السكاكين الجوالة.. رحلة البحث عن "جزار نضيف"

يترك أحمد مصطفى (35 سنة) توكتوكه، ومصدر دخله الأساسي، خلال أيام عيد الأضحى، ليعمل جزارًا لدى الأقارب والجيران، حيث يمكنه موسم العيد من كسب مبلغ جيد في وقت قليل نسبيًا.

لا يمثل العيد بالنسبة لعائلة أحمد مجرد مناسبة دينية، بل بحبوحة اقتصادية للأسرة، يصفها خلال حديثه لـ"فكر تاني"، قائلًا "شغلي في العيد أحسن من الأيام العادية، يعني باخد في الدبيحة من 1500 لـ2000 جنيه، وده مبلغ مستحيل أكسبه في يوم من شغل التوكتوك".

توفر تلك المهنة الموسمية كذلك كميات من اللحوم يمنحها أهل الخير لأحمد وأسرته، وآخرون يعطونه فراء خرافهم المذبوحة، لتقوم والدته بتجفيفها وبيعها للمدابغ، ما يوفر مبالغ لا بأس بها، أو نوايا تسند الزير، على حد قوله.

وتمثل الجلود قيمة اقتصادية مهمة خلال أيام العيد، إذ تنعش قطاع الدباغة وتصنيع الجلود الطبيعية التي تتميز بها مصر، فضلًا عما تقدمه من استفادة مادية للبسطاء الذين يتاجرون ويتربحون منها، حتى القليل.

ووفقًا لمعهد البحوث الزراعية التابع لوزارة الزراعة، يبلغ استهلاك مصر من اللحوم سنويًا 10 ملايين من اللحوم الحمراء، ينتج 60% منها محليًا، ويسهم هذا العدد الكبير من رؤوس الماشية في توفير كميات كبيرة من الجلود لقطاع الدباغة وإنتاج منتجات جلدية فاخرة، يُصدَّر 80% منها للخارج، ما يعني مطابقتها لمواصفات الجودة العالمية، لذلك يشدد المتخصصون على أهمية الذبح من قبل متخصص، حتى لا تُهدر هذه الثروة القيّمة.

جزار "رخيص"

ما يمارسه أحمد كل عيد ليس جديدًا على المجتمع المصري، الذي عرف ظاهرة الجزار المتجول أو الموسمي منذ سنين، لكن تزايد عدد هؤلاء الشباب الباحثين عن مصدر دخل ينعش ميزانياتهم المحدودة، وكذلك إقبال الناس عليهم، نظرًا لتقاضيهم أجورًا أقل مما يتقاضاه جزار محترف، تزايد باضطراد مع الضائقة الاقتصادية التي تعيشها ملايين الأسر منذ سنوات، وتكافح من أجل الحفاظ على فرحة العيد وتأدية الشعيرة المقدسة.

وبينما يعمل محمد سلامة حدادًا، وهي مهنة ورثها عن أبيه، فإن الأزمة الاقتصادية دفعته منذ سنوات إلى مشاركة صديقه الذي يملك مشروعًا منزليًا لتربية الماشية، وللعمل كذلك جزارًا موسميًا، يذبح لزبائن صديقه في العيد، وهي مهنة يحذو فيها أيضًا حذو أبيه، الذي كان يصطحبه صغيرًا إلى بيوت المضحيين لمساعدته في أعمال الذبيح، ما جعله محترفًا مثل الجزارين المتمرسين، إذ تمكنه خبرته من تنفيذ 3 إلى 4 ذبائح من بعد صلاة العيد حتى صلاة الظهر، ويستمر عمله حتى آخر أيام العيد، لكن سلامة زاد على أبيه بتحويل مهنته الموسمية إلى مشروع عائلي صغير في العيد، حيث يصطحب زوجته وأختها لمشاركته في عملية الذبح والتنظيف والتقطيع والتكييس.

وخلال حديثه مع "فكر تاني"، يوضح سلامة أنهم يتقاسمون الأجر معًا، قائلًا "أنا ومراتي بناخد ثلثين وأختها بتاخد الثلث عشان نساعدها في جهازها وأهي بتقضي وربنا بيبارك، وأهل الخير برده بيدونا لحمة كويسة بتساعد في البيت".

جرائم اقتصادية

ما يمارسه سلامة وأحمد من نشاط يوفر لهما وللمضحي المال، يعد جريمة وفقًا للمادة 136 في قانون الزراعة 53 لسنة 1996، التي تنص على تجريم الذبح خارج المجازر في المدن والقرى، وتعرّض من يخالفها لغرامة تصل إلى 500 جنيه.

وبينما يشير رئيس هيئة القصابين، مصطفى وهبة، إلى خطورة الذبح خارج السلخانات أو الاستعانة بأشخاص غير متخصصين، وأن الدولة تنفذ حملات رقابية مستمرة ضد الذبح المخالف، فإنه يرى أن المجتمع المصري ليس حديث العهد بتلك الظاهرة، التي باتت، حسب قوله، منتشرة بكثرة في المواسم الأخيرة، رغم أن مهنة الجزارة هي حرفة تحتاج إلى الخبرة والتعلم لما لا يقل عن عشرين عامًا.

يشرح وهبة كيف يمكن لشخص غير متخصص التسبب في إفساد الذبيحة نتيجة جهله بطرق التعامل الصحيحة مع اللحوم بعد الذبح، ويضيف لـ"فكر تاني"، أن "الذبح ليس مجرد تمرير سكين، لكنه يشمل مراحل متعددة، من الذبح والسلخ والتجويف وتهوية اللحم، إلى التشفيّة والتنضيف والتقطيع والحفظ، وهي مراحل ضرورية للتأكد من سلامة اللحم قبل الأكل"، حيث يحتاج التعامل مع اللحوم إلى مهارة حقيقية، لأن الجزارة تضم أكثر من حرفة داخل المهنة نفسها، وهو ما يحتاج إلى سنوات طويلة للوصول إلى الاحترافية، بحسب وهبة.

من يدفع الكلفة؟

تعلّم محمد خضر (46 سنة) مهنة الجزارة من خاله وجدّه، بجانب عمله الأساسي في مطبعة، حيث يعمل بذبح الأضاحي منذ عشرين عامًا، استطاع خلالها تكوين قاعدة عملاء ثابتة ومتسعة.

ويرافق خضر زبائنه كل عام لشراء الأضاحي، حيث يثقون في خبرته في اختيار الأفضل، مشيرًا إلى أن ذبح العجول بشكل خاص يحتاج إلى خبرة وصنايعية محترفين، قائلًا لـ"فكر تاني" "شغل العجول لازمه خبرة كبيرة، وإلا اللحمة تتبهدل".

ويوضح خضر كيف تراجع الإقبال على الذبح مقارنة بالسنوات الماضية، حيث لم يعد لدى الكثير من زبائنه القدامى، الذين صاروا أصدقاءه، قدرة على تحمل تكلفة الذبيحة، بعد ارتفاع الأسعار الجنوني، وبعدما كان عمله يستمر من قبل العيد بأسبوعين حتى آخر أيامه، صارت الوتيرة أخف كثيرًا، بعد ارتفاع تكلفة ذبح العجل الواحد إلى 5 آلاف جنيه، هذا غير سعر الذبيحة نفسها، ما يفسر من وجهة نظره تراجع الطلب، قائلًا "ربنا يعيننا ويعين الناس، هنعمل إيه؟".

ويضع أمين عام نقابة الأطباء البيطريين، الدكتور الحسين محمد عوض، شروطًا يجب توافرها لعمل الجزارين المتجولين، أولها أن يعملوا تحت إشراف جزارين محترفين أو أطباء بيطريين، لكنه في الوقت نفسه يشدد، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن الذبح الآمن يتم داخل المجازر الخاضعة للإشراف البيطري، مضيفًا "تُفحص الأضحية قبل الذبح وبعده للتأكد من سلامتها، حيث يعمل أكثر من 500 مجزر حكومي طيلة أيام العيد مجانًا لتشجيع المواطنين على الذبح السليم". مطالبًا المواطنين بالتوجه إلى المجازر الرسمية للذبح، فما يمكن أن تسببه ممارسات الذبح في الشوارع من تلوث وعدوى بكتيرية وفيروسية يشكل خطرًا داهمًا على المواطنين عمومًا، لكنه لا ينكر في الوقت نفسه أن قطاع الطب البيطري يواجه عجزًا في أعداد الأطباء، مقارنة بالمطلوب خلال أيام العيد.

ويوضح رئيس قسم الرقابة الصحية على الأغذية السابق، نبيل ياسين، أهمية فحص الأضاحي قبل الذبح وبعده، إذ إن بعض الأمراض لا تُكتشف إلا بعد الذبح وفحص الأحشاء، ولا يميزها إلا طبيب مختص، قائلًا لـ"فكر تاني"، إن "اللجان الرقابية تضم الطب البيطري والتموين والشرطة، وتحرر محاضر للمخالفين مع فحص اللحوم ومصادرتها إذا لزم الأمر، حفاظًا على الصحة العامة".

ويلفت ياسين إلى حرص الجهات الرقابية على السلامة الصحية والشرعية للأضحية، فلا يجوز ذبح الحيوانات المريضة أو الهزيلة، أو ما تكشف منها عيوب واضحة، مشيرًا بدوره إلى العجز المتزايد في أعداد الأطباء البيطريين خلال أيام العيد، فضلًا عما تكشفه الوقائع من تراجع القوة الشرائية، الأمر الذي دفع بعض الجمعيات إلى طرح صكوك أضحية بالتقسيط للتسهيل على المواطنين.

وأصدرت وزارة الأوقاف الشهر الماضي خدمة صكوك اللحوم التي تمكن المواطن من دفع 7 آلاف جنيه، مقابل الصك مع حصة تبلغ 7 كيلو من اللحوم، وذلك لدعم العائلات المحتاجة، فيما قدمت تسهيلات لسداد قيمة الصك بالتقسيط لضمان وصول الخدمة للجميع.

وبينما تختفي السكاكين الكبيرة من أمام البيوت في حالة مثل "الصك"، فإن مئات، وربما آلافًا أخرى، لا تزال تُشهر في طقس يترك وراءه ما هو أبعد من آثار الدماء ومخلفات الذبح؛ آلاف الأشخاص والعائلات تنتظر في العيد فرصة رزق بقدر ما هو طقس مقدس، ليظل الذبح الموسمي وجهًا آخر لاقتصاد العيد، حيث تختلط الشعيرة بالمهنة، والرزق بالمخاطرة، والبساطة الشعبية بأسئلة أكبر عن الفقر والعمل والسلامة العامة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة