أصدر الاتحاد الدولي للنقابات ITUC تقريره السنوي لمؤشر حقوق العمال لعام (Global Rights Index 2026) وحافظت مصر على وضعها السابق داخل الفئة 5 من التصنيف للعام الثاني على التوالي، دون أي تغير عن تصنيف 2025.
ويضع المؤشر مصر ضمن أسوأ عشر دول في العالم من حيث احترام الحقوق النقابية وحقوق العمال إلى جانب بنجلاديش وبيلاروسيا والإكوادور وإستونيا وميانمار ونيجيريا والفلبين وتونس وتركيا، وهي الدول التي يصنفها الاتحاد الدولي للنقابات ضمن فئة "غياب ضمانات الحقوق".
وحصلت مصر علي درجة 5 من أصل 6 درجات في المؤشر وهي الدرجة الأسوأ قبل فئة 5+ التي تقتصر على الدول التي يشهد فيها حكم القانون انهيار نتيجة النزاعات المسلحة أو الحروب أو الاحتلال.
في المقابل يضع المؤشر عدد محدود من الدول في الفئة الأولى والتي تمثل أعلى مستويات احترام حقوق العمال والحريات النقابية وهي الدول التي لا تسجل سوى انتهاكات متفرقة للحقوق العمالية وضمت كل من النرويج والدنمارك وإيطاليا والنمسا بما يعكس اتساع الفجوة بين الدول الأعلى والأدنى أداءً في هذا المجال.
ويكتسب استمرار مصر في الفئة الخامسة أهمية خاصة هذه المرة لأن الفترة بين التقريرين شهدت إقرار قانون العمل الجديد باعتباره أحد أهم التعديلات التشريعية المرتبطة بسوق العمل خلال السنوات الأخيرة إلا أن ثبات التصنيف يثير تساؤلات حول مدى قدرة الإصلاحات التشريعية وحدها على تحسين أوضاع حقوق العمال وحول العلاقة بين تحديث النصوص القانونية وبين الممارسة الفعلية داخل مواقع العمل.
موقع مصر بين 2025 - 2026
ظلت مصر ضمن الفئة 5 وهي الفئة التي تشير إلى غياب الضمانات الفعلية للحقوق النقابية واستمرار الانتهاكات الواسعة أو المنتظمة كما اشرنا سابقاً ويعتمد هذا التقييم على مجموعة من المؤشرات الفرعية التي تشمل :-
- حرية التنظيم النقابي
- وفعالية التفاوض الجماعي
- وحق الإضراب
- والوصول إلى العدالة العمالية
- والحماية من الممارسات التعسفية داخل سوق العمل.
وبمقارنة هذه المؤشرات بين عامي 2025 و2026 لا يظهر تغير هيكلي في أي من هذه المحاور داخل الحالة المصرية، وهو ما يفسر ثبات التصنيف العام ورغم صدور قانون عمل جديد خلال الفترة بين التقريرين، فمن منظور منهجية ITUC فإن وجود قانون جديد لا يمثل في ذاته معيار لتحسن الترتيب لكنه يرتبط بمدى تأثير القانون على الممارسة الفعلية داخل بيئة العمل، سواء في ما يتعلق بحرية التنظيم أو استقلال النقابات أو قدرة العمال على التفاوض والإضراب دون قيود إجرائية أو مؤسسية.
ويشير ثبات المؤشرات أيضا إلى استمرار الفجوة بين الإطار التشريعي والتطبيق العملي، وهي الفجوة التي يترجمها المؤشر في صورة ثبات التصنيف دون تحسن.
| المحور | 2025 | 2026 | التغير |
| التصنيف العام | الفئة 5 | الفئة 5 | لا تغيير |
| حرية التنظيم النقابي | مقيدة بشكل واسع | مقيدة بشكل واسع | ثابت |
| استقلال النقابات | محدود | محدود | ثابت |
| حق الإضراب | مقيد عملياً | مقيد عملياً | ثابت |
| التفاوض الجماعي | ضعيف الفاعلية | ضعيف الفاعلية | ثابت |
| الوصول إلى العدالة العمالية | محدود وبطيء | محدود وبطيء | ثابت |
| أثر قانون العمل الجديد | غير ظاهر في المؤشر | غير ظاهر في المؤشر | لا أثر |
وكما هو واضح بالجدول السابق أن جميع المحاور الأساسية التي يقوم عليها تصنيف ITUC لمصر لم تشهد أي تغير بين 2025 و2026 كما يظهر أن صدور قانون العمل الجديد خلال الفترة بين التقريرين لم ينعكس على أي من هذه المؤشرات الفرعية وبناء على ذلك فإن هذا الثبات في الترتيب انما يعكس استمرار نفس البنية المؤسسية لعلاقات العمل دون تحول جوهري في قواعد الممارسة الفعلية.
قانون العمل الجديد و المؤشرات
دخل قانون العمل 14 لسنة 2025 حيز التنفيذ في سبتمبر الماضي اي خلال الفترة الفاصلة بين تقرير ITUC لعامين 2025 و2026 باعتباره أحد أبرز التدخلات التشريعية في ملف علاقات العمل خلال تلك الفترة، مع تقديمه باعتباره تحديث للإطار القانوني المنظم لسوق العمل المصري و من هذا المنظور فإن ثبات الترتيب لا يمكن تفسيره من داخل الإطار التشريعي وحده وإنما يرتبط بتدهور أحوال العمال من خلال 4 ملفات رئيسية على مستوى التطبيق الفعلي داخل سوق العمل.
وتكشف البيانات والاحصائيات الرسمية طبيعة الفجوة بين الإطار القانوني والممارسة الفعلية لتلك الملفات.
ملف الأجور
تشير بيانات النشرة المعلوماتية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة و الإحصاء أن نحو 75% من القطاعات الاقتصادية في مصر لا تلتزم بشكل فعلي ومستقر بتطبيق الحد الأدنى للأجور، وهذه النسبة إنما تعكس نمط واسع من عدم الامتثال يتوزع بين القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتتخذ هذه الفجوة عدة أشكال منها :-
- الالتزام الجزئي بالحد الأدنى للأجر الأساسي مع إعادة توزيع الأجر في شكل بدلات غير ثابتة
- أو ربط الأجر ببنود متغيرة تجعل الحد الأدنى غير مضمون في التطبيق الفعلي
- أو تطبيق استثناءات عملية داخل بعض الأنشطة الاقتصادية.
هذا النمط يؤدي إلى نتيجة أساسية وهي أن وجود حد أدنى قانوني للأجور لا يتحول بالضرورة إلى حد أدنى فعلي مضمون داخل جميع القطاعات.
هذه الفجوة بين النص والتطبيق انعكست على مؤشرات العدالة في علاقات العمل التي يعتمد عليها ITUC بشكل غير مباشر، حيث لا يُقاس مستوى العدالة بوجود القاعدة القانونية فقط بل بمدى شموليتها ودرجة الالتزام بها داخل سوق العمل الفعلي.
التمثيل النقابي
تشير بيانات نشرة التعداد الاقتصادي ( 2022- 2023 ) إلى وجود فجوة هيكلية بين الشكل المؤسسي للتمثيل النقابي وبين القدرة الفعلية على تمثيل العمال داخل مواقع العمل المختلف حيث اتضح أن 96.4% من إجمالي المنشآت الاقتصادية لا تستوفي شرط الـ 50 عاملا - وهو العدد المطلوب لتأسيس لجنة نقابية وفقا لقانون التنظيمات النقابية رقم 213 لسنة 2017- واتضح أيضا أن 88% من القوة العاملة تعمل بتلك المنشآت ما يحرمهم فعليا من حق التمثيل النقابي.
إن ضعف انتشار التنظيمات النقابية داخل قطاعات عمالية بالإضافة إلى محدودية الاستقلالية النقابية القائمة أدى إلى ضعف القدرة التفاوضية الفعلية في تحسين شروط العمل أو الأجور أو ظروف التشغيل هذا الوضع يؤدي بشكل مباشر إلى ثبات تقييم حرية التنظيم النقابي والتفاوض الجماعي داخل مؤشر ITUC بين 2025 و2026، لأن المؤشر لا يكتفي بقياس وجود تنظيمات نقابية، بل يقيس استقلالها وفعاليتها وقدرتها على التمثيل الفعلي للعمال.
السلامة والصحة المهنية
يوجد تفاوت واسع في تطبيق معايير السلامة بين القطاعات المختلفة مع استمرار ضعف الالتزام داخل قطاعات كثيفة العمالة وتراجع مستويات الرقابة وغياب تغطية فعالة في أجزاء من الاقتصاد غير الرسمي الذي يمثل ما يقرب من 60%
ويظهر هذا التفاوت في عدة صور منها :-
- اختلاف مستوى تطبيق اشتراطات السلامة بين المنشآت الكبرى والمنشآت الصغيرة
- ضعف الالتزام بالإجراءات الوقائية في بعض مواقع العمل بالإضافة إلى محدودية الوصول إلى أدوات الحماية في بعض القطاعات.
ورغم أن السلامة والصحة المهنية ليست المؤشر المباشر الوحيد داخل ITUC إلا أنها تدخل ضمن الإطار العام لتقييم بيئة العمل من حيث الحماية من المخاطر والانتهاكات، وهو ما يجعل استمرار هذه الفجوة أحد عناصر تفسير ثبات التقييم العام.
حرية الرأي والشكوى
يتضح وجود مستوى من القيود العملية على قدرة العامل على التعبير أو الشكوى داخل بيئة العمل حيث شهد عامي 2024-2025 العديد من الوقائع علي التي تؤكد أن التعبير عن الرأي داخل بيئة العمل ما يزال محفوفا بالمخاطر، فمن بين تلك الوقائع ما حدث لشركة مفكو حلوان حين تلقي محموعة من العمال إنذارات بالفصل نتيجة تعبيرهم عن مشكلات تتعلق بالعمل أو الحبس نتيجة مطالبته بحقوق مستحقة.
عند الربط بين هذه المؤشرات وهي الأجور والتمثيل النقابي والسلامة المهنية وحرية التعبير عن الرأي وبين المؤشرات الأساسية التي يعتمد عليها ITUC يتضح أن هناك درجة عالية من التطابق في الاتجاه العام رغم اختلاف أدوات القياس ففي حين تقيس تقارير ITUC مستوى الحريات النقابية وحقوق التفاوض والإضراب والوصول إلى العدالة تقيس البيانات و الإحصائيات الرسمية مستوى الالتزام الفعلي بالأجور ومدى فعالية التمثيل النقابي وشروط السلامة داخل بيئة العمل، لكن في كلا المستويين تظهر النتيجة ذاتها وهي استمرار حالة الاستقرار السلبي دون تحول حقيقي بين 2025 و2026، سواء على مستوى الحقوق أو على مستوى التطبيق.
كيف ننجو من منطقة الأسوأ
أن العمل على تحسين الوضع العمالي يحتاج في البداية إرادة سياسية واهتمام بالغ من قبل المؤسسات المعنية سواء الحكومية أو المجتمع المدني بمفهومه الأشمل على أن يكون العمل على تفعيل إنفاذ القانون بشكل فعلي بسوق العمل وإعادة بناء قاعدة التمثل العمالي والنقابي مع تعزيز استقلالية النقابات ورفع قدرتها على آليات التفاوض بشكل حقيقي وفعال بما يسمح بتحسين شروط العمل ويجب تطوير منظومة التفتش العمالي والسلامة والصحة المهنية بما يضمن توحيد مستويات الحماية ليشمل الاقتصاد غير الرسمي، مع تعزيز وحماية حرية الرأي والتعبير لدي العامل باعتبارها مدخل أساسي لباقي الحقوق .