مستشفيات خالية من خيوط الجروح.. أين تنفق مئات المليارات المخصصة للصحة؟

رغم تأكيد وزارة المالية على مدار السنوات الأخيرة استيفاء الاستحقاقات الدستورية الخاصة بموازنة الصحة ورفعها بمعدلات منتظمة، يشير الواقع إلى تراجع في أعداد المستشفيات الحكومية، وكذلك أعداد الأطباء مع دور متعاظم للقطاع الخاص على مستوى التوسع والانتشار.

تشير أحدث إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى تراجع  أعداد المستشفيات بالقطاع الحكومى لـ 677 مستشفى عام 2024 مقابل  691 مستشفى في 2018، بنسبة تراجع 2%، وفي الوقت ذاته ارتفع عدد المستشفيات الخاصة لـ 1153 مستشفى مقابل 1157 مستشفى في الفترة المقارنة ذاتها.

بالتزامن مع تراجع عدد المستشفيات الحكومية، تراجع  عدد الأسرة ليبلغ 84225 سريرًا عام ٢٠٢٤  مقابل  95 ألف و683 سريرا في 2018 بنسبة تراجع 12%، وبما يعادل سرير لكل 1150 لكل مواطن مقابل معدل حوالي 4 أسرة لكل 1000 مواطن بأوروبا.

 

الزيادة في ميزانية الصحة .. اسمية أم فعلية

 

وزارة المالية تقول إنها حرصت في إعداد مشروع موازنة 2027/2026 على مراعاة استيفاء الاستحقاقات الدستورية، وتوجيه المخصصات المالية اللازمة للوفاء بالنسب المقررة للصحة لضمان استدامة التطوير.

وتنص المادة رقم (18) من الدستور المصرى على: "لكل مواطن الحق فى الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التى تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافى العادل. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومى الإجمالى تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

بحسب الوزارة تم تخصيص 855.8 مليار جنيه للصحة بنسبة 4.2% من الناتج المحلي، لكن المراقبين يرون أن الاهم من الأرقام المجردة هو صافي الإنفاق على الخدمة الصحية بعد استبعاد بنود الأجور وتعويضات العاملين والفوائد.

يعتبر التضخم المرتفع عاملا مهما في تحديد الزيادة الحقيقية في موازنة الصحة بمصر، فوفقا للمركز المصري للدراسات الاقتصادية تزداد شدة التباين بين الإنفاق الاسمي والحقيقي، حيث ارتفع الانفاق الاسمي (يعتمد على الأسعار الفعلية المدفوعة وقت الشراء وبالتالي يرتفع مع ارتفاع التضخم)  على الصحة من 135.6 مليار جنيه إلى 147.8 مليار جنيه ما بين عامي 2022/2021 و 2024/2023 بنسبة نمو قدرها 9%.

عند احتساب أثر التضخم يتحول الأمر إلى النقيض تمامًا، فالزيادة لا تكفي لتعويض الأثر السلبي لارتفاع معدل التضخم، فكانت النتيجة تراجع الانفاق الحقيقي بنسبة %10.7 من 114.3 مليار جنيه إلى 102.1 مليار جنيه خلال الفترة ذاتها.

عالميًا، يستحوذ الإنفاق على الصحة على نسبة %7 من الناتج المحلي الإجمالي و%20 من إجمالي الإنفاق الحكومي،  ويبلغ نصيب المواطن من الإنفاق الحكومي على الصحة بمصر  144 دولارا تقريبا مقابل 904 دولارات عالميا.

بحسب "منظمة الصحة العالمية" فإن توفير التغطية الصحية الشاملة، أحد العناصر الهامة للحق في الصحة، يتطلب عموما أن تنفق الحكومات 5 إلى 6% على الأقل من ناتجها المحلي الإجمالي على الرعاية الصحية.

كيف تتوزع مصروفات الصحة بمصر؟

يتضمن قطاع الصحة بمصر وزارة الصحة (الديوان العام) ومديريات الشئون الصحية بالمحافظات والمستشفيات العامة الجامعية والمراكز الطبية المتخصصة والهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية وهيئة الدواء المصري ومعهد أبحاث أمراض العيون.

كما يضم المستشفيات والعيادات الخارجية وخدمات المستشفيات والمراكز الطبية ومراكز الأمومة وخدمات الصحة العامة والبحوث والتطوير في مجال الشئون الصحية.

في العام المالي الجديد، تبلغ مصروفات قطاع الصحة 301.9 مليار جنيه، مقابل 246.1 مليار جنيه خلال الفترة ذاتها من العام  السابق، بزيادة 23%.

تمثل الأجور وتعويضات العاملين في قطاع الصحة 129.4 مليار جنيه مقابل 111.3 مليار جنيه العام الحالي، وتمثل مخصصات الأجور حوالي 43% من إجمالي المصروفات الوزارة مقابل 45.2% من موازنة الوزارة للعام الحالي.

زيادة الأجور.. هل تحل أزمة هروب الأطباء؟

بحسب آخر البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، تراجع أعداد الأطباء بالمستشفيات الحكومية بشكل كبير، وبلغ إجمالى عدد الأطباء البشريين ١٢٠.٤ ألف عام ٢٠٢٤، مقابل ١٢٢.٤ ألف عام ٢٠٢٣، بانخفاض بلغت نسبته ١.٧٪.

وقررت وزارة المالية منح زيادة إضافية للعاملين فى القطاع الطبي ٧٥٠ جنيهًا شهريًا، ورفع فئات نوبتجيات السهر والمبيت ٢٥٪؜ من أول يوليو المقبل بتكلفة إجمالية ٨,٥ مليار جنيه، لكن في نظر الأطباء تلك الزيادة غير كافية.

مشكلة الأطباء في مصر تتضمن الجانب المالي لكن معها طول فترة أوقات العمل التي تصل إلى 72 ساعة، بالإضافة إلى المشكلات الإدارية وغياب التقدير للجهد الذي يقومون به، فضلاً عن التعرض لاعتداءات مستمرة من أهالي المرضى.

نقيب الأطباء في مصر، د. أسامة عبد الحي يقول إن عدد الأطباء المهاجرين خارج مصر خلال عام واحد بلغ نحو 7 آلاف طبيب بسبب ضعف الرواتب وبيئة العمل المتدهورة، بجانب ظروف سكن الأطباء في المستشفيات المصرية.

شراء المستلزمات.. أزمة في المستشفيات

تحسين أوضاع الأطباء ليس علاقة لمخصصات الأجور ولكنه يقع ضمن بند شراء السلع والخدمات ويشمل تكاليف التشغيل وصيانة المرافق (المياه والكهرباء) ، والمستلزمات الطبية والتعليمية. وخصصت له وزارة المالية 65.4 مليار جنيه مقابل 48.4 مليار جنيه خلال الفترة المقارنة  بنسبة زيادة 34.2%.

رغم أهمية بند شراء السلع والخدمات لأنه الأكثر ارتباطا بالخدمة الصحية باعتباره يتضمن الأدوية والمستحضرات الطبية والمستلزمات الطبية والتشخيصية (مثل خيوط الجراحة، القفازات، المحاليل، والأشعة)، لكنه نسبته من إجمالي مخصصات قطاع الصحة لاتتعدى 9.5%.

ويعتبر شراء السلع والخدمات أحد المشكلات الأساسية في المستشفيات بمصر، خاصة في مستشفيات الطوارئ ففي كثير من الحالات يتم مطالبة أهالي الحالة بشراء تلك المستلزمات من الصيدليات بالخارج.

مستشفيات الطوارئ مثال على ذلك، إذ يقول محمود منسي، سائق، إنه تعرض لحادث أسفر عن قطع في فروة الرأس احتاج إلى 7  "غرز"، وحينما توجه لمستشفي الطوارئ في طنطا طالبه الطبيب بشراء الإبرة والمشرط والشاش والمطهر من خارج المستشفى.

ويستقبل مجلس الوزراء، يوميًا، عشرات الشكاوى من المواطنين بخصوص العجز عن توفير سرير عناية بمستشفيات الجماعية بالمحافظات، وفي بعض الأحيان يضطر المواطن للبحث عن واسطة.

"هـ .ع"، ربة منزل، تُعاني من مرض كبدي اضطرت للانتظار في غيبوبة كبد لمدة يوم كامل لحين توفير مكان لها بالعناية المركزة بمستشفى جامعي، وجاء دخولها بعد شكوى من نجلها لمنظومة الشكاوى الحكومية بمجلس الوزراء.

بحسب البيانات الحكومية فإن شهر مايو فقط شهد تلقي  3783 شكوى واستغاثة طبية تطلبت تدخلًا فوريًا، و2070 شكوى تتعلق بمستوى الخدمة الطبية في بعض المنشآت الصحية.

وزارة الصحة تعترف بأن إجمالي عدد الشكاوى الواردة لإدارة خدمة المواطنين قد بلغ 47 ألف و555 شكوى في النصف الأول من عام 2025.

بالنسبة لباقي المخصصات فتتضمن 84.9  مليار  جنيه للاستثمارات ما يعادل 28.1% من إجمالى المصروفات، مقابل 66.2 مليار خلال العام الحالي، و"فوائد" بحوالي 1.5 مليار جنيه، تمثل 0.5% مصروفات الوزارة، مقابل 3.2 مليار جنيه العام الحالي تمثل 1.3% من الناتج المحلي.

الدعم في قطاع الصحة.. ارتفاع يقابله التزامات أكبر

يتضمن  مخصصات القطاع بندًا للدعم والحماية المجتمعي بقيمة 16.9 مليار جنيه، مقابل 13.2 مليار جنيه في الفترة المقارنة.

بتضمن ذلك البند مخصصات متفرقة شديدة التنوع ما بين  دعم التأمين الصحي على الطلاب  بنحو 390 مليون جنيه، ويمثل هذا الدعم ما تتحمله الدولة من اشتراكات سنوية عن كل طالب في المدارس ورياض الأطفال المملوكة للدولة والمدارس الخاصة التي تحصل على إعانة والمعاهد الأزهرية ومعاهد معاوني الأمن، يتوزع ذلك المبلغ على 26.0 مليون طالب بواقع 15 جنيهًا سنويا لكل طالب ولطلاب معاهد معاوني الأمن 24 جنيهًا.

يشمل المبلغ أيضًا تقديرات دعم التامين الصحي على الأطفال دون السن المدرسي بقيمة 172 مليون جنيه مخصصة لـ 11.4 مليون طفل وبواقع 15 جنيهاً سنويًا لكل طفل.

كما يتضمن أيضًا دعم المؤسسة العلاجية بقيمة 100 مليون جنيه، ودعم الأدوية وألبان الأطفال بقيمة 5 مليارات جنيه ودعم المرأة المعيلة بقيمة 38 مليون جنيه، ويمثل هذا الدعم ما تتحمله الدولة لعدد 191.5 ألف امرأة معيلة بواقل 200 جنيه سنويًا  عن كل امرأة معيلة.

فجوة بين ما ينفق وما يصل

منظمة الصحة العالمية تقول إن أكثر من 57% من نفقات الرعاية الصحية في مصر دُفعت من مال المرضىى الخاص في 2023. تؤدي التكاليف التي يدفعها المرضى من جيوبهم إلى تفاقم التفاوت في الرعاية الصحية من خلال خلق حواجز أمام الحصول على الرعاية الصحية بناءً على القدرة على الدفع.

بحسب خبراء، فإن هناك فجوة بين ما يُنفق وما يصل للمواطن، فالمشكلة ليست فقط في حجم الإنفاق بل في توزيع غير عادل للموارد، ووضع أولوية الشكل على حساب الخدمة.

لم تغير الحكومة أسلوب إعداد الموازنة من حيث مجموعة الأسس والمعايير والقواعد المحاسبية والتشريعية المتبعة منذ سنوات عديدة بالرغم من قدرته المحدودة على تحقيق المستهدفات التنموية وما ينتج عنه من اختلالات في التنفيذ.

التوزيع الإداري لموازنة قطاع الصحة (تبويب النفقات والإيرادات للجهات المسؤولة عن الصرف والتحصيل)  يظهر ذلك ، إذ يتبين أن أكبر حصة من الموازنة كانت للجهاز الإداري بالصحة بإجمالي 120.6 مليار جنيه ويتضمن ذلك الجهاز ديوان الوزارة  والمصالح المركزية التابعة لها، وتعادل مصروفاته 40% من إجمالي مصروفات قطاع الصحة.

بينما تبلغ مخصصات الإدارة المحلية بالصحة  79.4 مليار جنيه، وتضم تلك المخصصات مديريات الصحة بالمحافظات، أما الهيئات الخدمية فمخصصاتها بإجمالي 101.8 مليار جنيه.

كان نصيب الجهاز الإداري الأعلى في الاستثمارات بقيمة 62.6 مليار جنيه يليه الهيئات الخدمية بينما لا تمتلك الإدارة المحلية أي مخصصات، كما تضمنت مخصصات الجهاز الإداري عبء الفوائد التي تبلغ 1.4 مليار جنيه.

في النهاية بالنظر إلى الأرقام المجردة فقد حققت الحكومة جانب من الاستحقاق الدستوري بألا يقل الإنفاق على الصحة عن 3% من الناتج المحلي لكنها لم تصل إلى النسب العالمية حسب النص الدستوري، ومن جانب آخر تكشف تلك الأرقام عن انخفاض الإنفاق الفعلي على الصحة بسبب التضخم وارتفاع الأسعار، هذا بالإضافة إلى أن الأجور والفوائد تلتهم جزء كبير من المخصصات للصحة، وما يتبقى يذهب 40% منه إلى الجهاز الإداري وتصبح النتيجة الفعلية لهذه الأرقام التي تتباهى بها الحكومة إن يشتري المواطن مستلزمات علاجه بعد أن دفع من ضرائبه أكثر 300 مليار جنيه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة