الأحوال الشخصية.. مواجهة بين ترميم القديم والبحث عن التغيير

بينما كان الشارع الحقوقي يترقب تعديلات جوهرية لمنظومة قوانين الأحوال الشخصية العتيقة التي تجاوزت مائة عام، جاء مشروع القانون المتكامل الذي دفعت به النائبة فاطمة عادل، عضوة مجلس النواب عن حزب العدل، ليثير عاصفة من التساؤلات عوضًا عن الارتياح.

وما بين بنود رآها البعض محاولة ترميمية لمنظومة متهالكة، ورؤية حقوقية تعتبره إعادة إنتاج لأدوات الماضي وفلسفة القانون الصادر منذ العشرينيات، بدأنا مواجهة شرسة في الجلسة الحوارية التي نظمتها "فكر تاني"، لم تقتصر على تفاصيل إجرائية فحسب، وإنما عكست صدامًا عميقًا بين فلسفتين متناقضتين، إحداهما حزبية تحاول مغازلة موازين القوى التقليدية تحت مسمى التوازن، والأخرى حقوقية تقودها مؤسسة قضايا المرأة، وتسعى جاهدة للحفاظ على المراكز القانونية المتساوية بين النساء والرجال، بعيدًا عن استمرار مفاهيم الطاعة ومقايضة حقوق النساء والأطفال.

وانطلاقًا من أزمة تخفيض سن الحضانة إلى التاسعة التي تبناها حزب العدل، ومرورًا بإسقاط الحضانة عن الأم المتزوجة، وصولًا إلى استدعاء بيت الطاعة، تتكشف تفاصيل هذا الاشتباك الحزبي الحقوقي، الذي دافعت عنه النائبة فاطمة عادل، مشيرة إلى أن العمل عليه استغرق وقتًا طويلًا، قائلة "في حزب العدل عملنا على ملف الأحوال الشخصية بقالنا فترة كبيرة جدًا من قبل الانتخابات، يمكن في أجندة الحزب نفسه، يعني حاطين في صفحة 32 ملف الأحوال الشخصية، وأنا كنت معنية جدًا بالملف ده".

وشددت النائبة على أن الهدف الأسمى يتلخص في "أن يحقق التوازن داخل الأسرة سواء للرجل أو المرأة، وأهم حاجة عندنا هي المصلحة الفضلى للطفل"، مضيفة "للأسف الرجال حاسين بظلم كبير جدًا من القانون الحالي، فإحنا بصورة أو بأخرى حاولنا معالجة هذه الشكاوى، وفي نفس الوقت وضعنا ضوابط تضمن للنساء حقوقها، يعني إحنا مش هنيجي على طرف على حساب طرف".

ومع ذلك، لم تبدُ فلسفة مشروع القانون المقدم من حزب العدل حريصة على المساواة والمراكز القانونية المتكافئة، وذلك على العكس تمامًا من الرؤية التي خرج بها مشروع القانون المطروح من مؤسسة قضايا المرأة المصرية، الذي يُتوقع أن تتبناه إحدى النائبات وتقدمه في مجلس النواب، وفي هذا السياق، يشير المحامي والمستشار القانوني للمؤسسة عبد الفتاح يحيى إلى فلسفة مشروعهم التي حاولت تطبيق "العدالة والمساواة والإنصاف ولا يكون هناك إنصاف طرف على حساب طرف، وإعلاء فكرة المصلحة الفضلى للطفل في ظل منظومة عدالة متكاملة".

وفي المقابل، تدخلت المحامية مها أبو بكر، لترفض الانزلاق إلى فخ التصنيف، قائلة بحسم "الطفل ليس ملك الأسرة، الطفل ملك المجتمع. أنا ليا مصلحة في ابن جارتي لأنه هيبقى المهندس بتاع بكرة والدكتور بتاع بكرة والصنايعي بتاع بكرة، وبالتالي وأنا بحط القانون لازم يكون ده قدام عينيا"، مضيفة "فكرة إن أنا أقول الستات ولا الرجالة أنا لازم أخرج من الخناقة دي أصلًا. يعني أنا لو فضلت تحت ابتزاز وضغط إنه أصل الرجالة حاسة إن هي عيني مظلومة، لأ أصل الستات مش عارفة إيه، ده أصلًا هيطلعنا في قانون مشوه ومش هيدينا اللي إحنا عايزينه منه للمصلحة الفضلى بقى للطفل اللي هي المصلحة الفضلى للبلد، ده رقم واحد". وتشدد أبو بكر على قاعدة أساسية مفادها أن "القانون قاعدة عامة مجردة، والعدالة عمياء، يعني المفترض إنه العدالة معصوبة العينين لأنها لا ترى شكل الإنسان".

بيت الطاعة وإعادة إنتاج الماضي

تصوير: أيمن السياري ودينا عبد العزيز - فكر تاني

لم يغير حزب العدل من فلسفة طلب الزوجة في بيت الطاعة، حيث حافظ مشروع القانون الجديد على النصوص الحالية. وتقول النائبة فاطمة عن المادة الـ20 من مشروع القانون "خلال 30 يوم يمكن للزوجة أن تقدم بطعن على القرار، ولكن لو المكان أصلًا كان غير مؤهل أو السيدة كان ليها أسباب إنه المكان غير قابل إن هي تعيش معاه، أو إنه ليها أسباب أخرى للضرر إني مش هقدر أعيش مع زوجها، ففي المادة اللي بعدها حاطين إن هي يكون ليها حق طلب التطليق".

وعلى الجانب الآخر، يلغي مشروع القانون المطروح من مؤسسة قضايا المرأة فكرة بيت الطاعة تمامًا، لأنه ينطلق من فلسفة أكثر حداثة، ويوضح عبد الفتاح يحيى أن "عقد الزواج عقد خاص بحقوق والتزامات، في حقوق يقابلها التزام بالنسبة للرجل وفي التزامات يقابلها حقوق بالنسبة للست. في حالة الإخلال بالحقوق والالتزامات يترتب عليها إجراءات في فكرة إنه النفقة ما تكونش مستحقة ليها إذا كانت خارجة لسبب إنها مش عايزة تكمل الحياة الزوجية معاه، عايزة تنفصل عن العلاقة الزوجية، ففي الحالة دي بتوقف النفقة، مش على مبدأ الطاعة لكن على فكرة الحقوق والالتزامات".

ويفصل يحيى هذه الرؤية، قائلًا إن الزوج "عنده التزام تجاه البيت، وهنا فكرة الالتزام ليس مالي فقط، لأننا نرى أن فكرة الإنفاق ليست على الرجل فقط في حالة اليسار، ممكن الست تنفق لحين اليسار، ويكون دين في ذمة الرجل ويتم استيفاؤه إذا كان عن طريق الوسائل المختلفة أو عن طريق البيت. رعاية الأطفال، رعاية الأطفال مشتركة للإثنين، فهنا عليه التزام وهي عليها التزام، في حق مقابل للالتزام. هي فكرة الأكبر من فكرة إن طاعة لكن هي فكرة مساواة، عندي حق ومقابله التزام".

وفي غضون ذلك، التقطت المحامية مها أبو بكر الخيط التاريخي والحقوقي لتشرح كيف أن الطاعة تندرج تحت مفهوم "لي الذراع"، قائلة "إن مشروع العدل لا يقدم تعديل أصلًا، هو ده نفس النص المضاف في القانون الحالي، هي مش بس منظومة قديمة، هي كمان منظومة تجبر الزوجة على أن تعيش رغمًا عنها لو ليس لديها مصدر رزق آخر"، مضيفة "إنتي بتلوي دراع الست بإنه إيه، أصل أنا مش هصرف عليكي".
وتابعت مها في نقدها اللاذع للمقترح القادم من حزب يُوصف بالليبرالية، قائلة "حزب ليبرالي مقدم فكرة الطاعة اللي من 120 سنة النهاردة، اللي بالمناسبة كانت في أول قانون الست بتتشد جبرًا لمنزل الزوجية، لولا إن الرئيس جمال عبد الناصر تدخل في هذا الأمر بعد فيلم سينمائي لهدى سلطان وفريد شوقي، واتصدم وقال هي الستات في مصر بتعيش غصبًا عنها؟ فإحنا بنعيد إنتاج الآلة مرة أخرى يعني بنفس الطريقة هي دي الفكرة". وتربط المحامية فكرة الطاعة بمصطلح النشوز مضيفة "أصل الطاعة دي مترتب عليها إيه؟ النشوز. ففكرة النشوز طول الوقت بيتكلموا الست ناشز، ومش شايفين إن في نشوز للرجل. ومش شايفين إن هما شايفين إن ده وصمة مجتمعية إن هي تكون ناشز، ومش شايف إنه هو لما يخل بكل التزاماته الزوجية أو الإنسانية تجاه زوجته أو تجاه بيته إن هو كمان مش ناشز. فدي بردو قصة، هو ده اللي بنتكلم فيه فكرة الصلف والاستعلاء وإنه له عليها درجة لمجرد أنه ذكر وليس رجل، ودي كارثة كبيرة جدًا الفلسفة بقى".

ومن زاوية أخرى، ينتقل المحامي عبد الفتاح يحيى إلى واقع إنذار الطاعة في المحاكم متسائلًا "الراجل بيعمل إيه في إنذار الطاعة لو خليناه بنفس الكيفية اللي موجودة في 1920؟ بيعمل إنذار النهاردة هي تروح تعمل عليه اعتراض، يعمل لها إنذار بكرة وبعده وبعده، وهي مفترض إنها تعمل إيه؟ تعمل اعتراض على كل إنذار من الإنذارات دي لا يعدي الـ 30 يوم ويروح يرفع دعوى نشوز. لا يقع منها واحد، اه، والأزمة بقى إنها محتاجة إنها تمشي في إجراءات الاعتراض أول درجة واستئناف ونشوز، تخيلي مع كل واحد في 30 قضية"، وموضحًا في الوقت عينه "لما أضعه في 2026 كما هو أنا أقر التلاعب من الأفراد اللي موجود في المحكمة بشكل قانوني".

سن الحضانة والطفل بين التمييز والتخيير

تصوير: أيمن السياري ودينا عبد العزيز - فكر تاني

يتبنى مشروع حزب العدل خفض سن الحضانة إلى تسع سنوات، وتفسر النائبة فاطمة عادل هذا الاتجاه بقولها "علشان 9 ده هو سن التمييز، يعني الطفل عند 9 سنوات يقدر إنه يميز أو يقدر إنه يختار، عنده القدرة على الاختيار". وتشير فاطمة إلى قدرة الطفل على الاختيار رغم أن النص المقترح لا يخيره في التاسعة، وإنما يترك القرار للسلطة التقديرية للقاضي الذي "يستمع للطرفين الحاضن الأساسي ثم الحاضن في المرتبة التالية ويعرف دوافع كل منهما ويختار الأصلح للطفل". وتبرر النائبة التخفيض من خمسة عشر عامًا بقولها "في القانون الحالي الطفل يشوف والده ساعتين في الأسبوع خلال الرؤية، ويقضي 15 سنة مع طرف واحد، وأحيانا كثير جدًا من الأمهات تشحن الأولاد ضد الأب، فطبيعي إنه عند سن 15 سنة لا يختار الانتقال للأب، هو هيختار أنه يكمل مع والدته". وهنا قاطعها المحامي عبد الفتاح يحيى موضحًا "لا هو القانون المدني وضع سن التمييز بالنسبة للأطفال 7 سنوات مش 9 سنوات كمان". وفي الإطار ذاته، توضح المحامية مها أبو بكر الفارق الشاسع بين التمييز والاختيار مؤكدة أن "سن التمييز 7 سنوات قانونًا وشرعًا، لأن شرعًا في حث الأطفال على الصلاة في 7 سنوات وقانونًا القانون المدني".
زواج الأم المطلقة بين إسقاط الحضانة والرعاية المشتركة

استمرت المعركة حول الحضانة خلال النقاش لتشمل جوانب أخرى، إذ يُسقط مشروع قانون العدل الحضانة عن الأم في حالة زواجها. وتستند النائبة فاطمة عادل في ذلك إلى التفسير الشرعي التقليدي قائلة "الفكرة ليست في مشروع العدل، الشرع نفسه يقول هذا، احنا لو رجعنا للأحكام قطعية الدلالة في حديث يقول أنت أحق به ما لم تنكحي". وتعرض فاطمة وجهة نظرها الشخصية، بوضوح مبينة "أنا شايفة ماشي مفيش مشكلة إن الحضانة تبقى مع الأم بعد زواجها الثاني طالما قادرة عل رعاية الطفل، وطالما تزوجت من حد سوي نفسيا وكل حاجة"، مستدركة في الوقت نفسه أن مشروع القانون استند إلى مبدأ "أن شرعًا تسقط منها الحضانة". غير أن المحامية مها أبو بكر ردت مشيرة إلى المادة الثانية من الدستور واعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وقالت "إن المحكمة الدستورية تدخلت لتفسير المعنى، قالت إن يعتبر مصدر من مصادر التشريع هي الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة"، مضيفة "عندنا آية في القرآن الخاصة بالتحريم على الأزواج أبنائهم الذين في حجورهم"، وموضحة أن مضمون الآية الكريمة يشير إلى أنه "إذا الست متزوجة وفي عندها أطفال فهم محرمين على زوج الام وبالتالي الاطفال دول ايه حكايتهم ما دول هيبقوا في حضانتها صح كده او ولادها صغيرين". وفي سياق الرد ذاته، اعتبر المحامي عبد الفتاح يحيى أن إسقاط الحق في الحضانة عن الأم بعد زواجها الثاني يتخلله شبهة عدم دستورية، نظرًا لما ينطوي عليه من تمييز واضح بين الأب والأم في هذه الحالة.

الاستضافة حق مشروط

يضع حزب العدل في مشروع القانون المقترح نظامًا يقنن الاستضافة أو الاصطحاب لغير الحاضن. وتوضح النائبة فاطمة عادل أن المشروع يتضمن وجود منظومة متكاملة وشروطًا لضمان إعادة الطفل للحاضن مرة أخرى، ومنها إدراج الأب والطفل على قوائم المنع من السفر، وعدم صدور أحكام ضد الأب لضمان عدم تعرض الطفل للإيذاء، كما يتم سؤال الطفل من قبل أخصائي نفسي وأخصائي اجتماعي للتأكد من سلامته.

وإلى جانب هذه الضوابط، يضيف مشروع القانون المقترح من مؤسسة قضايا المرأة شروطًا أخرى، حيث يقول المحامي عبد الفتاح يحيى "لا يجوز التغيير محل الإقامة او المدرسة". ومن جهتها، شددت المحامية مها أبو بكر على ضرورة إنشاء شرطة أسرية متخصصة، موضحة "بالمناسبة الشرطة العادية مهمتها ضبط الأمن العام لا يمكن أن نضع على عاتقها كل المشاكل الخاصة بالأحوال الشخصية، فبالتالي يتم إنشاء شرطة متخصصة تابعة لقاضي الموضوع".

الملف الواحد والقاضي واحد

تصوير: أيمن السياري ودينا عبد العزيز - فكر تاني

يشترك مشروعا العدل ومؤسسة قضايا المرأة في تبني فكرة الملف الواحد للقضايا، التي يتم إقامتها في نزاعات الأحوال الشخصية. ويوضح يحيى أهمية ذلك بقوله "في حالة النزاع لا تحتاج السيدة لرفع 40 قضية، هو قاضي واحد بملف واحد يصلح لكل المنازعات". وتلفت مها إلى العائد الاقتصادي للدولة من تطبيق فكرة الملف الواحد، مشيرة إلى ما سيحققه ذلك من توفير لجهد وعمل القضاة والموظفين في المحاكم، ومطالبة بتوجيه هذا الوفر المالي لدعم المتقاضيات غير القادرات.

في الوقت الذي أبقى فيه حزب العدل على عدد من النصوص الحالية التي تحكم تنظيم الطلاق وتعدد الزوجات، حاول مشروع قانون مؤسسة قضايا المرأة الدفع بقوة نحو التغيير. وقد تجلى ذلك في تبني تنظيم الطلاق أمام القاضي، وعدم الاعتداد بالتطليق بالإرادة المنفردة للرجل. ويقول يحيى في هذا الصدد "نرى أن الطلاق أمام القاضي في المحكمة لتنظيم الحقوق المترتبة على الطلاق"، مشيرًا إلى الحقوق المالية المرتبطة بنفقة الأبناء، فضلًا عن الولاية التعليمية ومسكن الحضانة. وعلاوة على ذلك، ينظم مشروع قضايا المرأة تعدد الزوجات بشكل مختلف تمامًا عن الوضع الحالي من خلال المحكمة، وهو ما يلخصه يحيى بقوله "لمن يرغب في الزواج بأخرى يتوجه للقاضي، الذي بدوره يعلن الزوجة الاولى قبل الزواج لتحضر لديوان المحكمة ويمهلها ثلاثة أشهر لاتخاذ القرار بالاستمرار في الزيجة أو طلب الطلاق".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة