تتجه انتخابات التجديد الكلي لنادي قضاة مصر، إلى أن تكون واحدة من أكثر المحطات التي تحظى بمتابعة واسعة داخل الأوساط القضائية خلال السنوات الأخيرة، وذلك ليس فقط بسبب طبيعة المنافسة على رئاسة النادي، وإنما أيضًا بسبب ما أثاره تعامل المؤسسات الإعلامية الانتقائي تجاه المرشحين.
ورغم أهمية انتخابات نادي القضاة، التي ستنعقد في 26 يونيو المقبل، فإن تغطية الإعلام القومي، وعلى رأسها الهيئة الوطنية للإعلام ووكالة أنباء الشرق الأوسط بدت محدودة للغاية، واقتصرت بصورة لافتة على تناول مرشح واحد فقط، دون تقديم تغطية مماثلة لبقية المرشحين، أو حتى عرض صورة أوسع للمشهد الانتخابي بالكامل.
وتبدّت ملامح هذا التناول في 26 أبريل الماضي، حين نشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط، وتبعتها الهيئة الوطنية للإعلام، خبرًا بشأن تقدم المستشار ربيع قاسم، الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة ومساعد وزير العدل لشؤون أبنية المحاكم والشهر العقاري، بأوراق ترشحه لخوض انتخابات رئاسة نادي قضاة مصر، حيث حمل الخبر عنوانًا مباشرًا، هو "المستشار ربيع قاسم يتقدم لخوض انتخابات رئاسة نادي قضاة مصر"، وتضمن استعراضًا لمسيرته القضائية والتنفيذية ومناصبه المختلفة، إضافة إلى الإشارة إلى خبراته في العمل العام وترأسه نادي قضاة القليوبية منذ سنوات، وبالآلية ذاتها، نشرت عدة صحف ومواقع مصرية بينها الأهرام، في يوم الاثنين الماضي، قائمة المستشار ربيع قاسم التي تضم 17 مستشارًا يخوضون الانتخابات، ومما لفت انتباه القضاة والمتابعين غياب التغطية المماثلة لبقية المتنافسين، على الرغم من اتساع المنافسة ووصول المتقدمين إلى 67 مرشحًا يتنافسون على 17 مقعدًا.
وتشهد المعركة الانتخابية صراعًا على مقعد الرئاسة بين القضاة ربيع قاسم، ومحمد الذهبي، والمرشح الأبرز محمد رفعت جبر الرئيس بمحكمة الاستئناف، في حين يتوزع بقية المرشحين بواقع 6 على مقعد المستشارين المتقاعدين، و27 على مقاعد المستشارين، و17 على مقاعد رؤساء المحاكم والقضاة، و14 على مقاعد النيابة العامة.
وتضم مقاعد النادي الإجمالية مقعد الرئيس، ومقعدًا للمتقاعدين، و5 مقاعد لأعضاء النيابة العامة، و5 للمستشارين، و5 للقضاة ورؤساء المحاكم الابتدائية.
قراءة في معايير الحياد
وقد أثار التناول الإعلامي الأحادي من وكالة أنباء الشرق الأوسط والهيئة الوطنية للإعلام تساؤلات واسعة في الأوساط القضائية، حول مدى التزامهما بمعايير الحياد والتوازن المفترضة، ومع تكرار إبراز المرشح نفسه وقائمته وتجاهل منافسيه كالمستشار محمد رفعت جبر والمستشار محمد الذهبي، تردد سؤال بين القضاة عما إذا كان هذا التعامل يعكس دعمًا رسميًا غير مباشر للمستشار ربيع قاسم بوصفه "مرشح الدولة"، ورغم غياب أي إعلان رسمي، فإن اقتصار التغطية عليه فتح الباب أمام تلك الشكوك، لا سيما أنه كان يشغل منصب مساعد وزير العدل لشؤون أبنية المحاكم والشهر العقاري قبل استقالته للترشح، وهو ما اعتبره قضاة تحدثوا لـ"فكر تاني" أمرًا ساهم في ترسيخ هذا الانطباع لدى الجمعية العمومية.
ويرى المحامي ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، أن البيان أو التناول الصادر عن الهيئة الوطنية للإعلام، نقلاً عن وكالة أنباء الشرق الأوسط، يثير "علامات استفهام واسعة" عن مدى التزام المؤسسات الإعلامية الرسمية بمبدأ الحياد، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتخابات تخص القضاة، الذين يمثلون، بحسب وصفه، "أحد أهم أعمدة العدالة واستقلال الدولة القانونية".
ويوضح أمين، في تصريحاته إلى "فكر تاني"، أن الهيئة الوطنية للإعلام كان يتعين عليها أن تتعامل مع انتخابات نادي القضاة بمنطق مهني متوازن، يقوم على الوقوف على مسافة واحدة من جميع المرشحين، "لا أن يبدو المحتوى المنشور وكأنه منحاز لمرشح بعينه أو يقدم دعمًا غير مباشر لطرف دون آخر"، مضيفًا أن أي مؤسسة إعلامية عامة يفترض أن تكون ملتزمة بمعايير العدالة الإعلامية وتكافؤ الفرص، خصوصًا في القضايا التي تتعلق بالمؤسسات القضائية واستقلالها، ولذلك حين يتم إبراز مرشح واحد فقط، مع تجاهل بقية المرشحين تمامًا، فمن الطبيعي أن يثير ذلك تساؤلات داخل الوسط القضائي.
وبحسب أمين، فإن ما حدث "يبعث برسائل سلبية لدى قطاع واسع من القضاة والمتابعين للشأن القضائي"، لأن المطلوب من الإعلام الرسمي، وفق قوله، في مثل هذه اللحظات، توفير مساحة متساوية لجميع المرشحين، وعرض برامجهم ورؤاهم وتاريخهم المهني بصورة متوازنة، وليس الاكتفاء بإبراز مرشح واحد وتقديمه للرأي العام بصورة استثنائية، بينما يتم تجاهل الآخرين أو التقليل من حضورهم الإعلامي.
ويضيف أنه طالما اختارت الهيئة الوطنية للإعلام ووكالة أنباء الشرق الأوسط أن تتناولا انتخابات نادي القضاة، فكان الأولى بهما أن تنشرا كذلك تفاصيل تتعلق بباقي المرشحين، وأن تستعرضا تاريخهم المهني والقضائي ورؤيتهم لمستقبل النادي، تمامًا كما حدث مع المستشار ربيع قاسم، حتى لا يتحول الإعلام الرسمي إلى أداة تؤثر على اتجاهات التصويت داخل الجمعية العمومية.
ويشير أمين إلى أن استقلال القضاء لا يرتبط فقط بالنصوص الدستورية أو الضمانات القانونية، وإنما يرتبط أيضًا، حسب قوله، بالمناخ العام الذي تُدار فيه المؤسسات القضائية والنقابية المرتبطة بالقضاة، وعلى رأسها نادي القضاة، الذي لعب تاريخيًا أدوارًا مهمة في الدفاع عن استقلال السلطة القضائية ومقاومة أي محاولات للتدخل أو الهيمنة، مؤكدًا أن انتخابات نادي القضاة الحالية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد منافسة تقليدية على مقاعد إدارية، وإنما تمثل "محطة فارقة في تاريخ النادي"، في ظل محاولات مستمرة لإخضاعه والسيطرة عليه، ومضيفًا أن نادي القضاة كان عبر تاريخه ساحة أساسية للتعبير عن استقلال القضاة ورفض التدخلات التنفيذية، ولذلك لم تتوقف محاولات التأثير على تشكيل مجالسه والسيطرة عليه.
ويشدد أمين في نهاية حديثه على أن أي "انحياز رسمي أو شبه رسمي"، في التغطية الإعلامية "قد ينعكس سلبًا على صورة العملية الانتخابية نفسها، ويطرح تساؤلات حول مدى تكافؤ الفرص بين المرشحين"، معتبرًا أن الحفاظ على الثقة في نزاهة انتخابات نادي القضاة يتطلب التزامًا صارمًا بالحياد من جميع المؤسسات، سواء الإعلامية أو الإدارية.
إرث المذبحة
وخلال مراحل تاريخية مختلفة، لعب النادي، الذي تأسس عام 1939، أدوارًا محورية في التعبير عن ضمير القضاة والدفاع عن مبدأ الفصل بين السلطات، خاصة في اللحظات التي شهدت توترًا بين السلطة التنفيذية والمؤسسة القضائية، وتُعد معركة "مذبحة القضاء" عام 1969، من أكثر المحطات رسوخًا في ذاكرة القضاة، حين أقدمت السلطة وقتها على عزل ونقل عشرات القضاة والمستشارين بعد اعتراضهم على التدخل في شؤون العدالة، وهو الحدث الذي ترك أثرًا عميقًا داخل الوجدان القضائي المصري، ورسخ لدى أجيال متعاقبة من القضاة قناعة بأن استقلال القضاء ليس امتيازًا مهنيًا وإنما هو ضمانة دستورية لحماية المجتمع بأكمله.
ومنذ تلك اللحظة الفارقة، أصبح نادي القضاة ساحة للنقاشات الكبرى المتعلقة بالحريات العامة واستقلال النيابة والقضاء ورفض أي تدخل إداري أو سياسي في عمل المحاكم، كما لعب دورًا بارزًا في الدفاع عن ضمانات القضاة وحقوقهم المهنية، وتحوّل إلى صوت مؤثر في الحياة العامة كلما ارتبط الأمر بمستقبل العدالة وسيادة القانون.
وخلال العقود التالية، خاض نادي القضاة معارك سياسية وقانونية معقدة ارتبطت بملفات الإصلاح القضائي والإشراف على الانتخابات وتعديل قوانين السلطة القضائية، وبرز ذلك بوضوح خلال أزمتي انتخابات 2005 و2006، عندما دخل عدد من رموز تيار استقلال القضاء في مواجهة مفتوحة مع السلطة آنذاك، مطالبين بإشراف قضائي كامل على الانتخابات وكشف ما اعتبروه تجاوزات وانتهاكات شابت العملية الانتخابية، وتحول النادي في تلك الفترة إلى مركز للحراك القضائي والسياسي، واستضاف اجتماعات وبيانات ومؤتمرات اعتُبرت آنذاك من أكثر المواقف جرأة داخل مؤسسات الدولة.
ورغم تغير السياقات السياسية وتبدل موازين القوى داخل المؤسسة القضائية عبر السنوات، ظل اسم نادي قضاة مصر حاضرًا في كل النقاشات المتعلقة باستقلال القضاء، باعتباره أحد أقدم وأهم الكيانات التي ارتبط تاريخها بالصراع حول العدالة وسيادة القانون وحدود العلاقة بين القضاء والسلطة في الدولة المصرية.
وحاليًا، تدور نقاشات واسعة حول عدد من الملفات الحساسة التي يرى القضاة أنها تمثل التحديات الراهنة، لعل من أبرزها الجدل المتعلق بآليات التعيين والترقي داخل الهيئات القضائية، بعد تصاعد الحديث خلال الأشهر الماضية عن تنامي دور جهات غير قضائية في بعض مراحل الاختيار والتقييم، كما تبرز أزمة الأوضاع المالية للقضاة، في ظل شكاوى متزايدة من تراجع القدرة الشرائية للرواتب والبدلات مقارنة بمعدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
رؤية تيار الاستقلال
يقول المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق وأحد أبرز رموز تيار الاستقلال، إن القضاة يبحثون اليوم عمن يطالب بحقوقهم واستقلالهم، وعمن يعيد للنادي دوره التاريخي، موضحًا أن نادي القضاة لم ينشأ أصلاً ليكون مجرد نادٍ اجتماعي، وإنما أُنشئ تاريخياً للدفاع عن استقلال القضاء وحماية القضاة من أي تغول أو هيمنة.
ويضيف دربالة، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن فكرة إنشاء النادي ارتبطت منذ البداية باستقلال القضاء المصري، موضحًا أن القوى الأجنبية آنذاك كانت تشترط وجود مؤسسة مستقلة تمثل القضاة وتحميهم من أي تأثير حكومي، حتى تطمئن إلى انتقال التقاضي إلى المحاكم الوطنية المصرية، حيث كان هناك إدراك تاريخي أن القاضي إذا خضع لضغوط السلطة التنفيذية فقدت العدالة معناها، ولذلك كان من بين المطالب إنشاء مؤسسة مستقلة يختارها القضاة أنفسهم تدافع عن استقلال القضاء وتحمي مصالحهم، وهذه الفلسفة التي نشأ من أجلها نادي القضاة.
ويشير دربالة إلى أن السنوات الماضية شهدت، بحسب وصفه، أمورًا كثيرة أثارت استياء قطاع واسع من القضاة، موضحًا أن هناك شعورًا عامًا بأن هيبة القاضي ومكانته تعرضتا للاهتزاز، وأن القضاة باتوا يبحثون عمن يتحدث باسمهم ويطالب بضمانات حقيقية تكفل لهم حياة كريمة واستقلالاً فعليًا. مستطردًا بأن هناك رغبة عامة في أن يجد القضاة من يطالب بعدم إخضاعهم لإجراءات يشعرون بأنها تنتقص من هيبتهم، ومن يطالب باستقلال المؤسسات القضائية واستقلال مجلس القضاء الأعلى، ومن يطالب بضمانات اقتصادية تكفل للقاضي حياة كريمة تجعله مكتفيًا بذاته.
وعن التغطية الإعلامية لانتخابات نادي القضاة، يرى دربالة أن ما جرى في التغطية الإعلامية الرسمية للانتخابات أمر يثير الانتباه، خاصة مع تجاهل بقية المرشحين تمامًا، قائلًا إنه "من الواضح أن بعض وسائل الإعلام الرسمية اكتفت بذكر اسم مرشح واحد فقط وتجاهلت بقية المرشحين، وهذا في حد ذاته يلفت الانتباه، لأن مجرد إخفاء أسماء باقي المرشحين أو تجاهلهم يرسل رسالة معاكسة تمامًا لما يراد تحقيقه".
ويوضح نائب رئيس محكمة النقض الأسبق، أن "هذا النوع من التغطية لا يفيد المرشح الذي يُروج له، وإنما قد يضره، لأنه يعزز لدى القضاة شعورًا بأن هذا المرشح هو مرشح السلطة التنفيذية أو مرشح الحكومة، بينما القضاة بطبيعتهم يتحسسون من أي محاولة لوضع ناديهم تحت جناح السلطة التنفيذية، وينظرون بحساسية شديدة إلى أي محاولة للتأثير على ناديهم أو توجيه اختيارات الجمعية العمومية بصورة غير مباشرة، ولهذا السبب فإن أي انحياز إعلامي ظاهر، أو الاكتفاء بالترويج لاسم واحد فقط، يخلق تلقائيًا انطباعًا داخل الوسط القضائي بأن هناك مرشحًا يحظى بدعم الدولة أو السلطة التنفيذية.