300 ألف موظف خارج الموازنة.. العاملون على الصناديق الخاصة بلا عقود أو حقوق

منذ سنوات طويلة، يعيش العاملون على الصناديق الخاصة بمصر في ظل حالة مزمنة من غياب الاستقرار الوظيفي. وفي غياب أي مظلة قانونية تحفظ حقوقهم وتصون كرامتهم، تتسع الفجوة بين ما يتقاضونه من أجور وما يحصل عليه سائر العاملين بالدولة، حتى باتت تلك الأجور عاجزةً عن توفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الأساسية.

والصناديق الخاصة، التي تُعرف أيضًا بالحسابات الخاصة، أوعية مالية تُنشأ بموجب قرارات أو قوانين خاصة داخل الجهات الحكومية كالوزارات والمحافظات والجامعات والهيئات العامة، وتتمتع بموازنة مستقلة عن الموازنة العامة للدولة، إذ تُخصَّص لها موارد بعينها وأوجه إنفاق محددة تستمدها من رسوم الخدمات الحكومية والغرامات والدمغات ورسوم التراخيص ورسوم الجامعات والمستشفيات وغيرها، ومن يُعرَفون بـ"العاملين على الصناديق الخاصة" هم الموظفون الذين يتولون إدارة هذه الأوعية المالية أو العمل داخلها، من أعضاء مجالس الإدارة والمديرين الماليين والمحاسبين وسائر العاملين الذين يتقاضون مكافآتهم وحوافزهم من موارد تلك الصناديق وفق اللوائح المنظِّمة لها.

ورغم سنوات الخدمة الطويلة في مؤسسات الدولة، التي تقارب عقدًا ونصف العقد لدى بعضهم، لا يزال وضع هؤلاء الوظيفي معلقًا في فراغ قانوني حقيقي، فهم من الناحية القانونية يتقاضون رواتبهم من موارد وحسابات خاصة لا من الموازنة العامة للدولة، ولا تُحرَّر لهم عقود عمل واضحة تكفل حقوقهم وضماناتهم الوظيفية من تعيين أو زيادات أو ترقيات، كأنهم يراوحون في المكان دون أن يتقدموا خطوةً واحدةً إلى الأمام.

في المقابل، لا تنظر إليهم جهات الدولة، وفي مقدمتها وزارة المالية، إلا من زاوية واحدة ضيقة، هي ما تُدره الجهات التي يعملون بها من إيرادات للموازنة العامة، أو ما يُسهم في سد العجز بالحسابات والصناديق الخاسرة، أي أنهم مجرد رقم في جدول محاسبي لا يعكس واقعهم الإنساني وحقهم في "الحياة الكريمة والمستقبل المستقر".

وفي سياق هذا الواقع المأزوم، ارتفعت تقديرات وزارة المالية لإيرادات الصناديق والحسابات الخاصة في موازنة العام المالي 2027/2026 لتبلغ 115.01 مليار جنيه، مقارنةً بنحو 94.71 مليار جنيه في السنة المالية الحالية 2025/2026، بزيادة قدرها 20.30 مليار جنيه تعادل 21.4%.

ويحكي "م. و"، لـ"فكر تاني"، وهو موظف يعمل منذ 13 عامًا، ضمن بند 3/2 درجات بالتربية والتعليم، أنه لم يحصل خلالها على الحد الأدنى للأجور الذي تحدده الدولة لسائر الجهات، بل إن صحيفة الأحوال التي كان العاملون على الصناديق التابعة للتربية والتعليم يستخرجونها كغيرهم من العاملين بالدولة، جرى حرمانهم منها بتنبيه رسمي من الوزارة.

وتُعدُّ صحيفة الأحوال، أو بيان الحالة الوظيفية، وثيقةً رسمية إلكترونية تصدرها الجهات الإدارية، وتتضمن السجل الشامل للموظف بما يشمل بياناته الأساسية ومؤهلاته العلمية وتدرجه الوظيفي ودوراته التدريبية وجزاءاته ومكافآته وتاريخ إحالته للمعاش، وهي وثيقة لا غنى عنها لإجراءات الترقي والنقل والإعارات وتقديم الملفات الإدارية.

ولا يوجد حتى الآن رقم دقيق يكشف أعداد هؤلاء العاملين، في ظل تغطية الصناديق لمصروفاتها من مواردها الذاتية، غير أن التقديرات المستقلة تتراوح بين 200 و300 ألف موظف، يتركز أغلبهم في أربع وزارات هي الصحة والتربية والتعليم والتعليم العالي والزراعة.

وقد رفع المئات من هؤلاء الموظفين دعاوى قضائية تطالب بالتثبيت للمؤقتين منهم، فيما يطالب المعيَّنون بنقلهم إلى الباب الأول للأجور بالموازنة العامة، بما يكفل لهم الحقوق ذاتها المكفولة لسائر العاملين بالجهاز الإداري للدولة.

وتقول "س. مصطفى"، إن العاملين على صناديق التربية والتعليم يتقاضون 600 جنيه شهريًا فحسب، مضيفةً في تصريحات لـ"فكر تاني"، أنهم يتلقون معاملة سيئة، إذ يُهدَّدون عند أي خلاف بأنهم "عمال صناديق ليس لهم قيمة"، وكل ما يصبو إليه هؤلاء العمال هو الانضمام إلى موازنة الدولة والباب الأول للأجور.

وتظل مآلات هؤلاء العاملين مجهولةً سواء من جرى تثبيتهم أو من بقوا على وضعهم المؤقت، ومن أشد هذه الحالات إيلامًا ما يعيشه "م. أ." الذي لا يفصله عن المعاش سوى شهرين، غير أن التأخر في تعيينه جعل سنوات خدمته تقع دون الحد الأدنى المطلوب لاحتساب المعاش، فبات لا يعلم أن كانت جهته ستمد له مدة عمله أم ستتركه في مواجهة مصير مجهول.

إلى جانب ذلك، يعاني بعض هؤلاء العاملين مخاطر مهنية جسيمة، كالمتعاقدين في معامل مستشفيات وزارة الصحة من كيميائيين قضى بعضهم أكثر من عشر سنوات في الخدمة براتب لا يتجاوز 3000 جنيه، يعملون في المعامل وبنوك الدم من دون أن يحصلوا على أي بدل عدوى.

تراث قديم ومستمر

وفقًا للموازنة العامة الجديدة التي يبدأ تطبيقها مطلع يوليو المقبل، تبلغ قيمة ما يؤول لوزارة المالية من الصناديق والحسابات الخاصة في السنة المالية 2027/2026 نحو 27 مليار جنيه، مقابل 25.5 مليار جنيه في العام المالي الحالي بعد خصم جميع التكاليف، بنسبة زيادة تقترب من 5.8%. وتُعيد هذه المستهدفات الضخمة الجدل الدائر حول الصناديق والحسابات الخاصة التي أُنشئت أصلًا لتحقيق أغراض محددة، وتتمتع بكيانات إدارية مستقلة تمول نفسها ذاتيًا من الموارد التي تحددها قرارات إنشائها أو لوائحها الخاصة، غير أنها تحمل صورة ذهنية سيئة في أذهان الرأي العام المصري بعد وصفها على مدار عقود بأنها "دهليز للمال العام".

والمفترض أن إيرادات هذه الصناديق تستهدف تمويل البحوث العلمية وتحسين الخدمات في المستشفيات والمرافق العامة، وأنها أداة تمويلية لتنفيذ المشروعات وتطويرها، فضلًا عن دورها الحيوي في تقديم خدمات اقتصادية واجتماعية وثقافية دون تحميل الموازنة العامة أعباءً إضافية. غير أن دراسات عديدة ترى أنها تحول دون قدرة صانع السياسة المالية على الإحاطة الدقيقة بحجم الأموال المتداولة في الاقتصاد، مما يُعيق تقدير معدلات التضخم بصورة صحيحة، كما تواجه انتقادات بتأسيسها مراكز مالية خارج نطاق الرقابة، وقد كشف الواقع العملي عن قصور واضح في أداء هذه الصناديق جراء التوسع المفرط في إنشائها، مما أفضى إلى عجز الأجهزة الرقابية عن حصرها ومراقبة إيراداتها ومصروفاتها.

وتثير هذه الصناديق لغزًا حقيقيًا على الساحة العامة في مصر نظرًا لصعوبة رصد الجهات الرقابية ووزارة المالية لحجم أموالها وتقدير إيراداتها ومصروفاتها بدقة، ولأن المشروعات والخدمات التي تدعمها باتت تجعل إلغاءها أمرًا متعذرًا، فلم يعد الخيار المتاح سوى إصلاح المنظومة من الداخل عبر حوكمتها وضبط أدائها.

وتعود بذرة هذه الصناديق إلى حقبة الجمهورية العربية المتحدة حين أُنشئ صندوق "طرح النهر وأكله"، وظل الصندوق الوحيد على مدار تسع سنوات، قبل أن يستحدث القانون 38 لسنة 1967 صندوقًا للمحليات يقوم على فرض رسم إجباري يؤديه شاغلو العقارات المبنية بما لا يجاوز 2% من القيمة الإيجارية، على أن يُخصص لشؤون النظافة العامة. ومن المحليات انتقلت الفكرة إلى الجامعات، حين نص القانون صراحةً على إنشاء "حساب البحوث بالجامعة" وتخصيص موارده للمبالغ التي تؤديها الجامعات مقابل إجراء أبحاث لصالح الجهات الطالبة لها. ثم جاء القرار رقم 809 لسنة 1975 ليرسي منظومة أشمل بإنشاء حسابات وصناديق خاصة بكل جامعة لأغراض محددة، أبرزها صندوق الخدمات التعليمية الذي يتضمن رسوم المكاتب والمختبرات والانتساب والتدريب ودخول الامتحانات واستخراج الشهادات.

وقد تطور عدد هذه الصناديق من 5564 صندوقًا عام 2002 إلى 6451 في نهاية يونيو 2021، يقع معظمها لدى الجامعات تليها المحافظات، وعلى مستوى الوزارات تتصدر وزارة الزراعة القائمة تليها وزارة الصحة، وفق ما أفاد به عبد الفتاح الجبالي، المستشار السابق لوزير التخطيط. وحين شرعت الدولة في محاولة حصر هذه الصناديق، فاجأ الدكتور محمد معيط، وزير المالية الأسبق، البرلمان في مايو 2023 حين كشف أن الوزارة أجرت إحصاءً دقيقًا على مدار ثلاث سنوات أسفر عن رصد 7776 حسابًا خاصًا، و505 حسابات صناديق خاصة.

وفي مواجهة هذا التنامي، جاء قانون المالية العامة الموحد الذي يدمج قانون الموازنة العامة للدولة وقانون المحاسبة الحكومية، بهدف حوكمة الأداء المالي وإرساء نظام موازنة البرامج والأداء وتطبيق أطر موازنية متوسطة المدى لمدة ثلاث سنوات. ونص هذا القانون على عدم إنشاء أي حساب خاص أو صندوق إلا بقانون صادر عن البرلمان، مع إخضاع كافة حسابات الصناديق لرقابة وزارة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات، بهدف منع الازدواج المالي وتحقيق الشفافية. وفي حال عجزت موارد الصناديق والحسابات الخاصة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه سداد مرتبات العاملين المسجلين بها، تضطلع وزارة المالية بتقديم الدعم اللازم مراعاة للبعد الاجتماعي لهم ولأسرهم. وفي الوقت ذاته، حظر البنك المركزي المصري على جميع الجهات الإدارية والهيئات العامة فتح حسابات أو صناديق خاصة خارج نطاقه.

تحديات قائمة ومشكلات عالقة

تُثير هذه الصناديق جملة من الإشكاليات الجوهرية، أبرزها مخالفة مبادئ الموازنة لا سيما مبدأي الوحدة والشمول، وازدواجية المهام والوظائف، إذ تعترض محاولات ضمها عقبات جوهرية كأن تكون منشأة بموجب اتفاقيات دولية تشترط فتح حساب خاص لمتابعة أوجه الصرف والرقابة عليها. فضلًا عن ذلك، تستهدف بعض الصناديق تمويل أنشطة محددة كالمراكز البحثية في الجامعات ومكتبة الإسكندرية، أو تؤدي خدمات بعينها كمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، كما تعتمد صناديق أخرى على التبرعات والهبات والوصايا من مواطنين لا يرغبون في توجيهها للخزانة العامة لعدم ثقتهم في العمل الحكومي.

أما صناديق التأمين الخاصة التي أُنشئت في بعض المصالح والهيئات منذ عقود، فشهدت انتقاصًا صارخًا من حقوق المؤمن عليهم حين بدأ البحث في تقنينها وتسجيلها، ومن أبرز الأمثلة على ذلك صندوق التأمين في جامعة الزقازيق الذي ظل بلا تسجيل ولا توفيق لأوضاعه مدة 28 عامًا، وحين جرى تقنينه حُرم العمال المؤمن عليهم من حقوقهم المكتسبة. وأمام هذه الإشكالية، قررت وزارة المالية والبنك المركزي استثناء الحسابات الصفرية التي تُنشأ لأغراض التبرعات والمنح بموافقة مسبقة من وزير المالية، ضمن إطار إحكام الرقابة على المال العام، إذ تعمل هذه الحسابات على تحويل أرصدتها كاملة بصفة يومية إلى حسابات موازية في البنك المركزي.

متى توفق أوضاع العمالة؟

على الصعيد المحلي، تنظر المحافظات إلى هذه الصناديق باعتبارها مصدرًا أساسيًا للتمويل الذاتي، وقد عكس ذلك اجتماع موسع عقده الدكتور حسين مغربي، نائب محافظ الدقهلية، مع رؤساء مجالس إدارات الصناديق الخاصة لمتابعة موقفها المالي وتعزيز مواردها، واصفًا إياها بأنها أهم موارد التمويل الذاتي للمحافظة. وطالب نائب المحافظ بوضع آليات لتعظيم هذه الموارد بما يعود بالنفع على الخدمات العامة، واستثمارها في مشروعات تخدم المواطن البسيط من خلال مقترحات قابلة للتنفيذ.

وعلى صعيد المطالبات التشريعية، تقدم النائب حسين غيته، عضو مجلس النواب، بـطلب إحاطة يطالب فيه بضم العاملين على الصناديق الخاصة إلى الموازنة العامة للدولة ونقلهم إلى الباب الأول وتعيينهم وتوفير درجات مالية لهم، إلى جانب التمتع بمزايا النقل والندب والإجازات والعلاوات والترقيات وغيرها من الحقوق الوظيفية المكفولة لسائر موظفي الجهاز الإداري.

وفي السياق ذاته، تقدم النائب سيد أبو بريدعة بـطلب إحاطة مماثل يطالب فيه بتعديل الشكل التعاقدي لموظفي الصناديق الذين يعانون من الحرمان من المزايا الوظيفية مما يقتل طموحهم ويُحكم قلقهم على مستقبلهم ومستقبل أسرهم، مطالبًا بنقلهم إلى الباب الأول الذي يضمن حوكمة المنظومة الإدارية، وبإجراء حصر دقيق وشامل لجميع العاملين على الصناديق والحسابات الخاصة ممن استوفوا الشروط القانونية للتثبيت بعد مرور ثلاث سنوات على التعاقد معهم.

في المقابل، يقول مسؤول في وزارة المالية إن كثيرًا من جهات الدولة تتعامل أصلًا مع هذه العمالة وفق خطط تعطي الأولوية للعمالة الأقدم والأكبر سنًا، غير أن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة يشترط لضمهم إلى الباب الأول توافر درجات مالية خالية وموارد مستقرة.

ويضيف المسؤول، الذي رفض الكشف عن هويته، أن ملف الصناديق والحسابات الخاصة ظل دون نص تشريعي خاص حتى طلب مجلس الوزراء عام 2012 التعامل مع هذه الإشكالية، مشيرًا، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن الجهات الحكومية محظور عليها حاليًا التعاقد مع عمالة جديدة في هذه الصناديق والحسابات الخاصة بأي شكل من الأشكال، وذلك بهدف توفيق أوضاع العمالة الموجودة فعلًا والعمل على إنهاء هذا الملف التراكمي المعقد.

ليبقى ملف العاملين على الصناديق الخاصة عالقًا بين مطالب متراكمة وحلول متعثرة، وبين أرقام ضخمة تتصاعد في موازنات الدولة وأجور هزيلة لا تكفل الحد الأدنى من الكرامة، في انتظار قرار يُنصف مئات الآلاف من الأسر التي طال انتظارها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة