لم أتعرف على المصريين من خلال وسائل الإعلام، أو من الصور النمطية التي شاعت لفترة طويلة من الزمن. كانت أولى تجاربي في التعرف عليهم في سياق بحثي للدكتوراه عن الحركات الحقوقية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن خلال تواصلي مع عدد من النشطاء والباحثين المصريين، لم تكن الاختلافات ما شدّ انتباهي، بل أوجه التشابه.
من نبرة الحديث إلى حسّ الدعابة، ومن طبيعة الاهتمامات إلى طريقة التعبير عنها، في كثير من اللحظات، كنت أنسى أنني أتحدث مع أشخاص من بلد آخر.
على الرغم من بساطة التجربة، فإنها ذات دلالة عميقة، دفعتني إلى طرح سؤال أساسي، إذا كنا نحمل كل هذا القدر من القرب الإنساني والثقافي، فلماذا تبقى معرفتنا المتبادلة محدودة إلى هذا الحد، ومشروطة؟
تُمثّل إيران ومصر مجتمعين يحتلان مكانة خاصة في الذاكرة التاريخية للشرق الأوسط، ورغم ما بينهما من تقاطعات ثقافية وتاريخية وحتى وجدانية، فقد شهدت العقود الأخيرة نوعًا من التباعد على المستوى الاجتماعي. هذا التباعد لا يعكس بالضرورة اختلافات حقيقية، بل أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ"الانفصال الإدراكي"، وهو انفصال تشكّل عبر سرديات رسمية وإعلامية، وأحيانًا أيديولوجية.
في غياب التواصل المباشر بين الشعوب، تتشكل صورة "الآخر"، عبر وسطاء: الإعلام، والخطابات السياسية، أو الصور النمطية. وغالبًا ما تكون هذه المعرفة ناقصة، وأحيانًا مشوّهة. والنتيجة تكوين تصوّرات لا تستند إلى تجارب حياتية، بل إلى صور محدودة وغالبًا موجّهة.
غير أن هذا الواقع لم يعد حتميًا كما كان في السابق. فمع انتشار الإنترنت والسوشيال ميديا، أصبحت الحدود التقليدية للتواصل أقل صلابة. ولأول مرة في التاريخ المعاصر للمنطقة، بات بإمكان الأفراد أن يتواصلوا بشكل مباشر، بعيدًا عن الروايات الرسمية، وأن يبنوا فهمًا أكثر واقعية لبعضهم البعض. غير أن الأهم من مجرد التواصل، هو نوعية هذا التواصل.
ما نحتاجه هو "معرفة متبادلة غير وسيطة"، معرفة تنشأ على مستوى المجتمع، لا تُفرض من أعلى. مثل هذه المعرفة قادرة، مع الوقت، على تفكيك الصور النمطية، وتقليل سوء الفهم، وخلق نوع من التضامن العابر للحدود. في كثير من الأوقات، ما لفت انتباهي في تفاعلي مع المصريين كان تلك البساطة والصدق في التعامل، وهي سمات يمكن ملاحظتها بسهولة في العلاقات الاجتماعية داخل إيران أيضًا.
وكأن هذه الخصائص ليست وطنية بقدر ما هي إقليمية ومشتركة. هذه التشابهات، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل دلالة مهمة، فالمسافة بين مجتمعاتنا ليست واقعية بقدر ما هي نتاج لغياب التواصل.
من هذا المنظور، فإن غياب التواصل ليس مجرد فراغ اجتماعي، بل قد تكون له تداعيات سياسية وحتى أمنية. فقد أظهرت التجارب التاريخية أن الجهل بالآخر، وسوء تصوّره، يشكلان أرضية خصبة للتوتر، وانعدام الثقة، بل وحتى الصراع. في المقابل، فإن التعارف المباشر -حتى في حدوده الدنيا- يمكن أن يضعف هذه الديناميكيات.
في هذا السياق، تقدم التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية مثالًا جديرًا بالتأمل. فبعد حربين مدمرتين، أدركت الدول الأوروبية أن السلام الدائم لا يمكن أن يقوم فقط على الاتفاقات السياسية بين الحكومات، بل يحتاج إلى بناء روابط أعمق بين المجتمعات، وقد ساهمت سياسات مثل تسهيل التنقل، وبرامج التبادل الطلابي، وإنشاء مؤسسات مشتركة، في تعزيز التقارب الاجتماعي والثقافي بين الشعوب.
ومع مرور الوقت، ساهم ذلك في تقليص العداءات التاريخية وترسيخ ثقافة التسامح. وبطبيعة الحال، لا يمكن إسقاط التجربة الأوروبية على الشرق الأوسط بشكل مباشر، نظرًا لاختلاف السياقات التاريخية والسياسية، لكن الفكرة الأساسية، أي دور التواصل الإنساني في تقليل التوتر، تظل ذات أهمية ويمكن الاستفادة منها. في منطقة لا تزال تعاني من أزمات متراكمة، من انعدام الثقة السياسية إلى الانقسامات الاجتماعية، ربما آن الأوان لإعادة توجيه الاهتمام -ولو جزئيًا- من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمع. إن تعزيز التواصل بين الإيرانيين والمصريين، وبين شعوب المنطقة عمومًا، قد يشكل خطوة صغيرة، لكنها ذات مغزى، نحو بناء الثقة وتقليص الفجوات.
هذا التواصل لا يعني تجاهل الاختلافات أو التعقيدات السياسية، بل يعني خلق مساحة يُعاد فيها تعريف "الآخر" من خلال التجربة والحوار، لا من خلال الأحكام المسبقة. وربما يمكن القول إن أحد الشروط الأساسية لتحقيق سلام مستدام في الشرق الأوسط، لا يكمن فقط في الاتفاقات السياسية، بل في بناء نوع من "التعايش الإدراكي" بين الشعوب، وهو أمر لا يمكن تحقيقه دون تواصل مباشر وإنساني.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا، إذا كانت كل هذه القواسم المشتركة قائمة، فلماذا لا نزال بعيدين عن بعضنا البعض؟ والأهم، ألم يحن الوقت لردم هذه المسافة ولو بشكل تدريجي؟