لم تجد بيري (35 عامًا)، حلًا لمعاناتها اليومية، سوى أن تضع عائلتها أمام الأمر الواقع بشراء دراجة نارية، سعيًا لتجنب زحام القاهرة الخانق وتوفيرًا للوقت والمال والجهد المهدر في البحث عن مكان مناسب للركن.
تقول بيري في حديثها لـ"فكر تاني"، إن قرارها لم ينبع من رغبة في الاختلاف أو خوض مغامرة عابرة، وإنما جاء كحل عملي لمشكلاتها اليومية.
ورغم الاعتراض الأولي من عائلتها وتقبلهم للأمر على مضض في البداية، تغيرت نظرتهم إليه لاحقًا، وهو ما تعبر عنه بقولها "لما شافوني بسوق كويس ومتمكنّة، اطمنوا عليا واقتنعوا، خصوصًا لما شافوا الوقت الي بوفره، وإرهاقي أقل من مشاوير الشغل".
وتتقاطع هذه التجربة مع ما عاشته أسماء عصام، التي عانت طويلًا من رحلة يومية تستنزف ثلاث ساعات لقطع مسافة لا تتجاوز نصف ساعة، مما دفعها لاقتناء "سكوتر" لتوفير الجهد والوقت في طريقها المعتاد، بين المعادي والزمالك. وعلى خلاف بيري، طارد أسماء هاجس الخوف من الحوادث، لا سيما مع تكرار حوادث السقوط في بدايات التجربة، مما جعلها تفكر في التراجع أحيانًا، غير أنها صمدت في وجه هذا التردد، تقول لـ"فكر تاني"، إنه "رغم اليأس الذي اعتراني أحيانًا، لم أتراجع خاصة بعد رؤية فتيات كثيرات حولي معجبات بالتجربة، ويستلهمن مما أفعله حافزًا لاختيار بدائل توفر جهدهنّ ووقتهنّ بدل المواصلات التقليدية، ما منحني دافع الاستمرار وكسر الخوف".
وتعد دينا واصف من رائدات هذا المجال في مصر، حيث بدأت قيادة الدراجات النارية منذ عام 2008 في مشهد لم تألفه شوارع القاهرة آنذاك، لتفتح بذلك الباب واسعًا أمام فتيات أخريات لخوض التجربة واستكشاف الشارع بأسلوب جديد.
ورغم غياب الإحصائيات الرسمية عن عدد قائدات الدراجات النارية، فإن أعدادهن تشهد زيادة مطردة، وتتجلى هذه الزيادة في تجمعهن عبر منصات التواصل الاجتماعي لتبادل الخبرات، إلى جانب النمو الملحوظ لحركة "Lets scoot" التي تأسست عام 2014، لتنظيم جولات ودورات تعليمية للفتيات.
ومع هذا الانتشار المتزايد، تشير بيري إلى تحديات خطيرة تتعلق بحالة الطرق وأساليب القيادة المتهورة لبعض السائقين، كإهمال النظر في المرايا أو السير عكس الاتجاه، وهي سلوكيات وإن كانت لا تستهدف النساء تحديدًا، فإنها تشكل خطرًا مضاعفًا بالنظر إلى طبيعة الدراجة النارية كوسيلة نقل أقل حماية، وهو ما أدركته بيري عمليًا بعد نجاتها من حادث سير كبير جعلها أكثر وعيًا وحذرًا في التعامل مع الطريق.
من الاستقلال إلى الرغبة في السيطرة
تتنوع الدوافع التي تقف خلف اتجاه الفتيات لقيادة الدراجات النارية، لتمتد من الحاجة الملحة للسيطرة على الوقت وتوفير المال والجهد اليومي المهدر، إلى الرغبة في الحفاظ على البيئة، وصولًا إلى التوق للتحرر من قيود الزحام وأزمات المواصلات الخانقة في المدن الكبرى.
وتؤكد أسماء عصام هذا الجانب البيئي، مبدية تحفظها على غياب ثقافة الحفاظ على البيئة في المجتمع، قائلة إن "السكوتر" يمثل حلًا عمليًا لتقليل تلوث الهواء، فضلًا عن كونه خيارًا اقتصاديًا موفرًا.
وتتفق بيري معها تمامًا في الجانب الاقتصادي، حيث وفرت الكثير من نفقات الوقود مقارنة بالسيارة، إلى جانب تخلصها من عبء البحث عن أماكن الركن، وقد دفعها هذا الارتباط بوسيلتها الجديدة لتعلم مبادئ الميكانيكا لإصلاح أعطالها بنفسها، وتحكي عن إحدى تجاربها، قائلة "مرة تعطل بيا في الطريق، طلعت العدة الخاصة بيه وصلحته خلال 10 دقايق، ودة خلاني أحس أد إيه هو منجز ومريح، مقارنة بالعربية".
ويشدد أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق على أهمية العامل الاقتصادي في دفع الفتيات لاتخاذ هذا القرار، موضحًا لـ"فكر تاني" أن قيادة الفتيات للدراجات النارية ظاهرة محدودة نسبيًا ولكنها حاضرة بوضوح في المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية. ويربط صادق انتشار هذه الظاهرة بمجموعة من العوامل العملية والاجتماعية والشخصية، في مقدمتها الرغبة في الإفلات من الزحام المروري ومواجهة الارتفاع المستمر في تكاليف المواصلات ووسائل النقل الخاصة، لافتًا إلى أن الدراجة النارية تمنح الفتاة قدرًا عاليًا من الاستقلالية والحرية، وتتيح لها التنقل في الأوقات التي تناسبها دون الارتهان لجداول المواصلات العامة أو أعبائها المالية.
الشارع كمساحة صراع
ورغم تباين الدوافع، تتقاطع تجارب هؤلاء الفتيات عند صعوبات البداية، وهو نمط يتكرر بوضوح في قصة مريم عمرو (25 عامًا)، التي استشعرت في محاولاتها الأولى ثقل وزن الدراجة النارية، وأدركت أن الأمر يختلف جذريًا عن بساطة ركوب الدراجة الهوائية. ولم تكن صورة "السكوتر" إيجابية في ذهن مريم بادئ الأمر، وتجاوزت ذلك لتصل إلى حد كراهيته بشدة، لكن إرهاقها المتواصل من الزحام اليومي أجبرها على اتخاذه وسيلة انتقال سريعة.
اعتمدت مريم على نفسها لتعلم القيادة بمساندة وتوجيه من شقيقها، وتصف تلك المرحلة لـ"فكر تاني"، قائلة "أخويا شجعني وعلمني في الأول، لكنه دربني وفهمني إن الموضوع كله مرتبط بالتوازن، وقعت كتير في الأول، لحد ما تمكنت من الموضوع واشتريت الموتوسيكل بتاعي".
وما قد يبدو للوهلة الأولى مجرد اكتساب لمهارة القيادة، يحمل في طياته بعدًا نفسيًا أعمق ينطلق من مواجهة الخوف والتغلب على الشعور بعدم الأمان، ليصل إلى إعادة بناء الثقة بالنفس
وتدعم أستاذة علم النفس الاجتماعي الدكتورة سوسن فايد هذا الطرح، مشيرة إلى أن خوض الفتيات لمثل هذه التجارب يشكل صدامًا إيجابيًا مع المألوف الاجتماعي، ويعزز من ثقتهن بأنفسهن من خلال منحهن شعورًا حقيقيًا بالحرية المسؤولة والمنضبطة. قائلة لـ"فكر تاني" إن "مفهوم الحرية في الحركة، الذي يمنحه السكوتر للفتيات، يلعب دورًا مهمًا في تعزيز ثقة الفتاة بنفسها، ويجعل من فهمها للحرية كمسؤولية أعمق، حيث يسهم هذا الفهم في زيادة قدرتها على المواجهة واتخاذ القرارات بثقة".
ويلتقي الدكتور سعيد صادق مع هذا التحليل النفسي والاجتماعي، ويضيف موضحًا، أن "لجوء بعض الفتيات لاستخدام الدراجة النارية، يرتبط برغبة في التعبير عن شخصيّة مستقلّة مغامرة، فضلًا عن عامل اقتصادي لا يمكن إغفال دوره في ظل غلاء تكاليف المعيشة، أيضًا تمنح الموتوسيكلات لهؤلاء الفتيات بعض الخصوصيّة، إذ تقلل من اعتمادهن على وسائل مواصلات مزدحمة يمكن أن يتعرضن فيها لمضايقات أو تحرش". وفي الوقت نفسه يشدد صادق على أنه ورغم اعتبار الفتيات لقيادة "السكوتر" خيارًا آمنًا نسبيًا يحد من الاحتكاك المباشر مع الآخرين، تظل المخاطر المتعلقة بحالة الطرق وسلوكيات بعض السائقين والمارة قائمة بقوة ولا يمكن غض الطرف عنها.
بين مخاطر الطريق ونبذ المجتمع
لا تتوقف التحديات عند عتبة البدايات، فالإصرار على الاستمرار يفرض تحديات لا تقل قسوة في ظل الاحتكاك اليومي بشوارع تفتقر للكفاءة ومجتمع يميل لحصر النساء في قوالب نمطية معدة سلفًا.
ويتجلى ذلك بوضوح في تجربة الصحفية منة الأبيض، التي تصف قيادتها للدراجة النارية بأنها من أمتع تجارب حياتها، رغم ما تخللها من عقبات ومشاق، وتروي منة لـ"فكر تاني" كيف كانت بداياتها سابقة لانتشار هذه الظاهرة، مما جعلها محط أنظار المارة واستغرابهم، وعرضها لتعليقات قاسية تتهمها بالتشبه بالرجال، وتؤكد حتمية تجاوز هذه النظرة المجتمعية، قائلة "يجب كسر هذه الصورة، فالأمر لا يتعلق بجنس الشخص، بقدر ما يرتبط باحتياجاته لوسيلة نقل تسد احتياجاته في التنقل".
واتخذت المعاناة بعدًا أكثر تعقيدًا في تجربة فاطمة (32 عامًا)، حيث اختبرت ضغوطًا مضاعفة لكونها أول فتاة تقود "سكوتر" في حي دار السلام الشعبي، مما جعلها هدفًا سهلًا لتعليقات ساخرة ولاذعة من محيطها.
وتستحضر فاطمة تلك الذكريات لـ"فكر تاني" مقتبسة بعض ما واجهته، قائلة "كنت أول بنت تركب سكوتر في دار السلام، واتعرضت لسخرية ومعاكسات وكلام زي بصوا البنت بتعمل إيه، دي عايزة تبقى ولد، روحي اغسلي المواعين في البيت".
ولم تنل هذه الكلمات المحبطة من عزيمة فاطمة، واتخذت من قوة شخصيتها درعًا يحول هذه السخرية إلى وقود للاستمرار، لتثبت لنفسها ولمجتمعها قدرة المرأة على تخطي التحديات وإنجاز ما ينجزه الرجل دون الالتفات لأي معوقات.
وتفسر الدكتورة سوسن فايد هذا الاستهجان المجتمعي برده إلى الثقافة السائدة والموروث الاجتماعي، الذي يرفض خروج المرأة عن الأدوار المعتادة، مشيرة إلى أن المجتمع قد يبرر رفضه أحيانًا بخوفه من تعرض الفتيات للمخاطر أو المضايقات، فيصنف هذا السلوك كخروج غير مبرر عن المألوف.
وتتوافق فايد مع رؤية الدكتور سعيد صادق في أن الصور النمطية تتشكل من خلال الاعتياد الطويل على أدوار تقليدية محددة للمرأة، وحينما يبرز سلوك مستحدث كقيادة الدراجات النارية، فإنه يصطدم حتمًا بحائط من الدهشة والرفض والتعليقات السلبية.
ومع ذلك، يؤدي التكرار الزمني وتواتر المشهد في الشوارع إلى ترويض هذه النظرة المجتمعية تدريجيًا حتى يغدو الأمر اعتياديًا ولا يثير أي جدل، مع الأخذ في الاعتبار تفاوت درجات القبول بين المناطق المختلفة استنادًا إلى طبيعة البيئة الثقافية ومستوى التحضر، حيث يتباين مدى تقبل الحضر لهذا الاختلاف مقارنة بالريف.
وقد اتفقت كل من منة ومريم وفاطمة على تسليط الضوء على نمط آخر من التحديات الميدانية المتمثلة في الاستفزازات المرورية والمضايقات التي تتدرج من التعليقات الساخرة ومحاولات التضييق في الطريق، لتصل في بعض الأحيان إلى حد الاقتراب الجسدي المريب.
وفي تحليلها لهذه الظاهرة، ترجع أخصائية الطب النفسي الإكلينيكي الدكتورة بسمة سليم هذه التجاوزات إلى خلل وتراجع عام في منظومة القيم المجتمعية، مبرئة ساحة الفتيات من التسبب فيها، بينما تشير إلى أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في قيادة "السكوتر" في حد ذاتها، بقدر ما تعكس تناميًا في الأنماط العدوانية الموجهة ضد النساء والفئات الأقل حماية.
وتوضح سليم لـ"فكر تاني" أن استمرار هذه الضغوط المجتمعية ووابل التعليقات السلبية يخلف جروحًا نفسية غائرة لدى الفتيات، مما يوقع بعضهن في براثن الخوف الدائم ويدفعهن لمحاولة تجنب الشارع كليًا. في المقابل، تجبر ظروف العمل والمسؤوليات الأسرية أخريات على مواجهة الطريق بصدر مليء بالتوتر والترقب المستمر لأي تصرف مفاجئ أو مسيء، وهو ما يضاعف من احتمالات تعرضهن للحوادث المرورية نتيجة تشتت الانتباه وفقدان التركيز الناجمين عن القلق.
القانون حاضر والتطبيق مفقود
أمام هذه الممارسات المزعجة، يقف الإطار القانوني كدرع نظري يكفل حماية النساء وتمكينهن، وهو ما تشير إليه المحامية والناشطة النسوية نسمة الخطيب، التي تبين خلو القانون المصري من أي نصوص تقيد حق النساء في قيادة الدراجات النارية، مشددة على أنه حق أصيل ومكفول للجميع دون تمييز.
وتشرح الخطيب الإجراءات التي يمكن لأي فتاة اتخاذها عند تعرضها للمضايقات أو التحرش، التي تبدأ بالاستعانة الفورية بشرطة النجدة، تليها خطوة تحرير محضر رسمي مدعوم بشهادات الشهود أو تسجيلات كاميرات المراقبة لإثبات الواقعة.
غير أنها تلفت الانتباه في حديثها لـ"فكر تاني" إلى التحدي الأكبر المتمثل في التنفيذ العملي، قائلة "هناك فجوة بين وجود النصوص القانونية وتفعيلها على أرض الواقع، وهي نقطة تتكرر في كثير من القضايا المرتبطة بالتحرش أو العنف اللفظي ضد النساء".
وعلى الرغم من قسوة هذه التحديات، يظل البعد الرمزي لهذه الظاهرة حاضرًا بقوة، فقيادة المرأة للدراجة النارية في مجتمع يغلب عليه الطابع المحافظ تعد تجاوزًا للأدوار التقليدية المتعارف عليها.
وترفض رانيا نبيل، مؤسسة "جروب فيمي هاب"، هذه التقسيمات المجتمعية، معتبرة أن تصنيف وسائل النقل واحتكار بعضها للرجال دون النساء أمر يجافي المنطق، ومؤكدة أن الفيصل الحقيقي لم يكن يومًا في النوع الاجتماعي، وإنما يكمن في القدرة المادية وحجم الفرص المتاحة.
ومع هذا التوسع والتجذر المستمر، تتجاوز هذه الظاهرة كونها مجرد موضة عابرة أو حالة تمرد شبابية، لتطرح نفسها كتعبير صريح وعميق عن احتياجات واقعية ملحة تتوق للوقت والأمان والاستقلال وإعادة تعريف موقع المرأة ضمن المجال العام، لتصبح الدراجة النارية بذلك أكثر من مجرد وسيلة نقل لتحقيق هذه الغايات الفردية، وإنما أداة ناعمة لتغيير المجتمع بخطى وئيدة تعيد رسم حدود المتاح والممكن بفضل الإصرار والاستمرارية.