فكر المحاسب أحمد عبد السلام، الذي يسكن إحدى قرى الغربية، في تركيب خلية طاقة شمسية أعلى منزله، لتغنيه عن فواتير الكهرباء المرتفعة، التي تصل إلى 1500 جنيه شهريًا، وذلك بعد قرار رفع تعريفة العدادات الكودية من 2.14 جنيه إلى 2.74 جنيه.
تحرك عبد السلام في خطته تلك، مدفوعًا بإعلان الحكومة عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، تتضمن قروضًا ميسرة ومنخفضة الفائدة لتركيب الألواح، مع وجود برامج لتقسيط التكلفة على فترات طويلة، وعلى الفور، بدأ الشاب الأربعيني في التحرك ليصطدم بأرض الواقع، حيث تتراوح تكلفة المحطة بقدرة 5 كيلووات بين 150 و200 ألف جنيه، بمتوسط يتراوح بين 30 و40 ألف جنيه للكيلووات الواحد، حسب جودة المكونات، وذلك دون حساب بطاريات التخزين التي تُخزن الطاقة المولدة نهارًا لاستخدامها ليلًا.
أعباء الاعتماد على الشمس
وللتخلص من أعباء أسعار البطاريات المرتفعة، أراد عبد السلام اتباع نظام "on grid"، الذي يسمح بتبادل الطاقة بين محطة توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية والشبكة التقليدية، بحيث يولد الطاقة نهارًا من محطته، وما يزيد عن حاجته يبيعه إلى الشبكة والعكس صحيح، غير أنه واجه تحديًا جديدًا يتمثل في الاشتراطات المعقدة، إذ يحتاج تركيب محطة طاقة إلى العديد من الإجراءات، بداية من اختيار إحدى الشركات المعتمدة لإجراء المعاينة الميدانية، وتحديد الأحمال، وإعداد ملف فني وتقديم المستندات القانونية والمخططات الهندسية عبر منصة الكهرباء، والحصول على الموافقات الرسمية من شركة توزيع الكهرباء.
وعلاوة على ذلك، تحتاج المحطة المنزلية لضمان توصيلها مع الشركة إلى عاكس كهربائي لتحويل التيار المستمر الناتج من الألواح الشمسية إلى تيار متردد متوافق مع شبكة الكهرباء، وعداد "صافي القياس"، لقياس كمية الكهرباء المتبادلة بين الشبكة والمستهلك، الذي يُركب بالتنسيق مع شركة الكهرباء لحساب الفرق بين إنتاج محطة الطاقة الشمسية واستهلاكها.
كما تتطلب العملية هياكل معدنية لتثبيت الألواح على سطح العقار بشكل آمن وبزاوية مناسبة لأفضل تعرض للشمس، وكابلات توصيل تربط بين مكونات النظام المختلفة مع الالتزام بمعايير الأمان والكفاءة، إلى جانب أنظمة الحماية، مثل القواطع والفيوزات ومانعات الصواعق لحماية المعدات والمستخدمين، فضلًا عن ضرورة التنظيف الدوري من الأتربة.
وفي محاولة لتخفيف هذه الأعباء، تقدم ثمانية بنوك مصرية بالفعل باقات تمويلية متنوعة تصل إلى 13.5 مليون جنيه لشراء وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، تشمل الموظفين وأصحاب الأعمال والمهن الحرة، وبفترات سداد طويلة نسبيًا تصل إلى 8 سنوات. ومع ذلك، تكمن المشكلة التي تواجه الراغبين في إنشاء محطات طاقة منزلية في الفائدة المرتفعة التي تتعدى 20%، بالإضافة إلى تكاليف الصيانة والبطاريات المرتفعة ومدى صلاحيتها الزمنية، الأمر الذي يجعل التكاليف الشهرية المدفوعة كقسط للقرض والصيانة أعلى بكثير من الاعتماد على الشبكة التقليدية، حيث تصل الفائدة على مبلغ 200 ألف جنيه في العام الأول وحده، إلى 40 ألف جنيه.
الإعفاءات الضريبية.. شرط أساسي لنشر الطاقة الشمسية
وتمثل المبادرة التحفيزية الجديدة الأمل الأخير للمواطنين والمستثمرين على حد سواء، وفي هذا السياق يوضح أيمن هيبة، رئيس جمعية "سيدا" للطاقة المتجددة، أن إطلاق مبادرات تحفيزية وتخصيص حصص في مزيج الطاقة للمصانع للحصول على تراخيص تعد خطوات إيجابية، مستدركًا بالقول "نحتاج خارطة طريق لتسريع انتشار المشاريع المتناثرة مثل تنظيم نقل الكهرباء وبيعها من القطاع الخاص للمصانع في ظل عدم وجود مساحات لدى بعض المصانع لإقامة محطات خاصة بها".
وتحتاج محطات الطاقة الشمسية للمصانع تقريبًا إلى مساحة تصل إلى 10 أمتار مربعة لكل كيلووات من القدرة المركبة، ما يعني أن محطة صغيرة تحتاج إلى مساحة تتراوح بين 550 و650 مترًا مربعًا. ويضيف هيبة، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أنه يجب تنظيم تخصيص الأراضي للمصانع المخصصة للطاقة المتجددة بجوار البنية التحتية وشبكات التوزيع والنقل، إلى جانب تقديم حوافز للاستثمار تتضمن إعفاء مكونات محطات الطاقة الشمسية من القيمة المضافة والجمارك أسوة بما يتم في المشروعات الكبرى، وذلك لزيادة العائد على الاستثمار بما يسهل حصول المحطات على تمويل، مشددًا على ضرورة توفير عوائد ميسرة.
وعلى صعيد الإعفاءات الضريبية، التي تعد شرطًا أساسيًا لنشر الطاقة الشمسية، تبحث وزارة المالية منذ منتصف العام الماضي مقترحًا بإعفاء مكونات الطاقة الشمسية وعقود المقاولات الخاصة بها، من الجمارك وضريبة القيمة المضافة أسوة بمكونات محطات الطاقة المتجددة المخصصة لمشروعات الهيدروجين الأخضر التي أقرت سابقًا، غير أن هذا الملف لم يحسم حتى الآن.
وبحسب جمعية "سيدا" للطاقة المتجددة، فإن كل محطة شمسية بقدرة 1 ميجاوات توفر 13 ألف مليون وحدة حرارية من الوقود المكافئ، ما يقلص واردات الوقود ويخدم أجندة مصر للتحول المهم للطاقة المتجددة، إذ تستهدف الحكومة زيادة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة لتصل إلى 42% بحلول عام 2030 أو 2035.
وتطالب شركات الطاقة الشمسية منذ سنوات بإعفاء ضريبي على المكونات، مما يمكن من توفير 30% من تكلفة بناء المحطات، ويعمل كذلك على تعزيز انتشار المحطات اللامركزية بما يسهم في إنتاج طاقة تصل إلى 10 جيجاوات في الساعة.
ورغم إعلان الحكومة عن حوافز للمصانع والمنازل، لم يحسم موقف التجمعات السكنية المغلقة "الكومبوندات"، التي تمثل النسبة الأكبر من استثمارات القطاع العقاري الجديدة حاليًا.
وقد طالب الملياردير نجيب ساويرس في تغريدة عبر حسابه بمنصة "إكس" أخيرًا بالسماح لكل الكمبوندات ببناء محطات طاقة شمسية توازي احتياجاتها فقط، نظرًا لأن استهلاكها يقع ضمن الشرائح العالية، موضحًا أن تلك المجتمعات المغلقة لديها مساحات خالية تسمح ببناء هذه المحطات، قاصدًا الظهير الصحراوي وراء كل كومبوند.
ويواجه هذا المقترح تحديًا أساسيًا في استدامة التوجه الحكومي نحو الطاقة المتجددة، ففي أوقات انخفاض أسعار النفط عالميًا، تركز الحكومة على الإنتاج التقليدي للطاقة، خاصة أن قدرة الكهرباء المركبة في مصر تصل إلى أكثر من 60 ألف ميجاوات، في حين لم يتجاوز أقصى طلب على الكهرباء 40 ألف ميجاوات، لتكمن المشكلة الحقيقية في توفر الوقود اللازم لتشغيلها.
العائد "غير مجد"
وفيما يخص جدوى العائد الاستثماري، يرى حاتم توفيق، العضو المنتدب لشركة "كايرو سولار"، أن صاحب الكومبوند أو اتحاد الملاك لن يتحرك في ملف الطاقة الشمسية إلا إذا كان العائد على الاستثمار مجديًا، بينما يبلغ المكسب الحالي 15% فقط.
ويشدد توفيق على ضرورة خفض تكاليف محطات الطاقة الشمسية وتقسيطها بدون فوائد لكي تكون فترة استرداد التكاليف 4 سنوات فقط بدلًا من سبع، مضيفًا في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن الدولة لو منحت حافزًا من قيمة المحطة للمنزل أو المصنع، فستعود تلك المنحة لها خلال عام عبر توفير دعم المحروقات لوزارة الكهرباء.
وقد أعلنت الحكومة أخيرًا عن خطة لإلزام أي مصنع جديد بالاعتماد على 25% من الطاقة الكهربائية به من الطاقة الشمسية، واعتبار تركيب لوحات شمسية لتوفير النسبة المطلوبة شرطًا لإصدار التراخيص اللازمة، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود في إنتاج الطاقة وتعظيم الاستفادة من المصادر المتجددة.
ورغم أهمية تلك الخطوة، يبقى المحك الحقيقي في التطبيق الفعلي على أرض الواقع، حيث درست الحكومة قبل 12 عامًا مقترحًا مشابهًا بإلزام المصانع كثيفة الاستهلاك بشراء نصف احتياجاتها من الطاقة المتجددة، أو الرياح، لتعميم استخدامها ورفع العبء عن كاهل الطاقة التقليدية.
مبادرة شمس مصر والتمويل الأخضر
ومن زاوية اقتصادية، يوضح الخبير في الاقتصاد الأخضر، هشام حجاج، أن مبادرة "شمس مصر"، التي طرحتها جمعية التنمية المستدامة للطاقة "سيدا"، يمكنها تسريع تبني الطاقة الشمسية وتحقيق وفورات مالية فورية، إذا دعمت الدولة مبادرات نشر أنظمة الطاقة الشمسية الموزعة في المنازل والمصانع والمواقع التجارية والمزارع والمناطق غير المتصلة بالشبكة.
وتعتمد هذه المبادرة على خفض التكاليف الاستثمارية الأولية، وتحفيز الطلب من خلال حزمة من الحوافز المباشرة، مقترحة توفير تمويل ميسر بفائدة 0% لمستخدمي الطاقة الشمسية، مع استهداف رفع العائد الداخلي على الاستثمار من 20% إلى 38% عبر إعفاء المكونات وعقود التنفيذ من الجمارك وضريبة القيمة المضافة لمدة خمس سنوات.
وتستهدف المبادرة تركيب قدرات تصل إلى 5 جيجاوات خلال خمس سنوات، مما قد يوفر نحو 500 مليون دولار سنويًا من دعم الغاز المستخدم في توليد الكهرباء.
ويشير حجاج إلى أن منهجية حساب وفر الغاز الطبيعي ضمن المبادرة، تعتمد على تحويل القدرة الإنتاجية للطاقة الشمسية لما يعادلها من وحدات حرارية وقيمة مالية، حيث يفترض نموذج "سيدا"، أن كل 1 ميجاوات من القدرة المركبة لإنتاج الطاقة الشمسية، يوفر نحو 10 آلاف مليون وحدة حرارية من الغاز سنويًا، وهو معيار يُستخدم للمقارنة مع بدائل التوليد التقليدية، خاصة المولدات العاملة بالسولار في المناطق غير المرتبطة بالشبكة. وبافتراض أن سعر الغاز المسال يبلغ 15 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية، يصبح الوفر السنوي لكل 1 ميجاوات نحو 150 ألف دولار.
ويؤكد حجاج ضرورة وجود تمويل مستدام ضمن الحزمة، وإنشاء صندوق لتمويل التوسع في الطاقة الشمسية، مقترحًا فرض رسم قدره قرش واحد لكل كيلووات في الساعة على فواتير الكهرباء، بما يوفر نحو 3 مليارات جنيه سنويًا.
كما يشمل مقترح التمويل فرض غرامات على الأنشطة كثيفة الانبعاثات وغير الملزمة لتوفير مصادر تمويل محلية مستقرة، مطالبًا في الوقت ذاته بفتح الباب أمام التمويل الأخضر الدولي لتسريع نشر الطاقة الشمسية، بما يقلل الاعتماد على الوقود المستورد ويعزز أمن الطاقة.
ويُعرّف التمويل الأخضر بأنه تمويل الاستثمارات الصديقة للبيئة، ويتضمن باقة واسعة من الأدوات التمويلية التي يجمع بينها شرط أساسي يتمثل في ألا يكون المشروع ملوثًا للبيئة، وتشمل هذه الأدوات السندات الخضراء، والقروض الخضراء، وسندات الاستدامة، وسندات المناخ، والسندات الاجتماعية، وتسعير الكربون، والسندات الزرقاء المخصصة لتمويل مشروعات تتعلق بالمياه، وصولًا إلى الصكوك الخضراء وهي منتجات متوافقة مع الشريعة الإسلامية.
لتبقى في النهاية، طموحات مواطنين كأحمد عبد السلام، في التخلص من فواتير الكهرباء المرتفعة عبر الطاقة الشمسية، حبيسة التكاليف الباهظة والتعقيدات الإجرائية، غير أن تطبيق الإعفاءات الضريبية وتفعيل مبادرات التمويل الأخضر الحقيقية، يمثلان المخرج الوحيد لتحويل هذا العبء إلى استثمار مُجدٍ، يجعل من الطاقة النظيفة واقعًا ملموسًا في كل منزل.وقو