رسالة من 3 احتجاجات في عيد العمال.. "إدونا الحد الأدنى المرتب مبيكفيش"

قبل أيام قليلة من حلول عيد العمال الذي يوافق الأول من مايو، دخلت ثلاثة مواقع عمالية في احتجاجات ممتدة وصلت إلى حد إطفاء الماكينات والاعتصام داخل مقرات الشركات.

وقد امتدت هذه التحركات من عمال شركة أمون للأدوية بمدينة العبور، مرورًا بعمال شركة العامرية للغزل والنسيج بالإسكندرية، وصولًا إلى محصلي فواتير شركة مياه الشرب والصرف الصحي في مدينة بنها، والمشترك بين هذه المواقع الثلاثة، إلى جانب الإضراب عن العمل، هو عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، مما يعني تدهور الأوضاع المعيشية للعمال في ظل تضخم متسارع لا يكفيه الحد الأدنى الذي أعلنته الحكومة.

وفي شركة أمون للأدوية، على سبيل المثال، لم يصل راتب العامل إلى نصف الحد الأدنى للأجور الحالي، البالغ 7 آلاف جنيه، ورغم أن الأمور بدأت تتجه نحو التهدئة في المواقع الثلاثة، حيث فض العاملون احتجاجاتهم بعد تلقي وعود بتنفيذ بعض مطالبهم، يظل الوضع على حافة الانفجار، لأن الإدارات لا تنظر سوى للأرباح على حساب أدوات الإنتاج الحقيقية، مما دفع العمال إلى وقف عملية الإنتاج ذاتها قبل عيدهم بأيام قليلة.

أزمة أجور في مصانع الأدوية

قبل أسبوع من نشر هذا التقرير، دخل أكثر من 2000 عامل في شركة أمون للأدوية في إضراب شامل عن العمل، احتجاجًا على تدني رواتبهم التي استقرت عند 3200 جنيه، رافعين 7 مطالب رئيسية للإدارة، شملت إعادة هيكلة الأجور، ومساواتهم بالعاملين في الشركة الأم (أرسيرا)، إلى جانب صرف الأرباح المتأخرة وحسابها على أساس آخر أجر تقاضوه.

و"أمون للأدوية" شركة مساهمة مصرية أُنشئت عام 1998، ويقع مصنعها بمدينة العبور، حيث تنتج أكثر من 230 مستحضرًا دوائيًا، وقد استحوذت عليها شركة أبو ظبي القابضة في عام 2021 في صفقة بلغت قيمتها 740 مليون دولار، وذلك قبل أن تطلق الشركة الإماراتية كيانًا جديدًا باسم "أرسيرا"، ليجمع تحت مظلته الأصول التي تملكها في مجال تصنيع الدواء، ومن ضمنها شركة أمون

وجاء إضراب العمال تتويجًا لغضب متراكم ومطالب مستمرة بعدالة الأجور، وذلك بعد سنوات من تجميد الدخل ووعود متكررة بتصحيح الأوضاع، في حين ظلت تكاليف المعيشة في ارتفاع مستمر. وفي أثناء الإضراب، تقدم العمال بشكوى رسمية إلى مكتب القوى العاملة وهيئة الرقابة الإدارية، بسبب عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، وهو ماردت عليه الشركة بالتجاهل في اليوم الأول، ثم اقترحت في الثاني فض الإضراب والعودة المؤقتة إلى العمل، على أن تُعقد جمعية عمومية بعد شهرين لمناقشة المطالب في حضور العمال.

لكن عمال أمون رفضوا هذا المقترح بشكل حاسم، معتبرين أن الشركة سبقت ووعدتهم من دون أن تفي بوعودها، في موقف يوضحه أحد العاملين، الذين تحدثت إليهم "فكر تاني"، قائلًا إن عرض الإدارة جاء عبر مكالمة فيديو من مقرها في أبوظبي بينما كان العمال متجمعين في المصنع بالعبور، مما جعلهم يعتبرون العرض مجرد مناورة لاستهلاك الوقت دون تقديم حلول حقيقية.

وعلى أرض الواقع، رفع العمال شعارًا موحدًا للمطالبة بتصحيح هيكل الأجور، وهتفوا بصوت واحد "واحد ...اتنين..حق العامل فين، أصحاب الشركة فين، عايزين حقوقنا".

ويضيف العامل الذي رفض ذكر اسمه، قائلًا "كل حاجة بتغلى إلا المرتب ثابت. مطالبنا الأساسية تشمل مراجعة شاملة لنظام الأجور، وصرف المستحقات المتأخرة". وما زاد من تأزم الموقف هو تحقيق الشركة مبيعات قياسية في العام الماضي اقتربت من 10 مليارات جنيه، لكنها لم تنعكس على جيوب العمال، وإنما اقتصر أثرها على تغيير أسطول سيارات مديري الشركة وفقًا لشكوى العمال.

وبعد أيام من الإضراب والمحاولات الإدارية لفضه عبر التهديد، أعلنت دار الخدمات النقابية والمفوضية المصرية للحقوق والحريات تضامنها مع العمال، مطالبة بتنفيذ حقوقهم والتأكيد على عدم قانونية تهديدهم بسبب ممارستهم لحق الإضراب.

وأوضحت دار الخدمات، في بيان، أنه بعد استحواذ الشركة الإماراتية، تحول العاملون في أمون إلى عمالة رخيصة تفتقر للحماية وتضخ أرباحًا طائلة إلى الخارج. ووصفت الدار ما يجري داخل أسوار الشركة بأنه يتجاوز مجرد النزاع الإداري، مؤكدة وجود فجوة كبيرة بين الأداء المالي الممتاز للشركة وأوضاع العاملين فيها، حيث حققت مبيعات تُقدّر بنحو 9.8 مليار جنيه بمعدل نمو يصل إلى 18%.

من جانبها، أعلنت المفوضية المصرية، توثيق شهادة عمالية تشير إلى سياسات إدارية مجحفة لرئيس مجلس إدارة الشركة، أدت، حسب وصفهم، إلى خلق تفاوت هيكلي صارخ في منظومة الأجور بين العمال والموظفين الإداريين، فضلًا عن غياب أي تدرج وظيفي عادل.

ولا يزال قطاع واسع من العمال يتقاضى أجورًا تقل عن 6 آلاف جنيه شهريًا، رغم قضائهم أكثر من 10 سنوات في الخدمة.

وأمام هذا الصمود، وبعد مرور سبعة أيام من الإضراب، اضطرت إدارة الشركة لعقد مفاوضات مع ممثلين عن العاملين، طرحت خلالها حزمة من الإجراءات تضمنت صرف مكافأة استثنائية تُضاف إلى رواتب شهر يونيو من عام 2026 لجميع العاملين، مع تحديد جدول زمني لا يتجاوز شهرًا لدراسة المطالب والإعلان عن نتائجها.

كذلك شملت الوعود إيفاد ممثلين من المقر الرئيسي لمتابعة عدة ملفات هامة، تتضمن إعادة النظر في هيكل الأجور والحوافز، وصرف الترقيات المتأخرة، وتحسين المزايا المقدمة، وتثبيت العمالة المؤقتة، وتعديل منظومة التأمين الطبي للعاملين وأسرهم، كما التزمت الإدارة بفتح قنوات لبحث مطالب باقي العاملين، وتعهدت بعدم اتخاذ أي إجراءات قانونية ضد المشاركين في الإضراب، وذلك مقابل التزام العمال بلوائح الشركة، وعدم تداول أو نشر أي معلومات داخلية عبر السوشيال ميديا أو وسائل الإعلام، وفي المقابل، أعلن العمال تعليق إضرابهم مع انطلاق جلسات التفاوض، في خطوة تعكس رغبتهم في منح فرصة حقيقية للمسار التفاوضي، وسط حالة من الترقب لمدى التزام الإدارة بتنفيذ ما طُرح من تعهدات خلال الأيام المقبلة.

غزل بلا نسيج وأجور تتوقف عن الدوران

ولم يختلف مسار التفاوض كثيرًا في مدينة الإسكندرية، حيث اتخذت إدارة شركة العامرية للغزل والنسيج نهجًا مشابهًا، بعد أسبوعين من إضراب العمال عن العمل، إثر اجتماع مع القائم بأعمال الرئيس التنفيذي محمد سيد عبد السلام، الذي قدم وعودًا بتنفيذ المطالب خلال الشهر المقبل.

وكانت شرارة هذا الإضراب قد انطلقت من قسم التجهيزات، حين فوجئ العمال بقرار زيادة الأجور للحاصلين على مؤهل دراسي عالي بنسبة 30% من الأجر الثابت، بينما خُصص مبلغ مقطوع قدره 250 جنيهًا فقط للمؤهلات المتوسطة، وغير الحاصلين على مؤهل دراسي، ما أدى إلى تصاعد موجة الغضب داخل جدران الشركة ودفع العمال نحو الإضراب، الذين قال أحدهم، إن "هذه الزيادة غير عادلة وتفاقم الفجوة بين الأجور بالشركة، خاصة وأن ارتفاع الأسعار المتواصل جعل الرواتب الحالية عاجزة عن تلبية الاحتياجات اليومية".

وأضاف العامل الذي تحدث لـ"فكر تاني"، شريطة عدم الكشف عن هويته، قائلًا "أعباء العمل زادت والدخل ثابت، على الجميع مؤهل متوسط أو عالي".

وأضرب العمال في مارس الماضي احتجاجًا على زيادة مفاجئة في قيمة الاستقطاعات من رواتبهم، بالإضافة إلى إجبارهم على أخذ إجازة يوم الخميس من كل أسبوع لتقنين هذا الاستقطاع.

وتسيطر على عمال شركة مصر العامرية للغزل حالة من الشعور بعدم الاستقرار وتآكل الأجور، مما يجعلهم يعيشون قلقًا مستمرًا بشأن أوضاعهم المعيشية، ولا تنحصر أزمتهم في ضعف الأجر المادي فحسب، وإنما تمتد لتشمل غياب الإحساس بالاستقرار الوظيفي وترسخ مبدأ عدم المساواة والتمييز في الأجور داخل الشركة.

وقد حاولت الإدارة إنهاء الإضراب الحالي قبل بدء التفاوض الفعلي عبر تهديد العمال بنقلهم من أقسامهم، مستهدفة بشكل خاص قسم التجهيز الذي انطلقت منه شرارة الاحتجاج، لكن العمال أعلنوا لاحقًا إنهاء الإضراب لإتاحة الفرصة أمام التعهدات المطروحة، مع التمسك بمطالبهم المتمثلة في رفع بدل المخاطر إلى 500 جنيه، وزيادة الأجور بنسبة 25% من الأساسي، وتطبيق الحد الأدنى للأجور، ورفع حافز التجهيز إلى 700 جنيه، إلى جانب إقرار زيادة سنوية قدرها 100 جنيه عن كل سنة خدمة، ووقف التعاقد مع مستشارين يتقاضون رواتب مرتفعة.

محصلو العمولة يطالبون بأجور عادلة وعقود دائمة

وفي محافظة القليوبية، لا يختلف المشهد العام كثيرًا، غير أن التفاصيل هناك تبدو أكثر قسوة وتعقيدًا.

ففي يوم الثلاثاء قبل الماضي، نظم محصلو فواتير المياه التابعون لشركة مياه الشرب والصرف الصحي وقفة احتجاجية أمام مقر الشركة في مدينة بنها، رافعين مطلبًا أساسيًا عبروا عنه بقولهم "التثبيت، أو إعادة صياغة العقود لتمنحنا راتبًا ثابتًا كموظفي الشركة".

وهؤلاء العمال يمضون في خدمتهم منذ أكثر من تسع سنوات، ورغم ذلك ما زالوا أسرى لعقود تعتمد نظام العمولة وتتجدد تلقائيًا، وهي عقود تمنحهم بطاقات صحية وحقوقًا تأمينية شكلية، وتترك جيوبهم شبه خاوية في نهاية المطاف، وذلك وفقًا لشهادات ثلاثة منهم تحدثوا لـ"فكر تاني".

وعن هيكل هذا الراتب المهلهل، يقول أحد العمال طالبًا عدم نشر اسمه، "500 جنيه فقط كراتب أساسي في العقد، و350 جنيهًا بدل انتقال، وعمولة تحصيل "بيرم" لا تتجاوز في أفضل أحوالها 2500 جنيه، ليصبح المجموع الأقصى 3350 جنيهًا".

ومصطلح "البيرم" عبارة متداولة بين العاملين تعني الفائض أو البقشيش الذي يتركه دافع الفواتير عند التحصيل.

والواقع اليومي أكثر مرارة من هذه الأرقام، إذ نادرًا ما ينجح المحصل في بلوغ هذا الحد الأقصى بسبب هندسة إدارية بالغة التعقيد، فالعقود تمنح المحصل نسبًا متدرجة تصل إلى 1.5% من المتحصلات إذا حقق نسبة تحصيل تتراوح بين 70 و75%، وبحسب أحد العمال فإن الإدارة "بتخترع أساليب" لعرقلة الوصول لهذه النسب.

وتقوم الإدارة بتوزيع فواتير بمبالغ خيالية مسجلة على محلات مغلقة منذ سنوات، أو تعمد إلى تكرار نفس الفاتورة المستحيلة شهرًا تلو الآخر لضمان عدم بلوغ أي محصل نسبة الثلاثة في المائة.

ويصف أحد العاملين هذه الممارسات الإدارية بأنها "إيقاع متعمد"، قائلًا إن مطالبهم واضحة وتتركز حول تعديل الراتب الأساسي ليكون عادلًا، مع جعل العمولة مجرد حافز إضافي لمن يحقق نسبًا استثنائية أسوة بالمحصلين المعينين رسميًا.

ورغم وضوح المطالب، تستمر الإدارة في رفض الاستماع للأصوات المحتجة، ليتساءل أحد العمال بمرارة "نعمل إيه في الغلاء ده بـ2000 أو 3000 جنيه؟ إزاي نقدر نعيش ونعيش ولادنا؟". وبناءً على ذلك، يطالب العمال بتوفير مرتب ثابت لا يقل عن 6 آلاف جنيه، وهو الحد الأدنى الذي شرعت شركات مياه أخرى في تطبيقه بالفعل. ويمثل هذا التحرك فصلًا جديدًا في سلسلة احتجاجات لا تتوقف وربما تستمر طويلًا، لتثبت أن معركة الأجور العادلة لم تعد تحتمل المزيد من الانتظار.

ولم تبدأ قصة محصلي المياه في هذه اللحظة، وإنما انطلقت شرارتها منذ العام الماضي بـاحتجاجات شملت أكثر من موقع للمطالبة بزيادة الأجور والتثبيت، دون أن تفضي إلى أي حلول ملموسة.

ومع نهاية هذا الأسبوع الذي اتسم بالتصعيد العمالي تزامنًا مع اقتراب عيد العمال، بدأت ملامح انفراجة حذرة في الظهور على السطح، تبلورت بعدما دخلت الأطراف المعنية في مفاوضات أسفرت عن تهدئة الأوضاع في المواقع الثلاثة، وإن كانت تهدئة مؤقتة.

لا شك أن الاحتجاجات قد توقفت "إلى حين" في شركة أمون للأدوية، وشركة العامرية للغزل، وشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقليوبية، غير أن الأزمة الحقيقية لم تنتهِ بعد، ويبدو أنها لن تجد طريقها إلى النهاية إلا بحصول العمال على كامل حقوقهم المشروعة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة