غيّر ارتفاع أسعار الخضار والفاكهة حياة "هناء جمال"، وأثّر بشكل مباشر على نوعية الطعام الذي تقدمه لأسرتها، فمشوارها المعتاد كل أسبوع إلى السوق أصبح عبئًا اقتصاديًا كبيرًا يؤرق الأسرة، التي تشكو من صعوبة توفير أبسط متطلباتها من السلع الغذائية الأساسية.
تقول هناء، وهي امرأة في نهاية العقد الثالث، وأم لثلاثة أبناء، إن "أطفالي أعمارهم 13 و8 و5 أعوام، وزوجي يعمل براتب لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور البالغ 8 آلاف جنيه شهريًا، وهو دخل بالكاد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية من إيجار وفواتير ومستلزمات الدراسة، ما جعل أي زيادة في أسعار الغذاء تمثل عبئًا إضافيًا على الأسرة، في حين أن الأطفال في أشد الحاجة لتناول وجبات غذائية جيدة لبناء أجسادهم".
وتضيف لـ"فكر تاني"، قائلة "كنت أعتمد في السابق على الخضار بشكل كبير عند إعداد الطعام، فكنت أضيف كميات من الطماطم والبطاطس أو الكوسة أو البسلة إلى أطباق اللحوم حتى تكفي الجميع وتمنح الأطفال وجبة متوازنة. أما الآن فأصبحت أسعار كثير من الخضروات مرتفعة إلى درجة تجعل شراء الكميات التي اعتدنا عليها أمرًا صعبًا".
وفي ظل الارتفاع الكبير الذي شهدته أصناف الخضار والفاكهة خلال الفترة الأخيرة، قمنا بتحليل بيانات أسعار السلع الأساسية من الخضار والفاكهة الموجودة حاليًا بالأسواق مقارنة بأسعارها خلال نفس الفترة من عام 2024، حسب بيانات بوابة الأسعار المحلية والعالمية التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء، للوقوف على نسب الزيادة في كل منها، وللإجابة عن سؤال: كيف تغيرت أسعار الخضار والفاكهة خلال عامين؟
هل العيد السبب؟
يقول إبراهيم الحداد، عضو شعبة الخضروات والفاكهة بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن أسعار الطماطم شهدت تراجعًا في الأسواق خلال الأيام الماضية، حيث انخفض الكيلو بنحو 10 جنيهات.
ويضيف الحداد، لـ"فكر تاني"، أن سعر كيلو الطماطم حاليًا يتراوح بين 15 و20 جنيهًا في سوق الجملة، مشيرًا إلى أن أسعار الطماطم في أسواق التجزئة تتراوح حاليًا بين 25 و30 جنيهًا للكيلو، بعد أن كانت تتراوح بين 45 و50 جنيهًا. وأرجع انخفاض الأسعار إلى زيادة الكميات المعروضة مع بدء استقرار الطقس وإنتاج العروة الجديدة، مشددًا على أن العرض والطلب هما المتحكمان الرئيسيان في الأسعار، مضيفًا أن الأسعار ستستمر في الانخفاض التدريجي خلال الأسبوعين القادمين كلما استقرت حالة الطقس واستمر إنتاج العروة الصيفية. مبينًا أن المؤشر الرئيسي لتحرك الأسعار هو حجم الإنتاج، فكلما زاد الإنتاج وزادت الكميات المطروحة في السوق، انخفضت الأسعار.
وعن الفاكهة، أشار عضو شعبة الخضروات والفاكهة بالغرفة التجارية بالقاهرة إلى أن هناك تراجعًا واضحًا في بعض الأصناف، وعلى رأسها البطيخ الذي بدأ يشهد استقرارًا في أسعاره، وأرجع حداد السبب الرئيسي في الارتفاع الحالي للأسعار إلى التزامن مع موسم عيد الأضحى، الذي يرتفع فيه الإقبال على شراء الفاكهة بشكل واضح، بالإضافة إلى التفاوت الكبير في درجات الحرارة، ما أثّر على أصناف عديدة من الفاكهة، متوقعًا استقرار الأسعار خلال الفترة المقبلة، لا سيما مع بداية فصل الصيف وعودة الإقبال إلى مستواه الطبيعي.
لكن التغييرات التي طرأت على عائلة هناء سبقت عيدي الفطر والأضحى، ولم تدفعها فقط تقليل الكميات فقط، بل امتدت إلى الاستغناء عن بعض الأصناف بشكل شبه كامل. وتقول "طبق السلطة كان عنصرًا أساسيًا على مائدة الغداء يوميًا، لأنه صحي ويكمل الوجبة، لكننا أصبحنا نتخلى عنه في أغلب الأيام بسبب ارتفاع أسعار الطماطم والخيار والفلفل والخضروات الأخرى".
ومن خلال رصد الأصناف الأساسية من الخضروات، ومقارنة أسعارها الحالية بعام 2024 (طماطم - بطاطس - خيار - جزر - فلفل - فلفل ألوان - بصل أبيض - البسلة - الكوسة)، فإن الأمر يتجاوز "سلوك العيد" إلى ارتفاع يسير بثبات بغض النظر عن الموسم، حيث كشفت البيانات أن سلة الخضراوات التي تقتني كيلو واحدًا من كل صنف تكلف صاحبها 330 جنيهًا خلال الفترة الحالية، مقارنة بـ77 جنيهًا للسلة ذاتها خلال عام 2024، أي ما يعادل نحو أربعة أضعاف قيمتها بنسبة زيادة تخطت 329%.
ومن خلال تتبع أسعار السلع، تبين أن الطماطم تصدرت أعلى نسبة ارتفاع بقيمة 900% بعدما بلغ سعر الكيلو الواحد منها 50 جنيهًا مقارنة بـ5 جنيهات فقط للكيلو خلال عام 2024، وتلاها الفلفل الذي شهد نسبة ارتفاع 600%، بعدما سجل سعر الكيلو 35 جنيهًا مقارنة بـ7 جنيهات خلال عام 2024، واستحوذ الخيار على النسبة الثالثة في الزيادة بـ525%، بعد أن سجل سعر الكيلو الواحد 25 جنيهًا مقارنة بـ4 جنيهات للكيلو ذاته خلال عام 2024، في حين سجلت النسبة الأقل في الزيادة 114% في كلٍّ من البطاطس والبصل.
رسم بياني يوضح (الفرق بين أسعار الخضار خلال عامي 2024 و2026)
رحلة البحث عن بدائل
بعيدًا عن جداول الأرقام، التي تترصد متوسط الارتفاع في كل سلعة أساسية، يلمس أبناء هناء التغير في مائدتهم التي تخلت عن كثير من الأصناف التي كانت عادية ومتاحة في أوقات ليست بعيدة. تقول: "الأطفال يشعرون بهذا التغيير، خاصة الابن الأكبر الذي يلاحظ اختفاء بعض الأصناف التي كانوا يعتادون تناولها بانتظام".
ورغم محاولتها التكيف والبحث عن بدائل أقل تكلفة، فإن الخيارات أصبحت محدودة مع استمرار ارتفاع الأسعار: "نحاول إدارة الأمور قدر الإمكان، ونرتب أولوياتنا حتى لا نحرم الأطفال من احتياجاتهم الأساسية، لكن ارتفاع أسعار الخضار والفاكهة جعل الحفاظ على نظام غذائي متوازن أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وأصبح كل قرار شراء يحتاج إلى حسابات دقيقة قبل الذهاب إلى السوق".
ويوضح محمد نافع، رئيس رابطة تجار الخضار والفاكهة بسوق السادس من أكتوبر، أن الرابطة أطلقت بالتعاون مع محافظة الجيزة وإدارة السوق مبادرة لتوفير منفذ بيع قطاعي داخل سوق الجملة، يتيح للمواطنين شراء الخضروات والفاكهة بأسعار الجملة، بهدف تقليل الفجوة السعرية بين سوق الجملة وأسواق التجزئة. موضحًا أن أزمة ارتفاع الأسعار ترتبط بفترات الانتقال بين العروات الزراعية، حيث ينخفض الإنتاج في منطقة معينة قبل بدء الإنتاج بكثافة في منطقة أخرى، ما يؤدي إلى تراجع المعروض مؤقتًا وارتفاع الأسعار.
ونفى نافع أن يكون تصدير الطماطم، مثلًا، سببًا في ارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أن السوق المحلية تعتمد بالأساس على آليات العرض والطلب، خاصة أن الطماطم من السلع سريعة التلف التي لا يمكن تخزينها لفترات طويلة. وقال إن الأسعار مرشحة لمزيد من الانخفاض خلال الأيام المقبلة مع دخول إنتاج العروة الجديدة للأسواق، متوقعًا أن تصل الأسعار إلى نحو 30 جنيهًا أو أقل قبل عيد الأضحى المبارك.
ومن خلال تتبع أسعار أصناف الفاكهة الأكثر شعبية (الموز - برتقال صيفي - اليوسفي - جوافة - فراولة - كنتالوب - البطيخ - الخوخ - البرقوق - الليمون البلدي - الليمون الأضاليا الأصفر - العنب - تفاح مصري - تفاح مستورد)، أظهرت البيانات أن اليوسفي سجل أعلى نسبة ارتفاع بـ169% بعد أن بلغ سعر الكيلو الواحد 35 جنيهًا مقارنة بـ13 جنيهًا خلال عام 2024، وتلاه البطيخ الذي بلغ متوسط سعر الواحدة 80 جنيهًا مقابل 30 جنيهًا، وارتفع سعر الكيلو الواحد من الموز بنسبة 119% بعد أن سجل 35 جنيهًا للكيلو، في حين أنه لم يتجاوز 16 جنيهًا خلال عام 2024. كما تضاعفت أسعار كلٍّ من العنب والخوخ والبرقوق نحو مرة ونصف مقارنة بأسعارها خلال العام نفسه.
رسم بياني يوضح (الفرق بين أسعار الفاكهة خلال عامي 2024 و2026)
وبين حسابات السوق ومطالب الأبناء، تبقى أسرة هناء نموذجًا لأسرة تحاول أن تُوازن بين دخل محدود واحتياجات يومية متزايدة، وسط أسعار لا تمنحها مساحة كبيرة للاختيار، رغم ذلك ستبقى هناء تبحث كل أسبوع عما يضمن لهم وجبة تكفي وتغذي، ولو على حساب كثير من الأصناف التي كانت يومًا جزءًا ثابتًا من مائدة البيت.