والأكثر لفتًا كان ردّ مدير حجوزات فندق "رويال سيتي" في الغردقة، حين أخبرته الزميلة أن صديقة لها أفادت بأن الفندق رفض تسكينها بمفردها قبل أشهر، فردّ قائلًا إن القضاء بات يتدخل في هذه المسائل، وإن صاحب فندق حكم عليه في بورسعيد منذ فترة قريبة، مؤكدًا أنهم باتوا يأخذون بالهم.
وفي الأقصر، تواصلت الزميلة مع فندق الواحة ذي الأربع نجوم وطلبت حجز غرفة سينجل، فطلب مسؤول الحجز منها إرسال صورة من بطاقة الرقم القومي عبر الواتساب لتأكيد الحجز المبدئي دون أي اشتراط لأوراق إضافية، كذلك لم يُبدِ مدير فندق كليوباترا في الأقصر أي تحفظ، وأخبرها بسعر الليلة البالغ 600 جنيه، ثم حين سألته مباشرةً إن كانوا يحجزون غرفًا لفتيات بمفردهن، أجاب بأن مدينتهم مدينة أثرية تحجز فيها الأجنبيات وحدهن دائمًا، وتساءل لماذا يختلف الحال مع المصريات. ولم يختلف الرد في نزل "هنا" بالأقصر الذي تبلغ ليلته 600 جنيه شاملةً الإفطار، فيما رحّب فندق "بوب مارلي" بسعر الليلة البالغ 1000 جنيه بالحجز السينجل من دون أسئلة أو استفسار عن سبب الزيارة.
أما في شرم الشيخ، فلم يعترض فندق "لوجينا شرم ريزورت" على الحجز بمفردها، لكنه طلب صورة البطاقة الشخصية، وكذلك فعل فندق "فالكون نعمة ستار" الذي يبلغ سعر ليلته السينجل 1300 جنيه وهو عرض بمناسبة الامتحانات. وأخبر فندق "الخان شرم" الزميلة، بعد موافقته على الحجز دون الدخول في تفاصيل، بأن الأسعار المعروضة خاصة بيونيو فحسب وستتضاعف مع بداية يوليو. غير أن هذه الفنادق الثلاثة لم ترفض الحجز بتاتًا.
وربما لا تكفي جولة هاتفية على عدد من الفنادق للقول إن المشكلة انتهت بصورة كاملة، وربما لا يمكن الجزم بأن جميع أشكال التمييز قد اختفت بين ليلة وضحاها. لكن ما كشفته هذه التجربة أن الحكم القضائي الأخير لم يمر مرور الكرام، وحتى في الأماكن التي شهدت سابقًا ممارسات تمييزية، بدت الأمور مختلفة هذه المرة. ربما لم يكن انتصار آلاء شخصيًا فحسب، وإنما كان خطوةً فتحت الباب أمام نساء أخريات للمطالبة بحقوقهن، ورسالةً مفادها أن التمييز الذي اعتاد كثيرون التعامل معه بوصفه أمرًا طبيعيًا يمكن مساءلته قانونيًا ومواجهته. ففي أحيان كثيرة، لا يضيع الحق بسبب من ينتهكه وحده، وإنما يضيع أيضًا بسبب غياب من يطالب به.