أعلن حزب مستقبل وطن تحركات وتنقلات واسعة في هيكله التنظيمي، سواء في الأمانات المركزية والقيادات العليا، أو على مستوى المحافظات، ولا يبدو هذا الحراك الذي هندسه نائب رئيس الحزب والأمين العام، أحمد عبد الجواد، مجرد إعادة ترتيب إداري روتيني فقط، لكن عملية سياسية أيضًا تعيد ضبط ميزان القوة داخل الحزب.
اعتاد الحزب الذي تأسس في 2014 تقديم نفسه كآلة تسيطر على المشهد الانتخابي، بعد انتشاره في كافة المحافظات والمراكز، منذ توسعه في 2018 واجتذاب أعضاء جدد من الهيئات البرلمانية للأحزاب المختلفة، وخاصًة حزب المصريين الأحرار، الذي كان في المركز الأول بمجلس النواب بعد انتخابات 2015، ثم تلاشت هيئته البرلمانية تدريجيًا وانصهر أغلبها مع حزب مستقبل وطن، الذي حصل على الأغلبية في انتخابات 2020، وعلى الأكثرية البرلمانية في انتخابات 2025.
من إدارة الانتخابات لتثبيت النفوذ
تربط المصادر المختلفة داخل حزب مستقبل وطن، التغييرات التي أدارها عبد الجواد، بإعادة ترتيب الوضع بعد الانتخابات البرلمانية 2025، التي شهدت صعود المستقلين، الذين تجاوز عددهم مائة عضو في مجلس النواب، وخسارة مرشحي الحزب بعض المقاعد في مشهد غير معتاد لم يتوقعه الحزب نفسه، خاصًة بعد تدخل الرئيس لضبط المشهد الانتخابي وإعادة الانتخابات في أغلب الدوائر، سواء بقرار من الهيئة الوطنية للانتخابات، أو بموجب أحكام قضائية.
مع هذه الانتخابات التي هزت صورة الحزب رقم واحد في مصر، رجح البعض إجراء تغييرات جوهرية تبدأ من رأسه، وهو في وضع مستقبل وطن، ليس رئيس الحزب المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، لكنه أحمد عبد الجواد الذي تبلور دوره في قيادة الحزب في السنوات الأخيرة، وأصبح دينامو السياسات والقرارات التنظيمية، ولم تنل التغييرات من قوته ونفوذه، على العكس كانت انعكاسًا لإدارته وقراراته وسياسته ورؤيته للحزب في المرحلة اللاحقة، وكأنه ليس مسؤولًا عما جرى في تلك الانتخابات وإدارتها.
في ظل هذه القدرة الهائلة على البقاء واستمرار الهيمنة على القرارات في الحزب، أتذكر حوارًا صحفيًا للنائب المستقل عن نجع حمادي فتحي قنديل، ينفي فيه مسؤولية عبد الجواد وحده عما جرى في الانتخابات، إذ استبعد مستقبل وطن قنديل من قوائم مرشحيه الرسميين، فقرر خوض الانتخابات مستقلًا، وخسر المقعد في الجولة الأولى، ثم استعاده وحصل على أعلى الأصوات بعد قرار الهيئة الوطنية للانتخابات بإعادة الانتخابات مرة أخرى، في جميع دوائر قنا، كما أستعيد مشهد استقبال نواب حزب مستقبل وطن، وبعض المستقلين، لعبد الجواد في مبنى مجلس النواب، في العاصمة الإدارية الجديدة، لاستخراج بطاقة العضوية وإنهاء ترتيباتها قبل انعقاد المجلس، وكأنه استقبال القائد المنتصر.
من المجاملات إلى التوسعات
الحزب الذي لم نر له انتخابات قاعدية أو مركزية أعاد ترتيب الأمانات المركزية، خاصًة بعد استقالة بعض القيادات مثل النائب السابق إيهاب الطماوي، الذي كان يتولى أمانة الشؤون البرلمانية، بعد تعيينه في المجلس القومي لحقوق الإنسان، والبرلماني السابق أحمد السجيني، الذي كان يتولى أمانة شؤون المجالس المحلية.
على السطح، يبدو المشهد بسيطًا، إذ شهدت القرارات انضمام النائب محمد الوحش، وكيل مجلس النواب إلى قائمة نواب رئيس الحزب، مع استبعاد البرلماني السابق علاء عابد، كما شهدت التغييرات توسعًٍا في عدد الأمناء العام المساعدين، ليصل عددهم إلى 15 أمين عام مساعد، بعدما كان لا يتخطى أصابع اليد الواحدة.
وانتقل بمنصب أمين الشؤون البرلمانية في الحزب إلى النائب هشام الحصري، الذي تولى على مدار خمس سنوات، في الفصل التشريعي السابق، رئاسة لجنة الزراعة والري بمجلس النواب، وأصبح الآن نائبًا لعبد الجواد في رئاسة الهيئة البرلمانية، وهو ذاته الذي كان محل اختيار عبد الجواد رئيسًا للهيئة البرلمانية للحزب، بعد عزل البرلماني السابق أشرف رشاد، واستقبل الحصري وقتها النواب المهنئين، قبل أن يعيد المسؤولون عن إدارة المشهد الترتيب، ويقع الاختيار النهائي على النائب عبد الفتاح القصبي، لقيادة الهيئة البرلمانية لمستقبل وطن في 2023.
يقول قيادي في حزب مستقبل وطن، في تصريحات خاصة لـ"فكر تاني"، إن هذه التغييرات تحدث بصفة دورية كل فترة لضخ الدماء في الحزب، مضيفًا "نستشعر الأثر بشكل أكبر في المحافظات والعمل القاعدي عند الدفع بأمناء للمحافظات والمراكز وليس في القيادة المركزية".
يلفت المصدر، الذي تحفظ على نشر اسمه، إلى أن التوسع في عدد الأمناء المساعدين "جزء كبير منه ترضيات ومجاملات للشخصيات بعد تحريكها من مواقعها، مع الرغبة الحقيقية في الاستفادة ببعضهم على المستوى المركزي".
من أجل المحليات
تبدو انتخابات المجالس المحلية استحقاقًا انتخابيًا متوقعًا، خلال السنوات القليلة المقبلة، وتؤكد المصادر في حزب مستقبل وطن ارتباط بعض التغييرات التي شهدها الحزب بالعمل على استهداف الحصول على أغلبية المقاعد في انتخابات المجالس المحلية.
من هنا يمكن قراءة قرارات التغيير الأخيرة التي هندسها عبد الجواد، حينما اختار أستاذ الإدارة العامة والمحلية، صالح الشيخ أمينًا لشؤون المجالس المحلية، وهو الرجل الذي شغل منصب الرئيس السابق لجهاز التنظيم والإدارة.
الأكثر دلالة في هذا التحول هو إعادة الاعتبار للمحليات، ليس كملف خدمي فقط، لكنها شبكة نفوذ، خاصًة مع ربط وجود الشيخ بتغييرات طالت 17 موقعًا في المحافظات، ما بين تعيين أمناء جدد في 10 محافظات، وأمناء تنظيم جدد في 7 محافظات، وتتزامن هذه التغييرات مع تشكيل لجنة فرعية في مجلس النواب لإعداد قانون للإدارة المحلية، ووجود اتجاه يرجح إجراء الانتخابات المحلية في 2027.
وقد لا تخلو التحركات الأخيرة في الحزب من إعادة الهندسة استعدادًا لأي استحقاقات أخرى إن حدثت مثل التعديلات الدستورية، التي إن تم الاتفاق عليها سيكون الحزب وقواعده التنظيمية على الأرض محركًا أساسيًا فيها.
تبدو هذه التغييرات في الحزب وكأنها عاصفة تعصف بالثوابت وتحرك الساكن، لكنها بلا أثر في جوهرها، فما بين المجاملات من ناحية والرغبة في الحفاظ على النفوذ من جهة أخرى، لا يمكن قياس الأثر الحقيقي في الشارع من خلال حضور موسمي أو سيارات بيع السلع الغذائية بأسعار مخفضة أو تسهيلات في تقديم الخدمات في المحافظات المختلفة، مع غياب سياسات وإجراءات رقابية ومواقف توحي بانحياز حقيقي للمواطن، ولو على سبيل التغيير.