يوميات صحفية برلمانية| كم تكلفة العنف ضد النساء اليوم؟

عدتُ 11 عامًا إلى الوراء، توقف الزمن عند عام 2015 وأنا أطالع نتائج مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي في مصر، الذي كشف عن تعرُّض نحو 8 ملايين امرأة لأشكال مختلفة من العنف، قدَّر تكلفته الاقتصادية بأكثر من ملياري جنيه.

أعدتُ قراءة الأرقام أكثر من مرة، سألتُ زميلاتي إن كنتُ أفهمها بشكل صحيح، فعلاقتي بالأرقام الكبيرة ليست على ما يرام، لكن الإجابة كانت واحدة: نعم، الأرقام صحيحة.

إذا كانت هذه صورة العنف ضد النساء في مصر قبل 11 عامًا، فكيف تبدو الصورة اليوم؟

هذا السؤال طرحه المقترحُ برغبة الذي تقدمت به أمينة سر لجنة حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي بمجلس الشيوخ، أميرة صابر، مطالبةً بإجراء مسح جديد لقياس التكلفة الاقتصادية للعنف ضد النساء، بعد مرور أكثر من عقد على آخر بحث شامل أجراه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان.

صورة العنف ضد النساء في 2015

مع مناقشة لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشيوخ مقترحَ أميرة صابر، والإقرار بضرورة العمل على مسح جديد، توقفتُ أمام الأرقام القديمة التي كشفت تفشِّي حجم العنف ضد النساء في مصر آنذاك.

وراء هذا السؤال تقف أرقام لم أستطع تجاوزها بسهولة، 7 ملايين و888 ألف امرأة يعشن تحت وطأة العنف، من أزواج وخطباء ومحيط قريب أو شوارع لا تعرف الأمان، وحين تبحث عن النساء المتزوجات وحدهن، يخبرك المسح أن كل امرأتين من بين كل أربع تعرضت لشكل من أشكال العنف على يد زوجها، 43% يحملن جروح الكلام القاسي والإذلال، و32% يعرفن معنى الضربة، و12% تعرضن لعنف جنسي داخل بيوتهن، وعشر منهن جُمعت في أجسادهن وأرواحهن كل أشكال الأذى الثلاثة معًا.

لم يكن المسح يتحدث عن جرائم استثنائية أو حوادث نادرة، وإنما يصف ما اتفقت المنظومة الدولية على تسميته عنفًا، "كل فعل يُلحق الأذى بالمرأة جسدًا أو نفسًا أو جنسيًا، بما في ذلك التهديد والإكراه والحرمان من الحرية، سواء داخل جدران البيت أو في الفضاء العام. وهو ما رصده المسح في كل دوائر حياة المرأة المصرية: من الزوج والخطيب، إلى الأسرة والعائلة، إلى الشارع والحي".

الفاتورة الاقتصادية للعنف

قدَّر المسح التكلفة الاقتصادية للعنف ضد النساء في 2015 بنحو 2 مليار و17 مليون جنيه، وهي خسائر مباشرة وغير مباشرة، ملموسة وغير ملموسة، عندما كان سعر صرف الجنيه وقتها يدور حول 7.7 جنيه للدولار، أي قبل سنوات من التعويمات المتتالية والتراجع الكبير في القوة الشرائية للجنيه، ومعدلات التضخم المرتفعة ورفع الحد الأدنى للأجور عدة مرات.

لم تقتصر هذه التكلفة على نفقات العلاج أو التقاضي، بل شملت أيضًا الخسائر الناتجة عن ترك النساء لمنازلهن بسبب العنف، إذ كشف المسح عن ترك مليون امرأة للمنزل نتيجة العنف على يد الزوج، وقدَّر تكلفة السكن البديل والمأوى بنحو 585 مليون جنيه.

كما كشف عن وجود خسائر إنتاجية نتيجة التغيب عن العمل بسبب العنف، وتغيير وسائل المواصلات أو اللجوء لطرق أطول، أو الاستعانة بمرافقين تجنبًا للتعرض للعنف في الأماكن العامة، وهي التكلفة التي قدَّرها المسح بـ548 مليون جنيه، فضلًا عن الأعباء التي تتحملها الأسر والدولة نتيجة الآثار الصحية والنفسية الممتدة للعنف.

وبحسب نتائج المسح، بلغت تكلفة العنف على يد الزوج أو الخطيب وحدها مليارًا و49 مليون جنيه، فيما تحملت النساء وأسرهن نحو 585 مليون جنيه نتيجة اضطرار بعضهن إلى مغادرة المنزل والبحث عن سكن بديل.

كشف لنا المسح أن العنف ضد النساء ليس مجرد انتهاك إنساني لها، أو حالات فردية، لكن العنف أصبح نزيفًا اقتصاديًا مستمرًا يدفع ثمنه الضحايا وأسرهن والمجتمع بأكمله، لذا تطالب أميرة صابر بضرورة إجراء مسح جديد في ضوء الوضع الاقتصادي الحالي، وأنماط العنف المستجدة خلال العقد الأخير، خاصة العنف الرقمي الذي يتضمن الابتزاز الإلكتروني، والتحرش من خلف الشاشات، وغيره من أشكال العنف.

أثر قوانين التحرش والختان

على مدار السنوات الماضية عدَّل مجلس النواب قانون العقوبات أكثر من مرة لتجريم وتغليظ عقوبة عدد من الجرائم، في مقدمتها ختان الإناث والتحرش الجنسي.

كانت أرقام الجريمتين في المسح صادمة، إذ كشف عن تفشِّي جريمة ختان الإناث، موضحًا أن من بين كل عشر فتيات تعرضت تسع منهن للختان، أما التحرش الجنسي فأوضح أن مليونًا و700 ألف امرأة تعاني من التحرش في الأماكن العامة، فضلًا عن تعرض 16 ألف فتاة فوق سن 18 سنة للتحرش في المؤسسات التعليمية خلال عام واحد.

مع مرور أكثر من عقد كامل على المسح، وصدور قوانين تُغلِّظ عقوبات جرائم التحرش الجنسي والختان، من الأَوْلى بنا إجراء دراسات تُبيِّن لنا تأثير هذه القوانين ومدى قدرتها على التصدي لهذه الجرائم والحد من انتشارها.

حفر البحر لمكافحة العنف

قبل عشر سنوات، لم يكن مسح التكلفة الاقتصادية للعنف ضد النساء مجرد وثيقة إحصائية، بقدر ما كان محاولةً لفتح نافذة لقياس حجم الأزمة، تمكِّن صانع القرار من رؤية الصورة لوضع السياسات والتشريعات اللازمة للتصدي لها، بدلًا من التحرك في الفراغ.

في أبريل 2015، جاء الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة، التي امتدت حتى عام 2020، وكان الهدف الاستراتيجي العام "القضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة والفتاة".

ارتكزت الاستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية، أولها الوقاية، من خلال العمل على تغيير الثقافة المجتمعية، وتعزيز الوعي العام، وإعادة صياغة الخطاب الديني والتربوي والإعلامي، بما يحد من إنتاج العنف في جذوره، إلى جانب برامج التوعية والتدريب وتحليل أبعاد الظاهرة اجتماعيًا واقتصاديًا.

أما المحور الثاني فكان الحماية، عبر تطوير الإطار التشريعي، وتسهيل الإبلاغ عن جرائم العنف، وتعزيز آليات تطبيق القانون، وتهيئة بيئة أكثر أمانًا للنساء.

في حين ركَّز المحور الثالث على التدخل والاستجابة، من خلال الدعم النفسي والقانوني، وإنشاء مراكز لاستقبال الحالات المعنَّفة، والتعامل مع آثار العنف بعد وقوعه.

لكن بين التصميم والتنفيذ، والطموح والنتائج، يبقى السؤال: ما الذي تغيَّر فعلًا بعد سنوات من إطلاق الاستراتيجية؟ هل تراجعت معدلات العنف أم ازدادت؟ هل انتشرت أنماط العنف الجديدة في المجتمع المصري؟ هل ينتج المجتمع أشكالًا من العنف أكثر تعقيدًا؟ هل كانت التشريعات الجديدة لمواجهة الختان والتحرش كافية؟ إلى أي مدى حققت الاستراتيجية الوطنية أهدافها؟

تظل هذه الأسئلة بلا إجابات في غياب البحوث والمعلومات الجديدة، لكن الحقيقة الوحيدة المؤكدة أنه لا يمكن تجاهل استمرار العنف ضد النساء وتحوله إلى نزيف اقتصادي هائل ومستمر تتحمله ميزانيات الأسرة والدولة معًا، مما يجعل المسح الجديد الذي طالبت به النائبة أميرة صابر ضرورةً اجتماعية وأمنية واقتصادية قصوى.

إن العودة إلى طاولة لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشيوخ لتبني هذا المسح والضغط على الحكومة لتنفيذه، هي الخطوة الوحيدة لإنهاء حالة "الحفر في البحر".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة