من الميدان إلى التريند.. كيف تحولت المرأة الثورية إلى كاريكاتير على الشاشات؟

لطالما حرصت الأعمال الفنية على طرح شخصية المرأة في أنماط مختلفة تعكس الواقع وتقلباته، حيث رسمت مئات النصوص ملامح "المرأة المصرية" في سردية بصرية تتغير بتغير السياق السياسي والاجتماعي والثقافي في مصر. ولعل من أبرز هذه النماذج "المرأة الثورية" التي شهدت تحولات ملحوظة خلال الفترة الماضية، وتحديدًا في السينما والدراما التلفزيونية.

فمنذ مشاركتها في الأحداث السياسية وعلى رأسها ثورة 25 يناير، أصبحت المرأة مادة للنضال والمقاومة والتغيير، وهي صورة لم تسلم رغم ذلك من السخرية أو التهكم في أغلب الأعمال الفنية الأخيرة التي تناولتها أحيانًا في قوالب نمطية أو كاريكاتورية تقلل من جديتها أو تشكك في دوافعها.

ما يطرح إشكالية فنية تتعلق بكيفية توظيف السخرية في تصوير المرأة المنخرطة في الشأن العام، ويثير في الوقت نفسه تساؤلات عدة عن مدى انعكاس هذه المعالجات لرؤية نقدية مشروعة، أو انطوائها على تحيزات مجتمعية ضد النساء الفاعلات سياسيًا. وهي تساؤلات تدفعنا للبحث فيما إذا كانت تلك الصور الساخرة تؤثر على وعي الجمهور تجاه دور المرأة في المجال العام، أو تساهم في إعادة إنتاج صور نمطية تحد من حضورها.

ورغم أن التحولات التي مرت بها شخصية "المرأة الثورية" في السينما والدراما المصرية قد تأثرت بالوقائع السياسية والاجتماعية المختلفة، فإن التركيز على أدوات السخرية المستخدمة وسياقاتها الإنتاجية خلال السنوات العشر الأخيرة يعد إشارة واضحة إلى العلاقة الوثيقة بين الفن والسلطة والتمثيل الجندري، ليفتح بذلك المجال لنقاش أوسع حول حدود السخرية ومسؤولية الفن في تقديم صور عادلة ومتوازنة للمرأة في المجال العام.

الواقع الجديد

في كتابها "الجندر والوطن والرواية العربية" تطرقت الدكتورة هدى الصدة، أستاذة الأدب الإنجليزي والمقارن في كلية الآداب بجامعة القاهرة، إلى هذه التحولات، مبينة أن "نجاح ثوار التحرير، بصرف النظر عن النتائج المترتبة عليه، أدى إلى طرح طيفٍ جديد من الإمكانات والاحتمالات ومن الذوات الجديدة الشاعرة بالقوة والتمكين، ومن المخيلات والحقائق والوقائع الجديدة"، وهو ما يعد دلالة واضحة على طرح أنماط جديدة لكافة الشخصيات التي شاركت في تلك الحقبة الزمنية الفارقة وعلى رأسها "المرأة".

وتوثيقًا لهذه الحقبة، جاء في عام 2013 فيلم "بعد الموقعة" كعمل درامي يوثق من خلاله المخرج يسري نصر الله، تداعيات ثورة يناير وما تلاها من انقسام مجتمعي وتحديدًا موقعة الجمل. ويركز الفيلم على قصة "محمود" الذي جسده باسم سمرة وهو خيّال من نزلة السمان شارك في الهجوم على الثوار، و"ريم" التي لعبت دورها منة شلبي وهي ناشطة سياسية ثورية تعمل في إحدى شركات الإعلانات وتحاول فهم الدوافع الإنسانية خلف ذلك الحادث. وقد أعاد هذا الفيلم السينما المصرية بعد 15 عامًا من الغياب لتنافس على جوائز المسابقة الرسمية لأهم مهرجان سينمائي في العالم وهو مهرجان كان في دورته الخامسة والستين.

ولاحقًا في عام 2017 ظهر فيلم "أمل" كوثائقي مصري يجسد روح التمرد على الأوضاع السائدة من خلال مراهقة تبلغ 14 عامًا تعيش في مصر ما بعد ثورة 2011، لتواجه مجتمعًا سريع التغير يعاني من الاضطرابات السياسية المستمرة، خاصة بعد أن فقدت والدها الذي كان أكثر الأشخاص حبًا لها، وعانت كذلك من فقدان صديقها خلال أحداث ستاد بورسعيد في عام 2012. وعلى مدار ست سنوات تكافح "أمل" للعثور على مكانها وهويتها كفتاة في مجتمع يهيمن عليه الذكور، محاولة التكيف مع الظروف القاسية التي تحيط بها، وقد عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية في 15 نوفمبر من العام نفسه، وهو من إخراج وكتابة محمد صيام.
ورغم أن الفاصل الزمني بين العملين لم يتجاوز أربع سنوات، فقد اختفت شخصية المرأة الثورية من الأعمال الفنية منذ ذلك الحين، باستثناء بعض المشاهد التي غلب عليها الإطار الكوميدي الساخر، وهو ما يتجلى بوضوح عند النظر إلى شخصية "أمجاد" التي ظهرت في الجزء السابع من مسلسل "الكبير أوي" عام 2023، كامرأة عانت عقدة نفسية من الرجال تحولت على إثرها إلى أخرى ثورية صلبة تنشط في الدفاع عن حقوق المرأة.

"نساء" وأعمال

يرى المخرج أمير رمسيس أنه لا يلحظ تطورًا حقيقيًا في طريقة تناول صورة المرأة الثورية في الأعمال الفنية المصرية خلال السنوات الماضية، موضحًا أنه باستثناء بعض الأعمال الكوميدية أو المحاولات المحدودة لم يُقدَّم عمل جاد يتناول شخصية المرأة الثورية بشكل واضح في السينما أو الدراما التلفزيونية عقب عام 2011، معتبرًا أن فيلم "بعد الموقعة" للمخرج يسري نصر الله يُعد العمل الأبرز الذي تعامل مع الموضوع بصورة مختلفة وجادة.

ويضيف رمسيس لـ"فكر تاني" أن موجة المسلسلات التي قُدمت في العامين التاليين للثورة تناولت الصورة بشكل نمطي إلى حد كبير، فضلًا عن ظهور أعمال ساخرة تعاملت مع أجواء الثورة لاحقًا.

وبحسب قوله، فهو لا يتذكر في السينما المصرية سوى "بعد الموقعة" وبعض الأفلام التسجيلية مثل فيلم "أمل" كأعمال اقتربت من هذا الملف، في حين يرى أن السينما العربية ولا سيما التونسية بعد 2011 قد تعاملت مع هذه الشخصيات بصورة أقوى، مستشهدًا بأعمال للمخرجة ليلى بوزيد. ويرى رمسيس أن الإشكالية تكمن في الميل إلى وضع الشخصية داخل إطار أيديولوجي أو سياسي ضيق عند تناول الأعمال ذات الحس السياسي، معتبرًا أن التفكير في كيفية تقديم "المرأة الثورية" بوصفها فئة مستقلة يفرض إطارًا محدودًا على الشخصية ويحصرها في وعيها السياسي فقط.

ويلفت صاحب "ورقة شفرة" إلى أن الشخصيات يجب أن تُقدَّم باعتبارها بشرًا من لحم ودم يكون وعيهم السياسي جزءًا من تكوينهم وليس الإطار الوحيد لتعريفهم. ويشير إلى أن هذا النوع من التصنيف قد يكون ملائمًا في الأعمال الكوميدية، حيث تسمح الكوميديا بوضع الشخصية داخل إطار محدد والتركيز على سمة واحدة سواء كانت سياسية أو غيرها، مع اللجوء إلى التضخيم والمبالغة بوصفهما جزءًا أصيلًا من طبيعتها، مشددًا على أن الكوميديا تقوم أساسًا على تضخيم السمات الفكرية أو الجسدية وأن إلغاء هذا العنصر يفقدها طبيعتها. كما يلفت إلى أن السوق يتحكم في مختلف جوانب الصناعة وليس فقط في زاوية النظر إلى الموضوعات، موضحًا أنه لا يوجد عمل فني يُنتَج بمعزل عن اعتبارات السوق. ويربط اختفاء الشخصية المُسيّسة من الأعمال المصرية بعد عام 2013 بابتعاد المزاج العام عن السياسة، إلى جانب أسباب اقتصادية وسياسية أثّرت في طبيعة الإنتاج الفني.

ولكن في الواقع ثمة نماذج أخرى كثيرة لنساء عكسن صورة "المثقف العضوي" في أعمال درامية أو بوليسية، وإن ابتعدت الأعمال التي قدمن من خلالها عن الكوميديا فإن صورتهن لم تخرج عن القالب الكاريكاتوري المحدود للدور الذي يؤديه المثقف الإصلاحي أو الراديكالي على السواء، ومنها "واحة الغروب" عام 2017 من خلال شخصيتي "كاثرين" ومليكة التي أدتها منة شلبي وركين سعد على الترتيب، وفيلمي "عيار ناري" عام 2017 و"كيرة والجن" عام 2022 حيث لعبت روبي في كليهما الدور الثوري نفسه مرة كصحفية وأخرى كفدائية، وأخيرًا مسلسل "ولاد الشمس" عام 2023 حيث لعبت مريم الجندي دور صحفية تترصد الفساد في ملاجئ الأطفال، وغيرهن كثيرات. وهو أمر لا يتعارض مع وجهة نظر رمسيس، وإنما قد يؤكده من حيث العشوائية وغياب التخطيط السينمائي لأعمال تضع المرأة المستنيرة أو صاحبة الموقف في صدارة النص، أو تمنحها على الأقل أدوارًا تؤثر في السير الدرامي للأحداث.

بين السوق والمزاج العام

تشير دراسة "ظاهرة النسوية في الخطاب السينمائي الغربي" للباحثة آية بودربالة الصادرة عن كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجزائر، إلى أن "النسوية شكلت مواضيع للعديد من الدراسات في مجال الإعلام فقد استقطبت اهتمام واسع للسينما خاصة الغربية التي تطرقت إلى مواضيع نسوية في العديد من الأعمال السينمائية البارزة، والتي تسمح بالتعرف على كيفية تجسيد المرأة في السينما، ومن بينهم فيلم 'باربي 2023' باعتباره ظاهرة ثقافية وتجارية عالمية غير مسبوقة، إذ حقق رواجا كبيرا بين الجماهير وحصل على تقييمات مختلفة من النقاد، كما أثار ضجة ونقاشات واسعة لما يحمله من دلالات ورسائل خاصة فيما يتعلق بالنسوية".

وترى الناقدة والكاتبة الفنية نهلة إيهاب أن قراءة تطور صورة المرأة الثورية في الفن المصري بعد ثورة يناير يجب أن تنطلق من لحظة الثورة نفسها. وتوضح أنه في البدايات كانت الصورة مشحونة بطاقة رمزية عالية، فالمرأة لم تكن مجرد مشاركة، وإنما تحولت إلى أيقونة حاضرة في الميدان تهتف وتنظم وتتحدى، وهو ما ظهر في أفلام مستقلة ووثائقيات وبعض الأعمال الدرامية التي حاولت مواكبة اللحظة.

وتشير خلال حديثها لـ"فكر تاني" إلى أنه مع تغير المناخ السياسي والإنتاجي بدأت هذه الصورة تتحول تدريجيًا من فاعل حقيقي إلى رمز ملتبس ثم إلى كاريكاتير في بعض الحالات. واصفة السخرية بأنها سلاح ذو حدين، ففي أوقات معينة كانت أداة نقد اجتماعي ذكية تفكك التناقضات المرتبطة بالثورية الشكلية أو الادعاء، لكنها في أوقات أخرى وقعت في فخ التنميط، حيث قُدمت المرأة الثورية كفتاة تدّعي الفهم أو ناشطة مرتفعة الصوت بلا عمق مما يقلل من جدية مشاركتها.

وتلفت إيهاب إلى وجود سمات مشتركة شبه ثابتة في هذا التقديم، مثل الملابس غير التقليدية كعلامة تمرد، واللغة المليئة بالمصطلحات السياسية، والحماس الزائد الذي يُقدَّم أحيانًا بوصفه تهورًا، أو إبراز التناقض بين الخطاب والسلوك. وترى أن هذه السمات تمزج بين جذور واقعية وتضخيم نابع من تصورات مجتمعية جاهزة تسعى لوضع المرأة السياسية في قالب ثابت. وتلفت إلى أن السياق السياسي والإنتاجي لعب دورًا كبيرًا في ذلك، فبعد عام 2013 ومع تضييق المساحات العامة أصبح تقديم شخصية ثورية بصورة مباشرة وجادة أكثر حذرًا، وكان الأسهل والأكثر أمانًا تحويلها إلى مادة للسخرية أو التهكم عوضًا عن كونها صوتًا نقديًا حقيقيًا ليصبح الكاريكاتير خيارًا عمليًا بديلًا.

وترى الناقدة أن تأثير هذه الصور على وعي الجمهور وخاصة الأصغر سنًا ليس بسيطًا، فالتكرار يخلق حالة من التطبيع، وعندما تُقدَّم المرأة الثورية دائمًا في قالب ساخر أو سطحي قد يرسخ ذلك فكرة أن مشاركتها ليست جادة أو أنها استثناء غريب مما يؤثر في تقبلها كفاعل سياسي حقيقي.

وفيما يتعلق بالنماذج الفنية تشير إلى أن الصورة لم تُقدَّم دائمًا بشكل مباشر لكن ظهرت ظلال واضحة في بعض الأعمال، ففي مسلسل "سابع جار" برزت نماذج نسائية قريبة من الخطاب السياسي والاجتماعي الجديد ولو في سياق يومي، بينما في فيلم "اشتباك" كانت المرأة جزءًا من المشهد الثوري المركب من دون تقديم كاريكاتيري.

أما في الشكل الكوميدي أو الكاريكاتيري فتوضح الناقدة أن ذلك كان ظاهرًا في برامج مثل "البرنامج" و"أسعد الله مساءكم من جديد" و"أبلة فاهيتا"، وهي البرامج التي اعتمدت على السخرية من الشخصيات العامة وأنماطها ومن بينها نموذج الناشطة. كما قدمت أغلب مسلسلات الكوميديا نموذج المرأة صاحبة الرأي أو المظهر الثوري بشكل ساخر ومبالغ فيه، سواء باعتبارها تتحدث بلغة كبيرة بلا مضمون أو بوصفها متحررة أكثر من اللازم فتتحول إلى مجرد طرفة درامية كما ظهر في أعمال مثل "نيللي وشريهان" و"الكبير أوي" وإن كان قد جاء ذلك في صورة ظلال غير مباشرة على حد قولها.

ورغم البدايات القوية للمرأة في تاريخ السينما على مستوى الإنتاج أو التمثيل فإن ذلك لم ينعكس على مستوى المضمون بالشكل المأمول، فالهموم النسائية لم تكن الشاغل الأول للفن حينها، حيث كانت الدراما تميل دائمًا للقيم المحافظة والعلاقة التقليدية مع المحبوب. وبين هذا وذاك ظلت صورة المرأة الحالمة المطيعة لإرادة الرجل هي المسيطرة على المشهد لوقت طويل في حين يجري وصم المرأة المتمردة الثورية. وعلى الرغم من تمسك العديد من الأفلام بتلك الخلطة الرجعية فقد ظهرت أعمال لعبت فيها المرأة دورًا فاعلًا عبر معالجة مختلفة تتجاوز الشخصيات النمطية المكررة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة