قد تبدو عبارة، مثل "لا يوجد في الدنيا خيانة أكبر من خيانة جسدك"، مبالغة درامية لمن لا يعرف مرض التصلب المتعدد، لكنها تختصر، في الواقع، ما يعيشه الملايين حول العالم، وفي القلب منهم المرضى المصريون، الذين يواجهون، إلى جانب المرض الذي يهاجم الجهاز العصبي المركزي ويحوّل الجسد إلى ساحة حرب مفتوحة، أعباء تتعلق بالدواء والضغط النفسي وضعف الوعي المجتمعي وقصور الدعم القانوني، لتصبح رحلة التعايش معه معركتين في آن معًا، واحدة داخل الجسد، وأخرى في مواجهة المنظومة المحيطة به.
حين يصبح الجسد خصماً لصاحبه
الطبيعي أن يكون جهاز المناعة في الإنسان هو الحصن المنيع ضد ما يتعرض له من أمراض، لكن المؤسف أن يتحول هو نفسه إلى المرض، فبدلاً من مهاجمة الأجسام الغريبة التي تصيب الجسم البشري، تقوم المناعة بمهاجمة الجسم نفسه.
يُصنف التصلب المتعدد أو اللويحي (MS) ضمن أمراض المناعة الذاتية، والتي تنتج عن حدوث خلل في جهاز المناعة بالجسم، حيث يقوم بمهاجمة المخ والأعصاب مستهدفاً غلاف العصب أو المادة البيضاء المعروف علمياً بـ "المايلين"، ويقوم بتدميره، ويحدث ذلك في الجهاز العصبي المركزي، والذي يضم كلاً من المخ والحبل الشوكي، ما يؤثر سلباً على كفاءة الإشارات العصبية في الجسم، هكذا تُعرف الدكتورة دينا زمزم، استشاري المخ والأعصاب بجامعة عين شمس المرض.
وتوضح لـ "فكّر تاني" أن الاستعداد الجيني للأمراض المناعية من أهم مسبباته، خاصةً مع وجود عوامل بيئية وحياتية معينة تحفز ظهور هذا الخلل الجيني وتنشطه أبرزها نقص فيتامين (د)، وهو ما يفسر سبب تزايد معدلات الإصابة به في الدول الباردة مقارنة بالدول الحارة، بالإضافة إلى محفزات أخرى كالتدخين، والسمنة المفرطة، والاعتماد على الأغذية غير الصحية، بالإضافة إلى الضغط النفسي والتوتر، والذي تصفه بـ "مرض العصر".
ظل هذا المرض غير معروف لقرون، حتى بدأ اكتشافه في القرن التاسع عشر على يد "أبو علم الأعصاب الحديث" الطبيب الفرنسي جين مارتين شاركو، الذي وصف عام 1968 المرض بشكل علمي واضح بعد دراسة مرضى لديهم أعراض مثل رعشة، اضطرابات حركة، مشاكل كلام، وتلف مميز بالمخ والحبل الشوكي.
كما ظل المرض لسنوات طويلة مجرد سطور قليلة في كتب الطب، لكن بدأ الاهتمام به وتوسع دراسته في العقود الأخيرة، حسب محمود فؤاد، المدير التنفيذي لمركز الحق في الدواء: كان المرض شبه مجهول لدى قطاع واسع من الأطباء، حتى إن أحد أساتذة طب المخ والأعصاب بجامعة القاهرة وصف وجوده في المناهج الطبية بأنه لا يتجاوز "ربع صفحة"، ما أدى إلى تأخر التشخيص لسنوات طويلة، وكان كثير من المرضى يتنقلون بين تخصصات مختلفة، وهو ما كان يسمح بتفاقم الحالة وتمكن المرض من المريض.
يعاني حوالي 2.9 مليون شخص في العالم من الـ MS وفقاً لأحدث الإحصائيات بينما لا توجد قاعدة بيانات مصرية معلنة بأرقام نهائية دقيقة ومحدثة، لكن وفقاً لـ "أطلس MS" فإن عدد المصابين في مصر 59.671 مريضاً تقريباً، تمثل النساء نحو 75% منهم، بمتوسط عمر تشخيص 27 سنة.
معركة لا يراها أحد
ليست مبالغة اعتبار التصلب المتعدد عنوان عريض لكل أنواع الألم بدءاً من وهن العضلات مروراً بتشوش الذهن، وتساقط الشعر والذكريات، والاكتئاب، وصولاً في بعض الحالات إلى فقدان البصر أو الشلل.
منة مرزوق (33 عاماً)، مهندسة معمارية ومريضة تصلب متعدد تروي لـ "فكّر تاني" أنها أُصيبت بالمرض منذ ثلاث سنوات، مشيرة إلى أن الأعراض بدأت بتنميل ونوبات ضعف مؤقتة وصعوبة في التحكم بالحركة، قبل أن يتم تشخيص حالتها بعد سلسلة من التحاليل والأشعات، واصفة رحلة العلاج بأنها "مرهقة نفسياً وجسدياً"، موضحة أن المرض حدّ من قدرتها على ممارسة الأنشطة اليومية بنفس الكفاءة السابقة، إلا أنها تحاول الاستمرار والتأقلم بدعم من المحيطين بها.
وفي نفس السياق، يقول مريض آخر، يبلغ من العمر 37 عاماً، إن بداية الأعراض ظهرت خلال شهر رمضان الماضي، حيث شعر بتنميل وحرقان وآلام امتدت إلى أجزاء متفرقة من الجسم، قبل أن يكتشف إصابته بالتصلب العصبي المتعدد بعد فترة من الفحوصات الطبية، مؤكداً أن المرض تسبب له في تحديات مستمرة على المستوى البدني والنفسي، والتعايش معه يتطلب صبراً ودعماً نفسياً مستمراً.
وحكى الممثل المصري عمرو محمد علي عن معاناته الطويلة مع المرض منذ عام 2006، وقال إن التصلب المتعدد تسبب في ابتعاده عن التمثيل وتدهور قدرته على الحركة. كما اشتكى من ارتفاع تكلفة العلاج وعدم كفايته، مشيرا إلى أنه قضى سنوات طويلة غير قادر على الحركة بشكل طبيعي.
وتشير دراسة علمية أجريت على حوالي 80 ألف مريض، أن مرضى التصلب المتعدد لديهم معدلات مرتفعة بوضوح من الاكتئاب والقلق، حيث وصلت نسبة الاكتئاب 30.5% والقلق 22.1%.
بين الوصم والتعايش.. لماذا يخفي المرضى إصابتهم؟
يقع مريض التصلب المتعدد في حيرة بين اختيارات جميعها مؤلمة، هل يفصح عن مرضه فربما يتفهم الناس معاناته، أم أنهم لن يتفهموا، خاصةً إذا لم يكن ذو إعاقة ظاهرة؟ أم يختار الإخفاء والاختباء خلف الإنكار والتظاهر بأنه طبيعي؟
"لم أعد أستطيع التظاهر أنني بخير" هكذا أعلنت الممثلة الأمريكية جيمي لين سيجلر، في تصريحات صحفية، إصابتها بعد أن أخفتها لحوالي 15 عاماً.
كما كشفت الممثلة الأمريكية إيما كولفيلد أنها أخفت إصابتها بالمرض لسنوات خوفاً على عملها في هوليوود، ثم قررت الإعلان عنه قبل أن تبدأ الأعراض في الظهور بشكل أوضح، وأشارت إلى خوفها من فقدان الفرص المهنية، وعن محاولتها الاستمرار في العمل رغم المرض، مؤكدة أن كثيراً من المصابين يخفون حالتهم خوفاً من الوصمة أو فقدان الوظائف.
في حفل الأوسكار عام 2019 ظهرت الممثلة الأمريكية سمى بلير تعتمد على عصا أثناء السير معلنة عن إصابتها بالمرض. وتحدثت لاحقاً عن سنوات طويلة من الأعراض الغامضة قبل تشخيص إصابتها بـ التصلب المتعدد سنة 2018 وإن التشخيص منحها "راحة" لأنه أخيراً فسّر ما يحدث لجسدها، مشيرة إلى خوفها من فقدان الاستقلالية وتأثير المرض على حياتها المهنية والشخصية.
وتزدحم مجموعات المرضى المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتعبير عن مخاوف من فقدان فرص عمل أو زواج بسبب المرض، وبشكاوى من عدم تقدير بعض العائلات والأصدقاء لمعاناة المريض، بالإضافة إلى مطالبات ببيئة عمل مناسبة، وإجازات مدفوعة الأجر في أوقات الانتكاسات والهجمات أو التأثر الشديد بالآثار الجانبية لبعض الأدوية.
"تشريع قانون للإجازات مدفوعة الأجر للمرضى، شيء ضروري، لأن الإرهاق الشديد واحد من أعراض الـ MS الخفية، فالمفروض إن المرضى يكلفون بأعمال مخففة أو يعملون لأوقات أقل" حسب الدكتورة دينا زمزم.
مطالبة بضرورة توفير البيئة المناسبة في العمل بأن تكون الأماكن جيدة التهوية أو فيها مراوح أو تكييفات.
وتعتبر بريطانيا من أبرز الأمثلة الإيجابية في التعامل مع الموظف مريض التصلب، حيث يعترف القانون بالمرض كإعاقة من لحظة التشخيص ما يعطي صاحبه الحق في تعديل ساعات العمل، وإجازات مرتبطة بالعلاج، والعمل من المنزل، وفترات راحة إضافية، بالإضافة إلى حماية من التمييز والفصل بسبب المرض.
أزمة تشخيص.. أزمة دواء
يعتمد علاج مرض الـ (MS) المزمن على أدوية تقوم بتثبيط نشاط جهاز المناعة، يستمر المريض على تعاطيها طيلة حياته، بينها الكورتيزون، وهو العلاج الرئيسي وقت ما يُسمى بـ "الهجمات" حين تهاجم المناعة أحد مراكز الأعصاب في المخ متسببة في ألم أو تنميل أو إعاقة للمريض. ويُعد "سولوميدرول" هو العقار الأشهر إلا أن المرضى يعانون من نقص حاد له في المستفيات المصرية مع توفر محدود في السوق السوداء بأسعار مرتفعة.
ويكشف عبد المسيح فاروق، المتحدث باسم جمعية رعاية للتصلب المتعدد، لـ "فكّر تاني" عن استمرار أزمة نقص بعض أدوية التصلب المتعدد في مصر، وعلى رأسها سولوميدرول، الذي يشهد أزمة منذ ثلاث سنوات بسبب ارتفاع سعر الدولار وتوقف الشركة المنتجة عن طرحه في السوق المصرية، ما أدى إلى ظهوره في السوق السوداء فقط، مشيراً إلى نقص أدوية أخرى مثل "مايزنت"، و"بونفوري".
وتشير رئيسة وحدة التصلب المتعدد بستشفى الشيخ زايد آل نهيان، إلى أن الدولة تكفل العلاج بالمجان من خلال نفقة الدولة لغير العاملين أو التأمين الصحي، أو في التأمين الصحي الشامل لو في محافظات دخلت التأمين الصحي الشامل، وأن الاستراتيجية الصحية تعتمد بشكل أساسي على توفير بدائل محلية للأدوية الأساسية، وأنه في حال تعرض بعض الأدوية المستوردة لقلة المعروض في الأسواق، يتم التعامل مع الأمر عبر مسارين، إما بنقل المريض إلى بروتوكول علاجي بـ "دواء بديل" متوفر، أو استخدام البدائل المحلية المتاحة.
العلاج على نفقة الدولة
لم يكن الطريق إلى العلاج المجاني سهلاً ولا تلقائياً، ولكنه جاء بعد معركة حقوقية وقانونية خاضها المرضى بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، يروي أبرز خطوطها محمود فؤاد مدير مركز "الحق في الدواء" لـ "فكّر تاني" بقوله: في بداية الألفينات لم تكن أزمة المرضى طبية فقط، بل اقتصادية أيضاً، بسبب الارتفاع الشديد في أسعار الأدوية، وكان الأطباء يوجهون المرضى "المتيسرين" إلى مندوبي شركات الأدوية العالمية.
وشهد عام 2009 بداية تحركات جماعية لمرضى التصلب المتعدد للمطالبة بحقهم في العلاج، فنظموا مظاهرات ووقفات احتجاجية أمام وزارة الصحة، والتقوا بوزير الصحة الأسبق حاتم الجبلي، الذي أقر بصعوبة توفير علاج المرض بسبب تكلفته المرتفعة، ووعد بدراسة الملف. وضمت هذه التحركات مرضى من خلفيات مهنية مختلفة، مثل أطباء جامعيين ومهندسين ومدرسين.
كما نظم المرضى وقفات احتجاجية أمام مكتب النائب العام بدعم من لجنة الحريات، وقدموا بلاغات رسمية ضد وزارة الصحة والحكومة، كما رُفعت قضايا ضد هيئة التأمين الصحي. ونظم المرضى فعاليات توعوية وثقافية في أماكن مختلفة، شملت مؤتمرات صحفية وعروضاً فنية وموسيقية. هذه الجهود ساهمت تدريجياً في إدخال أدوية التصلب المتعدد ضمن منظومة العلاج الحكومي، وأدى ذلك إلى انتظام العلاج وتحسن جودة حياة كثير من المرضى.
دعم وأمل
في عام 2003 بدأت فكرة إنشاء كيان يمثل مرضى التصلب المتعدد في مصر، خلال لقاء جمع بين أستاذة الرمد بجامعة القاهرة مي شعراوي والمهندس أحمد درويش، أحد مرضى التصلب المتعدد، بعدما لاحظ الطرفان غياب أي جهة تتحدث باسم المرضى أو تقدم لهم الدعم داخل مصر، ليتم إنشاء "جمعية رعاية" عام 2007، قبل أن تحصل على الإشهار الأول عام 2009، ثم الإشهار الرسمي النهائي عام 2011. وبعدها انضمت الجمعية إلى الاتحاد الدولي للتصلب المتعدد، لتصبح ممثلاً رسمياً لمرضى الـMS في مصر، كما يوضح عبد المسيح فاروق أحد مسئولي الجمعية.
ويقول عبد المسيح لـ"فكر تاني" إن الجمعية اعتمدت منذ بدايتها على العمل التطوعي، ويعمل معها حالياً نحو 110 متطوعين على مستوى الجمهورية، كثير منهم مرضى، يقدمون خدمات دعم نفسي لمرضى التصلب المتعدد من خلال لقاءات دورية تُعقد كل أسبوعين داخل الأندية والحدائق العامة، بالإضافة إلى إعادة توزيع أدوية التصلب المتعدد على المرضى في مختلف المحافظات، خاصة الحالات غير القادرة، وتوفير مستلزمات طبية مثل الحفاضات مجاناً لبعض المرضى، وتنظيم زيارات للمستشفيات الحكومية لتوعية المرضى الجدد بكيفية التعايش مع المرض وإدارة حياتهم اليومية.
ووفقاً لفاروق فإن خطة الجمعية خلال عام 2026، تنظيم حملات توعية موسعة في محافظات الصعيد، تشمل بني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج، وذلك بعد توقف الأنشطة التوعوية هناك منذ عام 2018.
وفي 2009 تقرر تحديد يوم 30 مايو من كل عام يوماً عالمياً لمرض التصلب المتعدد، بهدف رفع الوعي بالمرض، وتوحيد جهود الجمعيات الداعمة للمرضى، ومكافحة وصمهم، نُظمت في أول احتفال عالمي له أكثر من 160 فعالية في 51 دولة تحت شعار Join the Global Movement. End MS أو "انضموا للحركة العالمية لإنهاء التصلب المتعدد".
ما بين خيانة الجسد، والألم، والعزلة، يبقى مرضى التصلب في تحدٍ دائم للحفاظ على حياة "أقرب إلى الطبيعية" مع مرض قد يفاجئهم في أي لحظة، ومعاناة حاضرة في تفاصيل أيامهم حتى إن لم يرها الآخرون.