الصحفي توفيق غانم.. حين يصبح انتظار العدالة عقوبة

خلف الجدران الباردة يمر الوقت ثقيلًا وموحشًا على جسد منهك تجاوز السادسة والستين من عمره، هناك يقبع الصحفي توفيق غانم وحيدًا مع أمراضه المتعددة وذكريات مهنة شغف بها طويلًا قبل أن يتوقف عنها منذ سنوات، تاركًا خلفه عائلة وأصدقاء وتلاميذ يترقبون عودته بمزيج من الخوف والأمل.

لم يكن ذلك الرجل يتوقع يومًا أن تقاعده الهادئ عن العمل الصحفي، سيقوده إلى زنزانة تسرق من عمره قرابة 5 سنوات كاملة من دون حكم قضائي أو نهاية واضحة.

تتجاوز قصة غانم حدود صحفي وجد نفسه فجأة قيد الاحتجاز الطويل، لتمثل نموذجًا لمعاناة ممتدة مع الحبس الاحتياطي الذي يتخطى الحدود القانونية المقررة، ويتحول إلى عقوبة بحد ذاته.

واليوم ومع استمرار تأجيل محاكمته، تتجه الأنظار مجددًا إلى ذلك الملف الإنساني والقانوني المعقد، لتطرح تساؤلات ملحة عن مصير رجل يصارع الزمن والمرض خلف القضبان، في انتظار عدالة تبدو بطيئة الخطى.

ليلة غيرت مسار الحياة

في 21 مايو عام 2021، تبدلت حياة أسرة غانم تمامًا عندما اقتحمت قوات الأمن منزله وفتشته، مصادرة هاتفه ولابتوبه، لـيختفي بعدها قسريًا لخمسة أيام، قبل أن يظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا، ليبدأ فصلًا جديدًا من معاناته.

ويواجه غانم، الذي أوشك على إتمام 5 سنوات كاملة في الحبس الاحتياطي، على ذمة القضية رقم 238 لسنة 2021 حصر أمن دولة عليا، حزمة من الاتهامات تشمل "الانضمام إلى جماعة محظورة ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام إحدى شبكات التواصل الاجتماعي".

ورغم أن القانون المصري يحدد الحد الأقصى للحبس الاحتياطي بعامين اثنين، فقد استمر تجديد حبس الصحفي الستيني مرات متتالية، من دون تمكينه من الطعن في قانونية هذا الإجراء الممتد، حتى أحيل مؤخرًا إلى المحاكمة.

وفي هذا السياق أوضح المحامي محمد الحلو، أن المحكمة قررت، السبت الماضي، تأجيل جلسة محاكمة توفيق غانم إلى 23 من يونيو المقبل لسماع الشهود، مما يعني تمديد فترة معاناته في السجن لأشهر إضافية.

وتناولت التحقيقات آراءه السياسية وعمله السابق مديرًا للمكتب الإقليمي لوكالة الأناضول للأنباء في القاهرة، ورئيسًا لتحرير موقع إسلام أونلاين، على الرغم من حقيقة أنه انقطع عن ممارسة أي نشاط صحفي أو إعلامي منذ عام 2015، ولم تصدر النيابة العامة أي تعليق رسمي يوضح موقفها من هذه التفاصيل، أو يرد على التساؤلات المثارة حول قانونية استمرار احتجازه كل هذه المدة.

الصراع مع المرض

وبعيدًا عن أروقة المحاكم ومحاضر التحقيقات، يخوض غانم معركة أخرى أشد ضراوة وقسوة ضد المرض، فجسده المنهك يواجه تحديات صحية جسيمة داخل محبسه في سجن بدر 1.

ويقول المستشار القانوني للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، في تصريح لـ"فكر تاني"، إن "غانم محبوس في سجن بدر 1 وفي وضع صحي صعب، فهو مصاب بمرض السكري، وورم أسفل الكلى، كما أنه يعاني من تضخم في البروستاتا، وأمراض أخرى بسبب تقدمه في السن، ويحتاج إلى أدوية بشكل يومي".

ويهدد هذا التدهور الصحي المتسارع حياة غانم، الذي سارعت أسرته منذ اللحظات الأولى للاعتقال بإصدار بيان يطالب بإخلاء سبيله فورًا ولو بتدابير احترازية، مراعاة لحالته الصحية الحرجة التي تتطلب تدخلًا طبيًا عاجلًا.

وعلى الصعيد الدولي وجهت منظمة العفو الدولية، في مايو 2022 بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لاحتجازه، نداءً مباشرًا للرئيس عبد الفتاح السيسي للتدخل وإطلاق سراحه، مؤكدة في بيانها الرسمي، أن «توفيق غانم حُرم من الرعاية الصحية الكافية ويُحتجز في ظروف مروعة». وامتدت دوائر التضامن لتشمل نقابة الصحفيين، حيث بادر النقيب خالد البلشي، في فبراير الماضي، بتقديم مذكرة رسمية إلى النائب العام يطالب فيها بضرورة الإفراج عن جميع الصحفيين، الذين تجاوزوا مدة العامين في الحبس الاحتياطي، وكان توفيق غانم في صدارة هذه القائمة.

وتزامنًا مع التحركات الرسمية أطلق تلاميذه وأصدقاؤه العديد من الحملات الإعلامية المكثفة عبر السوشيال ميديا، للإبقاء على قضيته حية، كما أصدرت منظمات حقوقية بارزة تضم المفوضية المصرية للحقوق والحريات ومؤسسة حرية الفكر والتعبير ومركز النديم والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، بيانًا مشتركًا، أدان البيان استمرار احتجازه محملًا وزارة الداخلية المسئولية الكاملة والمباشرة عن حياته وسلامته، خاصة مع حاجته الماسة لرعاية طبية متخصصة لمتابعة تضخم البروستاتا، ومشاكل العظام ومرض السكري، الذي يستلزم نظامًا علاجيًا وغذائيًا دقيقًا.

وحتى يحين موعد الجلسة القادمة في أواخر يونيو المقبل، يبقى السؤال معلقًا، إن كانت ستنتهي قريبًا رحلة معاناته التي استمرت خمس سنوات، أم أن جدران السجن ستظل الشاهد الوحيد عليها، في انتظار انفراجة قد تتأخر كثيرًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة