وهم التوفير وخسائر الملايين.. القصة الكاملة لإلغاء قرار إغلاق المحلات

بعد مرور أربعين يومًا على تطبيق قرار الإغلاق المبكر للمحلات التجارية، تراجعت الحكومة عن المسار الذي طالما حاولت تسويق عوائده بدعوى ترشيد الطاقة وعدم الإضرار بالاقتصاد، وكأنه في ظل دعوى "التوفير" كان قرارًا فاشلًا.

وفي الواقع لا يستقيم إطلاق حكم سريع على القرار، لأننا هكذا نستعير من الحكومة طريقتها في إدارة الأزمات، ولكننا نطرح بعض التساؤلات الملحة عن حجم الوفر الفعلي الذي حققه القرار، والأسباب الحقيقية وراء إصداره منذ البداية، وما إذا كانت تداعياته على النشاط الاقتصادي وتحديدًا القطاع السياحي قد خضعت لدراسة متأنية.

في 18 شهر مارس الماضي، بدأت الحكومة مسار الإغلاق المبكر للمحال والمطاعم عند التاسعة مساءً لترشيد الطاقة، ثم مدت الموعد في الثاني من أبريل حتى الحادية عشرة مساءً، ورغم استمرار ارتفاع أسعار النفط عالميًا، قررت لجنة الأزمات إلغاء القيود والعودة للمواعيد الطبيعية بعد تقييم أثر الإغلاق على الاقتصاد وكفاءة الاستهلاك، وبناءً عليه عادت المحال للعمل من السابعة صباحًا حتى الحادية عشرة مساءً مع التمديد لمنتصف الليل في العطلات، بينما تفتح المطاعم أبوابها حتى الواحدة صباحًا وتغلق الورش السكنية عند السابعة مساءً.

وفيما يتعلق بحجم المبالغ التي وفرتها الحكومة، أشارت بعض المصادر الحكومية إلى أن الإغلاق في تمام التاسعة أسهم في توفير 40 مليون جنيه يوميًا من استهلاك الكهرباء، وهو ما يعادل مليارًا وربع المليار جنيه شهريًا، ويعتبر هذا المبلغ هزيلًا مقارنة باقتصاد يُقدر فيه الناتج المحلي للعام المالي 2024/2026 بنحو 24 تريليون جنيه.

وتضيف المصادر ذاتها أن الوفر المتوقع في استهلاك الوقود خلال شهر أبريل قد يتراوح بين 990 مليون جنيه و1.2 مليار جنيه وفقًا للأسعار المحلية، وقد يقفز إلى نحو 1.8 مليار جنيه في حال احتسابه بالأسعار العالمية أو التكلفة الفعلية، وهو ما تراه الحكومة انعكاسًا للأثر الاقتصادي والبيئي الإيجابي المزدوج لإجراءات الترشيد. وعلى النقيض من هذه الرؤية الحكومية يؤكد الاقتصاديون أن الوفر المحقق ألحق أضرارًا بالغة بقطاعات اقتصادية متنوعة، متجاوزًا المطاعم والمقاهي والمحال التجارية ليطال الصالات الرياضية والنوادي وقاعات الأفراح وصالات السينما وصولًا إلى عوائد مباريات كرة القدم.

أثر الإغلاق على حيوية قطاع السياحة

وكما جرت العادة لم تُعلن تفاصيل أسباب التراجع عن القرار بشكل رسمي، لكن تأثر القطاعات الاقتصادية بالإغلاق المبكر كان جليًا في الأسواق، وتصدر قطاع السياحة المشهد لكونه يبدأ نشاطه الفعلي بعد الحادية عشرة مساءً. وقد تضررت كذلك الفكرة التسويقية العابرة للحدود التي تروج لمقولة أن القاهرة مدينة لا تنام، التي تمثل ترويجًا مجانيًا لمصر في جميع أنحاء العالم، وفي هذا السياق نقل موظف في إحدى شركات حجز السفريات لـ"فكر تاني" تجربته، موضحًا أنه تلقى إلغاءً لحجوزات سياحية كانت قادمة لمطار القاهرة خصوصًا من دول الخليج العربي، وحينما استفسر عن السبب جاءه الرد "أنتم تغلقون مبكرًا وهدفنا من السفر لمصر هو السهر والاستمتاع بالأجواء ليلًا".


اقرأ أيضًا:"عشاء" ابتلعته العتمة.. تكلفة 10 أيام من إغلاق أبواب الرزق في التاسعة مساءً | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

وتسبب التعديل الذي حدد الإغلاق في الحادية عشرة مساءً في حدوث اختناقات شديدة داخل القطاع السياحي وتكدس ملحوظ في المناطق الواقعة على ضفاف النيل المستثناة من القرار، يقابله في الوقت ذاته خلو تام للأماكن والمطاعم السياحية الداخلية التي افترض السائح خطأً عدم شمولها بالقرار، مما أدى إلى خسارة تلك الأماكن لما لا يقل عن 40% من كثافتها المعتادة. ونتيجة لذلك شهدت حجوزات السفر والسياحة إلى مصر تراجعًا ملحوظًا بنسبة تتراوح بين 15% إلى 20%، وانخفضت إشغالات الفنادق بأكثر من 20% في بعض المناطق خلال شهري مارس وأبريل من عام 2026، وهو تراجع تعزوه الحكومة إلى التوترات الجيوسياسية في المنطقة وحرب إيران وارتفاع أسعار الوقود والطيران، غير أنه لا يمكن في الوقت نفسه تجاهل الأثر المباشر لقرار الإغلاق المبكر.

وفي تعليق يختزل المشهد، يقول خبير الاستثمار هاني توفيق، إن "معظم القرارات الإدارية والاستثمارية في مصر تؤخذ دون دراسات اقتصادية مُسبقة". ويضيف لـ"فكر تاني"، أن القرار قد يبدو مجزيًا ماليًا في ظاهره ولكنه يحمل نتائج سلبية إذا ما وُضعت الآثار الجانبية الاجتماعية والبيئية والتشغيلية والسوقية في الحسبان.

وبما أن الدولة تعتمد في 90% من إيراداتها العامة على الضرائب، فإنها ستكون من أوائل المتضررين، حيث إن تراجع أرباح الأنشطة التجارية والسياحية جراء الغلق المبكر، سيؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض العائد الضريبي وتسريح جزء من العمالة ولا سيما العاملين في الورديات المسائية.

ويمثل القطاع الخاص اليوم المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي المصري، بزيادة حصته لتصل إلى 78.2% من الناتج المحلي واستيعابه لنحو 80% من العمالة، مما يعني ببساطة أن انخفاض أرباحه ينعكس مباشرة على تقليص موارد الدولة الضريبية.

ويشير توفيق في حديثه إلى أن التقشف مطلب ضروري شريطة أن يكون مدروسًا كميًا، موضحًا أن زيادة استهلاك الطاقة في المنازل بعد التاسعة مساءً وانخفاض أو انعدام دخل العاملين وأصحاب المحال في الوردية الليلية وتراجع ضريبة المبيعات ومبيعات التجزئة التي هبطت بنسبة 20% في شهر مارس وحده، هي عوامل كان يجب إخضاعها لإعادة الدراسة لاحتساب صافي الأثر من الإجراءات الحكومية لتقييم مكاسب القرار مقابل خسائره.

ارتدادات عكسية على حركة المرور واستهلاك الوقود

لم تقتصر التداعيات على الجانب التجاري، فقد أدى قرار الإغلاق في الحادية عشرة مساءً للأنشطة الاقتصادية كافة، وقبله قرار التاسعة، مساءً إلى تفاقم مشكلة التكدس المروري التي عانت منها العاصمة قبل مواعيد الإغلاق بساعة وبعدها بساعة أيضًا. وأسفر هذا الزحام عن زيادة مفرطة في استهلاك وقود السيارات نظرًا لتوجه مئات الآلاف من الزبائن والعمال إلى منازلهم في التوقيت ذاته تقريبًا.

وعلميًا يؤدي الزحام المروري إلى زيادة كبيرة في استهلاك الوقود تتراوح بين 20% و30% بسبب التوقف والانطلاق المتكرر، حيث تبذل السيارة أكبر جهد لاستهلاك الوقود عند التحرك من وضع الثبات، ومع تزامن ذلك مع ارتفاع درجات الحرارة وتشغيل مكيفات الهواء في وسط هذا الزحام قد تقفز نسبة الاستهلاك إلى 75%.

فضلًا عن ذلك، فإن نسبة كبيرة من الشباب صارت تلجئ إلى القيادة ليلًا في مجموعات والخروج إلى المساحات الواسعة تعويضًا لإغلاق المقاهي، ويقول مازن علي البالغ من العمر 23 عامًا لـ"فكر تاني"، إنه "مع إغلاق المقاهي مبكرًا أصبحت وسيلة الترفيه الأساسية لي ولأصدقائي هي التجول بالسيارات في شوارع ومناطق بعيدة نسبيًا لم نزُرها من قبل كوسيلة لتضييع الوقت والترفيه".

وتتجلى هذه الحقيقة بشكل واضح في الإقبال غير المسبوق على تعبئة السيارات بالوقود ليلًا، حيث يؤكد العاملون في محطات الوقود أن الورديات المسائية شهدت انتعاشًا لافتًا في حركة البيع بنسب تفوق المعدلات الطبيعية بكثير على الرغم من الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات التي تراوحت نسبتها بين 14% و30%.

معاناة قطاع المقاهي والمطاعم

أمام تضرر العديد من الشُعب الفرعية بادرت الغرفة التجارية بالجيزة بتقديم مذكرة رسمية نيابة عن التجار، للمطالبة بإعادة النظر في القرار، مشددة على أهمية تصنيف الأنشطة المختلفة وتحديد مواعيد الإغلاق وفقًا لطبيعة كل نشاط ومستوى دخل العامل والتاجر فيه.

وكان قطاع المطاعم والمقاهي على رأس قائمة المتضررين، حيث تتركز ذروة عمله بين التاسعة مساءً والواحدة صباحًا، وقد أدى تقليص ساعات العمل بنسبة تقارب 40% إلى انعكاسات سلبية مباشرة على حجم المبيعات وقدرة أصحاب الأعمال على تغطية تكاليفهم.

ويُقدر عدد العاملين في هذا القطاع الحيوي بنحو 2 مليون عامل وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف الإحصاءات الرسمية المعلنة، ويرجع هذا التفاوت في التقديرات إلى طبيعة القطاع التي تهيمن عليها العمالة غير الرسمية المفتقرة للعقود والتأمينات، إلى جانب العمالة غير المنتظمة والمؤقتة المتمثلة في عمال التوصيل.

وفي قراءة تحليلية شاملة توضح خبيرة المال والاقتصاد، حنان رمسيس، أن قرار الغلق المبكر صدر في ذروة الموسم السياحي وموسم توافد السائحين الخليجيين على مصر، مما جعل الالتزام به لفترة طويلة أمرًا بالغ الصعوبة.


اقرأ أيضًا:أرزاق على المحك.. ماذا سيفعل عمال اليومية في مواجهة شبح "التاسعة مساء"؟ | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

وترى رمسيس، في تصريحاتها لـ"فكر تاني"، أن فوائد القرار في ترشيد الكهرباء تقابلها فاتورة باهظة تتمثل في تضرر حركة السياحة ومعدلات البطالة، خاصة أن الإغلاق أثر بشكل مباشر على الورديات المسائية في القطاعات التي تعتمد في عملها على الفترة الممتدة من السادسة مساءً حتى ما بعد منتصف الليل.

وتتزامن هذه التحديات مع تراجع معدل البطالة في مصر إلى 6.2% خلال الربع الرابع من عام 2025 مقارنة بنحو 6.4% في الربع الثالث وفقًا لنتائج بحث القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وذلك بفضل مساهمة القطاع الخاص البارزة في توفير الوظائف وزيادة معدلات التعيين بنسبة 0.3%.

وفي سياق متصل ارتفعت مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي من 8.5% بما يعادل حوالي 1.4 تريليون جنيه لتصل إلى 15% بحلول عام 2030، وهو ما يضيف قيمة مضافة تتراوح بين 1.8 و2.1 تريليون جنيه وسط توقعات بنمو الإيرادات الضريبية المرتبطة بالمشروعات السياحية الصغيرة والمتوسطة من 5 مليارات جنيه حاليًا إلى ما بين 20 و25 مليار جنيه سنويًا.

وتختتم رمسيس حديثها بالإشارة إلى أن العودة للعمل بالتوقيت الصيفي شكلت دافعًا إضافيًا للتراجع عن الإغلاق المبكر لما يوفره هذا التوقيت من ساعة كاملة في استهلاك الكهرباء، مؤكدة ضرورة دراسة الحكومة لقراراتها وتداعياتها المحتملة بدقة قبل إصدارها لضمان استقرار معدلات التشغيل واستدامة موارد الدولة.

وفي نهاية المطاف، تبدو مسألة الوفر المالي الذي تغنت به خطة الترشيد لم يصمد أمام فداحة الخسائر التي ضربت عصب الاقتصاد، ليتبخر وهم التوفير وسط تراجع الإيرادات السياحية وركود الأنشطة التجارية واختناق الشوارع، لذا أصبحت العودة إلى المواعيد الطبيعية المخرج الوحيد من نفق قرار وُلد متسرعًا وتجاهل تعقيدات السوق.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة