في حزب "العيش والحرية"، كان الشيخ إمام يغني من كلمات زين العابدين فؤاد "مين اللي يقدر ساعة يسجن مصر"، بينما تطوق قوات الأمن مقره بوسط القاهرة، وترصد أعينهم الوافدين إلى معرض "تشكيلي" للتضامن مع مسجوني الرأي.
وفي قلب المقر، زينت الجدران صور المحبوسين على ذمم قضايا حرية التعبير، تنتظر اكتمال الحضور لانطلاق ما يفترض أنه فعالية تضامنية مع أصحاب اللوحات والصور.
في مشهد مثل ذلك، يمكن للعبث أن يمتد فتنطلق، مثلًا، مسيرة تندد بعنت السلطة، بينما تحرس السلطة ذاتها السائرين إلى بيوتهم أو إلى البوكس، بعد أن يسلم كل فرد على الأخر احتفاءً بانتهاء المهمة، لولا أن المشاركين في الفعالية كانوا من أهالي المحبوسين، المكلومين فعلًا، الذين أضافوا إلى اليوم جدية تنقصه، بإدانة السلطة والمعارضة، كلاهما، في استمرار الوضع المأزوم الذين يعيشوه وذويهم من المحبوسين.
المعارضة في قفص الاتهام

بدت مشاعر أهالي السجناء مختلطة بين الإحباط والتحدي، إذ أشارت ندى مغيث، زوجة المترجم ورسام الكاريكاتير أشرف عمر، إلى عدم جدوى جهود "كسر الروابط بين الناس بوضعهم في السجن"، مضيفة أن ما حدث كان على العكس تمامًا، لأن "تعرفنا على ناس أكثر بسبب تشابه الظروف".
وفي المقابل، عبر عدد من زوجات السجناء عن الإحباط من عدم جدوى الندوات والفعاليات الخاصة بسجناء الرأي، ووجهن سؤالًا إلى المعارضة، "ماذا قدمتم للمعتقلين؟". ومن بينهن نجلاء سلامة، زوجة الاقتصادي عبد الخالق فاروق، التي ارتدت زيًا أزرق تماهيًا مع ملابس السجن الزرقاء، التي يرتديها زوجها المحبوس.
أما رفيدة حمدي، زوجة الناشط محمد عادل، فأمسكت بطرف الخيط، وقالت "بعترف السلطة هي الفاعل الأول والرئيسي في مأساتي، لكن المعارضة أيضا فاعل في مأساتي"، موضحة "كان بيتقال مش هنتفاوض على محمد عادل دلوقتي". واتهمت المعارضة بالتقصير، خاصة "حزب العدل وحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي".
وأضافت رفيدة أن "الحزب المصري الديمقراطي طلب الدعم أثناء انتخابات الرئاسة الأخيرة التي شارك فيها رئيس الحزب، فريد زهران، لكن فيما بعد ذلك لم يظهر الحزب في ذلك الملف". كما وجهت اللوم إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، قائلة "معرفش هم بيعملوا إيه، أنا لو مكانهم، هخجل من نفسي جدًا"، ثم أضافت "لو مش قادر تعمل حاجة للمعتقلين ودي مهمتك، يبئا متتكلمش عنهم وانعزل".
واختتمت رفيدة كلمتها بعد تنهد، وقالت "يمكن عندي مبررات للسلطة واللي بتعمله فينا، هم شايفين إن الناس دي خطر بالكلمة، المقال، الكاريكاتير، لكن معنديش أي مبرر لمن يسموا بالنخبة السياسية، علشان كده مش هوجه كلامي للسلطة تاني لأن الكثير من نخب المعارضة بالنسبة لي اسوأ كثيرًا، لأن لو شغالين بجد مكانش في حد هيطلع ويتحبس تاني".
وسارت على الاتجاه ذاته سلوى رشيد، زوجة شادي محمد المحبوس على أثر رفع لافتة دعم لفلسطين، إذ قالت "المعارضة محتاجة شوية حبوب شجاعة ويتوحدوا علشان المعتقلين السياسيين يخرجوا".
السادات يدافع عن دور المجلس القومي
وبعد انتهاء كلمة رفيدة، حضر محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، وتحدث مدافعًا عن دور المجلس، موضحًا أن قضايا سجناء الرأي "مسؤولية النيابة" وأن دور المجلس "استشاري فقط".
وعرض السادات موقف المحبوسين احتياطيًا، وقال "منذ الحوار الوطني بيتقالنا إن هيكون فيه إفراجات، لكن الإفراجات مش على قد المستوى"، مشددًا على أن الأمر "يحتاج إرادة سياسية".

وفي نهاية كلمته، اعترف السادات بأن "قدرة المجلس القومي لحقوق الإنسان والبرلمان، محدودة ولازم ده يكون واضح"، متعهدًا بنقل طلبات أهالي المحبوسين إلى الجهات المختصة.
وغادر السادات بعد اختتام كلمته، بينما كانت رفيدة تبحث عنه لتعبر له عن موقفها من المجلس، الذي تعتبره متخاذلًا في هذا الملف. وقالت زوجة الناشط محمد عادل لـ"فكر تاني"، إنها أرادت أن تسأل "لو أعضاء مجلس حقوق الانسان، وأعضاء البرلمان، ملهمش دور في ملفات زي كده طب دورهم إيه وموجودين في المناصب ليه؟".
وتوجه رفيدة السؤال إلى السادات الغائب، قائلة "ليه حضرتك سعيت لزيادة تصنيف المجلس لو ملهمش دورهم"، ثم تابعت "الناس مش بتضغط بجد علشان تحافظ على مناصبها ويكتفوا بكلمتين لطاف في المؤتمرات".
وتخشى رفيدة أن يؤدي قضاء بعض السجناء فترات طويلة في السجون دون تحريك قضاياهم أو الإفراج عنهم بعد انتهاء مددهم إلى جعلهم "جزءًا من التراث"، وهو ما قد يتسق بعض الشيء مع حديث السادات، عندما قال في كلمته "لقائكم النهارده يساعد على تذكرة الناس بإخواتنا ليبقوا في الذاكرة".
أما البرلماني السابق ومؤسس "تيار الأمل" أحمد الطنطاوي، فطرح تساؤلًا مفاده "هل الناس اللي سكتت لسنين عن الظلم أصبحوا في أمان؟"، فيما أقر في تصريحات خاصة لـ"فكر تاني"، بأن "عندنا تقصير كبير أوي، كل اللي ممكن يضيف حاجة ومعملش هو متخاذل عن دوره".
وفي نهاية الفعالية، التقط المشاركون في المعرض صورًا تذكارية، قبل جمع الصور واللافتات والاستعداد لمغادرة مقر حزب العيش والحرية في مجموعات للعودة إلى منازلهم، وكان الطنطاوي آخر المغادرين، بينما ظلت سيارات الأمن تحيط بالمقر.