«أن تستأذن لتعيش».. عندما يصبح الخارج زنزانة كبرى تطارد سجناء الرأي

بمجرد أن يعبر بوابة السجن إلى الحرية، يُدرك سجين الرأي أنه لم يعد الشخص نفسه، إذ يخرج إلى الدنيا حاملًا، ليس فقط تجربته النفسية، أو ما ادخره من أمراض، وإنما صفة تصم حياته كلها؛ أوراقه الثبوتية، ومساره التعليمي أو الوظيفي، أو حتى فرصة أن "يهج" فيترك ذلك كله كي يبدأ حياة جديدة خارج الحدود.

تحفل حكايات السجناء السابقين بمحاولات دؤوبة للعودة إلى ممارسة الحياة بحرية كما عاشوها من قبل، غير أنهم يصطدمون بواقع لا يختلف كثيرًا عن مفهوم السجن نفسه، ترتهن فيه حياتهم بموافقة "السجان" على كل إجراء يتخذوه مهما كان بسيطًا، وإلا استدعاهم إليه مرة أخرى، وكأنه يستأذن لكي يواصل طريقه، أو يمتثل "للتوبيخ" على كل مسار تراه السلطة نشوذًا يستدعي المراجعة.

ويكشف تقرير واحد، صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، اطلعت عليه "فكر تاني"، أن نيابة أمن الدولة، استدعت، خلال عام 2025، تسعة نشطاء وحقوقيين، من بينهم أحمد دومة الذي تلقى وحده ثلاثة استدعاءات، لمراجعته في مقال أو سلوك مارسه خلال العام الماضي.

وتقول المحامية ماهينور المصري، التي تلقت استدعاءين منذ خروجها من السجن في عام 2021، وسحب منها جواز سفرها الشخصي مرتين عند لدى عودتها من الخارج، إنهم "في المرة الأولى، طلبوا مني أروح مقر أمن الدولة في إسكندرية عشان أستلمه، أنا رفضت لأنه ده شيء غير قانوني، ورحت مطلعة بدل فاقد وسافرت، ورجعت تاني راحوا عملوها تاني، فما أخدتش خطوات وما عملتش بدل فاقد ولا حاجة وبعدها اتقبض عليا".

أُلقي القبض على ماهينور في شهر سبتمبر من عام 2019، بتهم نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية على ذمة القضية رقم 488 لسنة 2019 أمن دولة، وبعد مرور 11 شهرًا دُورت في أغسطس 2020 على ذمة قضية أخرى تحمل رقم 855 لسنة 2020، إلى أن أُخلي سبيلها في يوليو من عام 2021.

وتصف مساعيها لاستعادة مسارها، في تصريحات لـ"فكر تاني"، قائلة "منذ خرجت أحاول العودة بحياتي مثلما كانت قبل السجن على الأقل"، لافتة إلى أنها في البداية حاولت استخراج جواز السفر وواجهت محاولات لمنعها من ذلك، وتتابع حديثها بالقول "بعدين قلت إن أنا هرفع قضية، فادوني الباسبور".

وخلال تلك المحاولات للحصول على جواز السفر، فقدت ماهينور فرصة استلام جائزة "هومو هوميني" وهي جائزة دولية مرموقة تمنحها سنويًا منظمة "People in Need" التشيكية غير الحكومية، وتُعقب على ذلك بقولها "ما رحتهاش لأن ما كانش لسه الباسبور طلع". وبعد أن نجحت أخيرًا في الحصول عليه، رُشحت في أكتوبر من عام 2022 لجائزة تنظمها منظمة "أورورا" للأعمال الإنسانية، وحين استفسرت عن موقفها من السفر جاءها الرد بالسماح لها، غير أنها فوجئت في المطار بمنعها من السفر على خلفية القضية التي دُورت عليها في عام 2020، وما تزال حتى الآن تقف أمام باب مُغلق يحمل لافتة "المنع من السفر" منذ تاريخ إخلاء سبيلها، مما تركها عاجزة تمامًا عن القيام بدورها الاجتماعي ولو في أبسط صوره كزيارة أهله، "كان المفروض إني أروح أقعد مع عمي اللي كان مريض في الوقت ده، وده ما حصلش وتوفى، فحتى مقدرتش أحضر جنازته".

واليوم تجد ماهينور نفسها عاجزة كذلك عن استكمال مسارها الأكاديمي وتلبية رغبتها في دراسة الماجستير في الخارج بسبب هذا المنع المستمر من السفر.

صدمة ما بعد الزنزانة

لا يختلف الحال كثيرًا مع الباحث أحمد سمير سنطاوي، الذي خرج من السجن بعفو رئاسي في عام 2022، ليواجه أزمة مركبة ومتعددة الأسباب، تبدأ حسب قوله من صدمة السجن ذاته، وهي صدمة تفصّلها الدكتورة عايدة سيف الدولة، مديرة مركز النديم للدعم النفسي، قائلة أن "العزلة التي يعيشها السجين أثناء فترة سجنه، خاصة إذا كان سجينًا سياسيًا، تجعل لديه توقعات عن عالم ومجتمع لم يشهد التغيرات التي طرأت عليه، وعلى المعيشة وعلى الناس أثناء فترة غيابه، لذلك يكون الخروج ومحاولة الفهم والتأقلم والتجاوز، عملية نفسية مجهدة للشخص ولأسرته".

وبعد محاولاته للتعافي النفسي وقراره استكمال دراسته في الخارج، اصطدم سنطاوي بالواقع الإجرائي المتمثل في منعه من السفر، ورغم استطاعته تخطي هذه العقبة، مؤقتًا، عبر استكمال دراسته "أونلاين"، أقام دعوى قضائية لإلغاء هذا المنع، وحينما تكللت مساعيه بالحصول على حكم بإلغائه، وجد نفسه أمام قرار آخر بالمنع صدر بعد الحكم الأول بيومين فقط، وهو ما يؤكد استمرار القيود المفروضة عليه حتى بعد خروجه من السجن.

ويصف سنطاوي معاناته الأكاديمية، في تصريحات لـ"فكر تاني"، قائلًا "كنت بقدم على الدكتوراه وقت ما اتقبض عليا في 2020 وكان المفروض أخلص السنة اللي فاتت، 2025، لكن الحقيقة أني لحد دلوقتي مش عارف أقدم بسبب منعي من السفر".

وتعود بداية أزمته إلى إلقاء قوات الأمن القبض عليه في يناير من عام 2021، حيث حُكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، بتهم "نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية"، في القضية رقم 774 لسنة 2021 جنح أمن الدولة طوارئ، قبل أن يحصل على عفو رئاسي رقم 329 لسنة 2022، ليظل منذ ذلك التاريخ ممنوعًا من السفر والدراسة، وحتى ممارسة تفاصيل حياته العاطفية، فقد أُبعدت عنه أقرب دوائر الدعم المتمثلة في خطيبته البلجيكية، ويشرح ذلك، قائلًا "بيحصلها مضايقات لما بتيجي مصر لأنها كانت بتكتب عني وأنا مسجون"، ليصطدم بواقع مرير يفرض المعاناة على من يأتي إليه بينما يظل سفره هو أمرًا "ممنوعًا".

الباب الدوار والملاحقة الأمنية

وتعود فكرة السجن لتلح مرة أخرى على أذهان أصحاب هذه التجارب، الذين يُدركون أن رحلة التضييق لم تنتهِ وإنما بدأت للتو، وتتمثل أبسط خطواتها في المنع من السفر، فاستكمال حياته في المساحة "الضيقة" التي تركها له السجان، تبدو هي الأخرى صعبة.

ويبين محمد عبد السلام، المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن "الأجهزة الأمنية عندها داتا ضخمة عن النشطاء، بناءً عليها بيتم استدعاءهم للنيابة، الأزمة في تصنيفهم كنشطاء سياسيين في التحريات الأمنية، وده العامل المشترك بينهم، بدون تهمة واضحة ومفيش أدلة وأحراز ومفيش أي حاجة مجرد تحريات".

وتستمر تلك التحريات في ملاحقة صاحبها حتى عند محاولته التقدم للعمل، ويوضح عبد السلام ذلك، بقوله "لما حد بيقدم على شغل بيتم الاستعلام عن حالته، فتظهر التحريات التي يمكن أن تكون غير صحيحة، كل ده بسبب تصنيفات أمنية معينة للنشطاء"، مُستنكرًا، في تصريحات لـ"فكر تاني"، هذا الوضع بعبارة "مفيش كتالوج للتحريات ومفيش تهمة واضحة لأن المتحرى عنه مخرجش عمل حاجة ولا تظاهر"، لتكون الحقيقة الوحيدة الماثلة أمامه هي "أنت بتفضل تدفع تمن انحيازاتك السياسية فقط".

وتنطبق مسألة "دفع ثمن الانحيازات السياسية" تلك على الناشط السياسي أحمد دومة، المحبوس حاليًا، بعد الخروج من السجن بعفو رئاسي في أغسطس من عام 2023، وقضاء 10 سنوات خلف القضبان.

فخلال ما عاشه خارج القضبان، تلقى دومة سبعة استدعاءات من النيابة، انتهت ستة منها بدفع كفالات، وصل مجموعها إلى 230 ألف جنيه، وفقًا لما يذكره نبيه نجادي المحامي وعضو هيئة الدفاع عن أحمد دومة، أما الاستدعاء الأخير فكان في 6 أبريل الماضي، وعلى إثره يقبع دومة في الحبس حتى الآن في انتظار محاكمته المقررة في 13 مايو الحالي. وما بين الخروج والعودة عاش حياة وصفها نجادي، بأنها "ممنوع من كل حاجة من السفر من التعليم من الحياة".

ويسرد نجادي لـ "فكر تاني" تفاصيل أخرى، مضيفًا "أنا ودومة كنا مقدمين سوا على ماجستير قانون، وأنا خلصت لكن هو رجع السجن تاني"، مشيرًا إلى رفضه من قِبل المؤسسات الأكاديمية رغم تنوع محاولاته، ويؤكد ذلك بقوله "دومة مقدمش على ماجستير قانون بس، قدم على مجالات تانية زي الأدب وغيره"، ليبقى ممنوعًا من استكمال دراسته ومحاربًا من أجل استخراج أوراقه الرسمية، ويسير في الشوارع تلاحقه مراقبة أمنية كظله كما يقول نجادي، وهو وضع يُعد غير قانوني بالأساس، غير أن محاميه يتجاوز هذه النقطة ليؤكد بكل وضوح "مفيش حاجة حصلت مع دومة ليها علاقة بالقانون".

سياسة عقابية لكسر الإرادة

ويشكل هذا الحصار الأمني عبئًا ثقيلًا لا يمر على صاحبه بسهولة، وتتحدث عنه الدكتورة عايدة سيف الدولة لـ "فكر تاني" مفسرة أبعاده، بقولها "أعتقد أن أبرز الأعراض لملاحقة سجناء الرأي تتلخص في الخوف والقلق من تكرار التجربة وقد سمعت من عدد من المخلى سبيلهم أن تكرار السجن أصعب من دخوله للمرة الأولى". وتتابع تحليلها قائلة "تتفاوت شدة الخوف والقلق بحسب حجم المضايقات والإجراءات. فمن يخرج بتدابير احترازية يتوقف شعورهم بها بحسب المعاملة التي يلقونها في قسم الشرطة".

وفي إشارة منها إلى من يُلزمون بالمتابعة مع الجهات الأمنية، تؤكد عايدة "هو إجراء غير قانوني للمفرج عنهم مع أجهزة الأمن، لأن كل متابعة وكل امتناع عن المتابعة يحمل احتمالًا بإعادة الحبس. وكثيرًا ما يتعرض المفرج عنه والمتابع في أمن الدولة لضغوط وتهديدات للعمل مرشدًا فيضاف عبء إضافي حيث لا يتطوع أحد راضيًا عن القيام بهذا الدور وفي نفس الوقت يحمل الرفض إمكانية التنكيل به".

وترفض مديرة مركز النديم وصف هذه الملاحقات بمجرد الروتين الأمني، وتصفها بأنها "قمع منهجي ومقصود ويحدث بقرار سياسي من أعلى الجهات، هو اختيار سياسي لكيفية الحكم، سياسة تستهدف إقناع الناس بأن الخيار الوحيد الآمن هو إما الانصياع أو الصمت أو الموالاة". وتستكمل الدكتورة عايدة رؤيتها مشيرة إلى أن الهدف الأساسي يتمثل في "كسر الإنسان وإجباره على الاقتناع بأن لا مناص سوى بالطاعة، وهو ما يفسر الغضب الشديد لدى الأجهزة الأمنية حين تبذل كل هذا الجبروت لكسر إنسان فلا ينكسر، أحمد دومة نموذجًا".

إعادة الدمج.. مسؤولية من؟

وحين يصاب الإنسان بصدمة ذات تبعات نفسية كما في حالة سنطاوي، أو يقف عاجزًا عن ممارسة أبسط حقوقه في لقاء أهله كما هي حال ماهينور، أو يسير في متاهة بلا نهاية آملًا في حل ألغازها المعقدة كما يفعل دومة، فإنه في جميع هذه الحالات يكون في أمس الحاجة لمن يُعينه على استرداد جزءٍ من طاقته واستعادة اتزانه النفسي، مما يفرض تساؤلًا جوهريًا حول كيفية تأهيل هؤلاء المُفرَج عنهم لتيسير عودتهم إلى ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.

وهذا التأهيل دور تتولى جزءًا منه منظمات المجتمع المدني، التي تصف الدكتورة عايدة مهمتها قائلة "دور المجتمع المدني هو الدعم والكشف والتنديد والمطالبة بالتأهيل ومحاولة إعادة المعنى لحياة الإنسان المنتهك حقوقه"، غير أنها تستدرك لتؤكد أن "المجتمع المدني ليس الطرف الذي اعتقل أو سجن أو كدر أو نكل أو أطال الحبس أو أغلق أبواب الرزق بعد الخروج من السجن".

وتُضيف مُبيّنة حدود هذا الدور بالقول "دور المجتمع المدني يأتي بعد توفر أسس الدمج التي تحترم حقوق المواطن الخارج من السجن.

في غياب هذه الأسس يظل دور المجتمع المدني دعم ومحاولة المساعدة رغم كل القيود". وتُشدد عايدة على أن مسألة الإدماج هي في صميم "دور الدولة التي لا تكتفي بالامتناع عن القيام بهذا الدور وإنما أيضًا تضيق على منظمات المجتمع المدني من منظمات ونقابات حين تحاول أن تساعد".

وأمام هذا العجز الواضح تنتقل مسؤولية الإدماج بشكل كامل لتُلقى على عاتق السلطة، حيث يرى نجاد البرعي، المحامي وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني، ضرورة التدخل الرسمي مؤكدًا "لازم الدولة تتحرك بشكل أعمق علشان تزيل الآثار المترتبة على الحبس خاصة لو إنه بقى مدة طويلة داخل السجن".

ويعتبر البرعي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن مسؤولية الدمج تقع على عاتق الحكومة في المقام الأول ويُعبر عن ذلك قائلًا "إعادة التأهيل مسؤولية الدولة، إعادة إدماج كل المفرج عنهم مسؤولية الدولة، ودول مش مسؤولية أهاليهم، لأن أهاليهم صرفوا عليهم في السجون كتير".

وتظل حكايات ماهينور وأحمد دومة وسنطاوي مجرد نماذج لسجناء عبروا البوابات إلى الخارج محاولين العودة إلى الحياة بشكل طبيعي، غير أنهم يصطدمون في كل خطوة بفكرة واحدة تتمثل في أن السجن لم ينتهِ بعد. وكما كان سجنهم بسبب آرائهم عبرة لغيرهم لفرض جدار من الصمت، فإن إخلاء سبيلهم لا يُعد عفوًا حقيقيًا عنهم، وإنما هو امتداد مستمر لترسيخ ذات العبرة في نفوس الجميع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة