قانون منظم أم أكثر عدالة؟ قراءة نقدية في مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد

لا يبدو مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد مجرد محاولة لتجميع القوانين المنظمة للزواج والطلاق والنفقة والحضانة داخل تشريع واحد، إنما يعكس محاولة أوسع لإعادة تعريف شكل العلاقة داخل الأسرة المصرية نفسها، وإعادة رسم حدود السلطة والحقوق بين الرجل والمرأة، بل وتوسيع دور الدولة في إدارة الحياة الأسرية والتدخل في تفاصيلها.

ولهذا فإن الجدل حول المشروع لا يرتبط فقط ببعض المواد المثيرة للجدل، وإنما بالفلسفة التي تحكمه بالكامل؛ هل يتعامل مع الأسرة باعتبارها مساحة شراكة متساوية، أم يعيد إنتاج التصورات التقليدية نفسها القائمة على الولاية والطاعة، ولكن بصورة أكثر تنظيمًا وحداثة؟

القانون الحالي للأحوال الشخصية، الذي صدر منذ أكثر من 100 عام مضت، رغم كل ما يحيط به من مشكلات وتعقيدات، كان نتاج سنوات طويلة من الأحكام القضائية والتعديلات التشريعية والنضال الاجتماعي والنسوي من أجل توسيع حقوق النساء داخل الأسرة، ولهذا ظهرت فيه مكتسبات مهمة مثل الخلع ورفع سن الحضانة وتوسيع بعض ضمانات النفقة.

أما المشروع الجديد، فرغم أنه أكثر ترتيبًا واتساقًا، يبدو أكثر ميلًا إلى الضبط والرقابة وإدارة العلاقات الأسرية من منظور سلطوي، بحيث تتحول الدولة من جهة تفصل في النزاعات إلى طرف يدير الأسرة نفسها، ويراقب تنفيذ الحقوق والواجبات داخلها.

مساحة "نظرية" للاتفاق

في باب الزواج، يتضمن المشروع بعض النقاط الإيجابية المهمة، وعلى رأسها حظر توثيق زواج من هم دون 18 عامًا، وهي خطوة ضرورية لمواجهة ظاهرة زواج الطفلات وما يترتب عليها من آثار اجتماعية واقتصادية وصحية خطيرة. صحيح أن منع تزويج الأطفال ليس "ميزة استثنائية" بقدر ما هو الحد الأدنى المطلوب من أي تشريع حديث، لكنه يظل خطوة مهمة في ظل استمرار انتشار الزواج العرفي للطفلات والتحايل على القانون.

كما أن تأكيد أهمية التوثيق الرسمي للزواج، يمثل حماية ضرورية للحقوق الاقتصادية والقانونية للنساء، خصوصًا في حالات الزواج العرفي أو إنكار العلاقة الزوجية.

ورغم هذه النقاط الإيجابية، تظهر الإشكاليات سريعًا في فلسفة المشروع نفسها. فالمشروع يمنح مساحة للشروط الخاصة داخل عقد الزواج، مثل اشتراط المرأة حقها في العمل أو الدراسة أو رفض التعدد، وهو ما يبدو اعترافًا جزئيًا بفكرة التفاوض داخل العلاقة الزوجية، لكن المشكلة الحقيقية أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي لتغيير تفاوت موازين القوة داخل المجتمع. فكثير من النساء لا يمتلكن أصلًا القدرة الاقتصادية أو الاجتماعية التي تسمح لهن بفرض هذه الشروط أو التمسك بها بعد الزواج، وبالتالي، يفتح القانون مساحة "نظرية" للاتفاق، لكنه لا يعالج الظروف التي تجعل هذه المساحة غير متاحة بالتساوي للجميع.

ومن الإشكاليات التي تكشف تناقضات المشروع بوضوح طريقة تعامله مع الحق في إنهاء العلاقة الزوجية، سواء في حالات الغش والتدليس أو في مسألة التعدد، فمن حيث المبدأ، يُعتبر وجود نص يسمح بفسخ عقد الزواج خطوة جيدة، خاصة في الحالات التي يثبت فيها الغش أو التدليس أو إخفاء عيوب جوهرية تؤثر على استمرار العلاقة، لكن الأزمة الحقيقية ليست في وجود الحق نفسه، وإنما في الشروط التي ربط بها المشروع هذا الحق، فالمشروع أجاز طلب فسخ عقد الزواج خلال ستة أشهر بشرط عدم حدوث حمل، وهو شرط يثير تساؤلات منطقية وقانونية عديدة: ما العلاقة بين عدم وجود حمل، وحق الزوجة أو الزوج، في فسخ العقد؟ ولماذا يصبح الحمل مانعًا من الفسخ، رغم أن الضرر أو الغش قد يظل قائمًا؟ ثم ماذا عن الحالات التي لا تُكتشف فيها الحقيقة إلا بعد فترة طويلة، مثل إخفاء مرض جنسي خطير أو إدمان أو زواج سابق؟ في هذه الحالات، تُدفع النساء عمليًا إلى اللجوء لدعاوى الطلاق للضرر بإجراءاتها الطويلة والمعقدة، بدلًا من وجود تنظيم قانوني أكثر وضوحًا وعدالة يراعي طبيعة هذه الوقائع وتعقيداتها.

الزواج الثاني.. والكد والسعاية

كما يظهر هذا التناقض بصورة أكثر وضوحًا في ملف التعدد، فالمشروع أبقى على حق الزوجة في طلب التطليق بسبب زواج الزوج بأخرى، لكنه خفّض مدة استعمال هذا الحق من سنة، وفقًا للقانون الحالي، إلى ستة أشهر فقط من تاريخ علم الزوجة بالزواج الجديد، وقد يبدو الأمر تعديلًا إجرائيًا بسيطًا، لكنه يكشف فلسفة أعمق، فالقانون يفترض ضمنيًا أن المرأة تستطيع خلال أشهر قليلة اتخاذ قرار الانفصال، وتأمين نفسها وأطفالها اقتصاديًا واجتماعيًا، ثم خوض نزاع قضائي معقد، بينما الواقع أكثر قسوة وتعقيدًا، خصوصًا في ظل وجود أطفال أو اعتماد اقتصادي أو ضغوط عائلية واجتماعية تمنع كثيرًا من النساء من اتخاذ قرار سريع بالانفصال.

وربما كان من الأكثر عدالة واتزانًا أن يُربط الزواج الثاني بإذن قضائي مسبق، مع اشتراط موافقة كتابية صريحة من الزوجة الأولى، وإخطار الزوجة الثانية بشكل واضح بحالة الزوج الاجتماعية، بما يضمن قدرًا أكبر من الشفافية وحماية الحقوق بدلًا من الاكتفاء بتنظيم آثار التعدد بعد وقوعه.

مصلحة الأسرة.. وافتداء الزوجة نفسها

في المقابل، يحتوي المشروع على بعض المواد التي تقترب من الاعتراف بالشراكة الاقتصادية داخل الأسرة، مثل المادة الخاصة بإمكانية الاتفاق على إدارة واستثمار وتقسيم الأموال المشتركة بين الزوجين، وهذه المادة مهمة لأنها تقترب من فكرة "الكد والسعاية"، أي الاعتراف بأن الثروة الناتجة عن الحياة الزوجية لا يصنعها الرجل وحده، بل تشارك فيها المرأة أيضًا من خلال العمل والرعاية المنزلية غير المدفوعة، لكن هذا الاعتراف ظل محدودًا، لأن القانون ربطه بوجود اتفاق مسبق بين الزوجين، بدلًا من إقرار حق قانوني تلقائي للمرأة في نصيب من الثروة الناتجة عن سنوات الشراكة داخل الأسرة.

وفي باب النفقة، حاول المشروع معالجة أزمة التهرب من النفقة عبر إلزام جهات العمل والبنوك بالإفصاح عن الدخل الحقيقي، وهي خطوة إيجابية نسبيًا، كما أكد أن عمل الزوجة لا يسقط حقها في النفقة، وهو اعتراف مهم بحق النساء في العمل. لكن النص عاد وربط ذلك بعدم الإضرار بمصلحة الأسرة، وهي صياغة فضفاضة قد تُستخدم للضغط على النساء العاملات أو التضييق على استقلالهن الاقتصادي. كما تثير بعض المواد جدلًا واسعًا، خاصة النص الذي يحرم الزوجة المطلقة من النفقة إذا ثبت إعسار الزوج، وهو ما يثير تساؤلات حقيقية حول الحماية الاقتصادية للنساء بعد الطلاق، خصوصًا في ظل ضعف شبكات الحماية الاجتماعية واعتماد كثير من النساء اقتصاديًا على الزوج.

أما الخلع، فحافظ المشروع على جوهر النظام الحالي، باعتباره حقًا للمرأة في إنهاء العلاقة الزوجية مقابل التنازل عن حقوقها المالية ورد الصداق.

صحيح أن المشروع أكد عدم جواز التنازل عن حقوق الأطفال أو الحضانة مقابل الخلع، وهي نقطة مهمة، لكنه أبقى في الوقت نفسه على فكرة أن إنهاء العلاقة يظل عبئًا تتحمله المرأة وحدها عبر "افتداء نفسها"، بدلًا من إعادة النظر في طبيعة العلاقة غير المتكافئة داخل نظام الطلاق نفسه، الذي لا يزال يحدث بالإرادة المنفردة للرجل، عدا السنوات الثلاث الأولى من الزواج، فالطلاق أو الخلع، بحسب مشروع القانون، ينبغي أن يكون بأمر قضائي إذا حدث خلال هذه الفترة، وهو الأمر الذي أعتقد أنه كان ينبغي أن يكون منذ بدايته تحت إشراف قضائي بغض النظر عن مدة الزواج.

الشريك الخاضع

ومن أكثر النقاط المثيرة للقلق أن المشروع لم يتخلص فعليًا من فلسفة الطاعة، بل أعاد تقديمها بصورة مختلفة، فتحويل إنذار الطاعة إلى دعوى قضائية مستقلة لا يغير جوهر الفكرة، لأن المشكلة ليست في شكل الإجراء، وإنما في استمرار تصور العلاقة الزوجية باعتبار الزوجة طرفًا مطالبًا بإثبات "الامتثال" داخل الأسرة، لا شريكًا متساويًا في العلاقة. وهذا يكشف أن المشروع، رغم لغته الحديثة، ما يزال يحمل في داخله تصورًا تقليديًا للعلاقة بين الرجل والمرأة.

وفي باب الحضانة، حافظ المشروع على بقاء الأم في مقدمة أصحاب الحق في الحضانة، وهو اعتراف بكون النساء ما زلن الطرف الأكثر تحملًا لمسؤوليات الرعاية اليومية للأطفال، كما منح الطفل، بعد انتهاء سن الحضانة، حق اختيار الإقامة مع من يريد. لكن في المقابل، أبقى المشروع على بعض القيود التقليدية المتعلقة بزواج الأم أو اختلاف الدين، وهي نصوص قد تُستخدم للضغط على النساء أكثر مما تراعي مصلحة الطفل الحقيقية.

كما أن المشروع لم ينجح في حسم أزمة مسكن الحضانة أو إنهاء الصراعات المتعلقة بالرؤية والاستزارة، بل قد يؤدي غياب الضوابط الواضحة إلى تحويل الأطفال أنفسهم إلى أدوات داخل النزاعات بين الأبوين.

أداة ضغط وصراع

وفي ملف الولاية التعليمية، ورغم أن نقل الولاية التعليمية للحاضن يُعد من أهم النقاط الإيجابية في المشروع، لأنه يعترف بالطرف القائم فعليًا بالرعاية اليومية للطفل، فإن المشروع أبقى باب النزاع القضائي مفتوحًا بصورة واسعة، بما قد يحول تعليم الأطفال إلى ساحة صراع مستمرة بين الأبوين، بدلًا من تحقيق الاستقرار النفسي والتعليمي للطفل.

كما أن التوسع في الرؤية والاستزارة والمبيت، رغم أهميته في الحفاظ على علاقة الطفل بالطرف غير الحاضن، ما يزال بحاجة إلى ضوابط أوضح تتعلق بسن الطفل وحالته النفسية ووجود العنف الأسري، حتى لا يتحول الطفل إلى أداة ضغط وصراع بين الطرفين.

ومن أكثر الجوانب المثيرة للجدل أيضًا توسع المشروع في العقوبات الجنائية داخل النزاعات الأسرية، سواء في قضايا النفقة أو الرؤية أو تنفيذ الأحكام. فرغم أهمية وجود وسائل لإجبار الممتنعين عن تنفيذ الأحكام، فإن تحويل قانون الأحوال الشخصية إلى مساحة أوسع للحبس والعقوبات يثير اعتراضات حقوقية حقيقية، لأن الحبس لا يحل دائمًا النزاعات الأسرية، بل قد يزيد التفكك والأعباء الاقتصادية على النساء والأطفال أنفسهم.

في باب الولاية على المال، من المواد (176) إلى (201)، حافظ المشروع على أولوية الأب في الولاية على أموال القاصر، مع انتقالها إلى الأم إذا لم يكن الأب قد اختار وصيًا، ثم إلى الجد الصحيح، وهو ما يعكس استمرار ترتيب قانوني تقليدي للولاية المالية. ورغم أن المشروع وضع قيودًا مهمة على التصرف في أموال القاصر وأخضع كثيرًا من التصرفات لإذن المحكمة، وهي ضمانات إيجابية لحماية أموال الأطفال، إلا أن الإشكالية الأساسية بقيت في عدم المساواة الكاملة بين الأم والأب في الولاية المالية، رغم أن النساء في الواقع كثيرًا ما يتحملن مسؤوليات الرعاية والإدارة الفعلية بعد الانفصال أو الوفاة. كما أن استمرار تمتع الأب بمركز الولي الأصلي على المال يعكس تصورًا قانونيًا يمنح الأولوية للولاية الذكورية أكثر من ربطها بمصلحة الطفل وكفاءة القائم بالرعاية.

كما أبقى المشروع على نظم الوصاية الممتدة حتى سن 21 عامًا، ووسع سلطات المحاكم في الرقابة والتقييد، وهو ما يعكس استمرار فلسفة الوصاية أكثر من فلسفة التمكين والاستقلالية. كذلك ما تزال النصوص الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة تميل إلى تقييد الأهلية واستبدال إرادة الشخص بإرادة الوصي أو القيم، بما يثير تساؤلات عن مدى توافق المشروع مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تؤكد حقهم في الاستقلال واتخاذ القرار.

في النهاية، يبدو مشروع قانون الأحوال الشخصية أكثر تنظيمًا وحداثة من الوضع الحالي، لكنه ليس بالضرورة أكثر عدالة. فالمشروع يتضمن بعض الخطوات الإيجابية المهمة، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج كثير من التصورات التقليدية حول السلطة والولاية وعدم المساواة داخل الأسرة. ولذلك فإن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في بعض المواد المثيرة للجدل، بل في الفلسفة العامة التي تحكم القانون، والتي ما تزال ترى الأسرة باعتبارها بنية تقوم على الرقابة والسلطة أكثر من كونها علاقة قائمة على الشراكة والحقوق المتساوية. ولهذا يبدو أن إشكاليات المشروع، بالنسبة لكثيرين، أكبر من إيجابياته، حتى وإن جاء أكثر تنظيمًا واتساقًا من القوانين الحالية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة