«أنا لست ضد الأمهات.. أنا ضد العقيدة التي تتوقع أن يكون لكل امرأة أبناء، وأنا ضد الظروف التي يجب أن تنجب فيها الأمهات أطفالهن.» تُعد هذه المقولة للفيلسوفة الوجودية سيمون دي بوفوار في كتابها "الجنس الآخر"، انتقادًا جوهريًا لـ "الحتمية الاجتماعية" التي تفرض الأمومة كقدر حتمي للمرأة، بدلاً من كونها خيارًا حرًا. ترفض بوفوار ربط قيمة المرأة بقدرتها على الإنجاب، وتنتقد الظروف المجتمعية والظالمة التي تضطر النساء للإنجاب دون استعداد أو رغبة حقيقية.
"ده بَطر.. دي أنانية.. بكره تغيّري رأيك.. أكيد عندك مشكلة.. مفيش ست ما بتحبش الأطفال" تلاحق هذه الجمل كل من تخالف التوّقعات الاجتماعية حيال دور المرأة الرئيس الذي استقرت عليه المجتمعات الأبوية، فهذه الأقوال ارتدادا للثقافة الراسخة بشأن اكتمال المرأة بـ«الأمومة»، إذ ترتبط الرؤية المجتمعية للمرأة كإنسان كامل بالإنجاب وتربية الأبناء، خاصة أن الاعتقاد السائد مجتمعيًا هو أن الأمومة تجربة لا بد أن تخوضها كل أنثى، فيما عدا هؤلاء اللاتي حُرِمنَ منها لعلة مرضية.
نساء يواجهن الرفض
في نهاية العقد الثاني من عمرها تزوجت هند في أحد أحياء القاهرة الصاخبة، بعد فترة خطبة استمرت نحو عامين من مروان الذي يكبرها بنحو 7 سنوات، وعلى عكس الحي الذي استقر به منزلهما كانت حياتهم هادئة طوال الشهور العشرة الأولى من الزواج، وبعدها نشبت الخلافات بينهم فور إعلان هند عن رغبتها في إرجاء الحمل لبضع سنوات حتى تستقر حياتهم بشكل مادي واجتماعي أفضل.
" عمري ما كنت أتخيل إني أواجه كل الاتهامات دي من الشخص اللي اختارته زوج هو وعائلته، لمجرد رغبتي في تأجيل الحمل، بالرغم إن هدفي الأول كان إن حياتنا تستقر بشكل أفضل ، خاصة إننا كنا ملتزمين بسداد ديون لمدة سنة تقريبًا، والحمل ووجود طفل خلال الوقت ده هيكون مسئولية أكبر سواء من الناحية النفسية أو المادية، ومع نشوب الخلافات، أكد لي إننا غير مؤهلين لوجود طفل في الوقت الحالي على الأقل، خاصة أن الخلافات تتطورت بيننا بشكل كبير، ووقتها مروان قرر يا أما الحمل أو الانفصال وده تنفيذ رغبة عائلته، وقتها قررت الإنفصال لإني وجدت أنه غير مؤهل أن يكون أب أصلًا" هكذا قصت هند تجربتها مع تأجيل فكرة الحمل.
تختلف تجربة هند كليًا عن مثيلتها هبة أحمد القاطنة بأحد مدن محافظة المنصورة، والتي بلغت منتصف العقد الثالث من العمر منذ عدة أشهر وتعمل في أحد الوظائف الإدارية بأحد شركات القطاع الخاص، والتي لم يسبق لها الزواج بالرغم من ارتباطها عدة مرات إلا أن هذه العلاقات جميعها بأت بالفشل لاختلاف وجهة نظرها مع الطرف الأخر في ضرورة وجود أطفال.
تقول هبة " أنا بحب الأطفال عادي زي أي بنت ، ولكن أنا متحيزة أكتر لفكرة التبني، يعني ليه لازم اخلف لمجرد فكرة الإنجاب، في حين إن في أطفال كتير محتاجين رعاية واهتمام، للأسف الفكرة السائدة بين أغلب الناس إن الأطفال زي الممتلكات لازم نقتنيها بعد الزواج، بالرغم أن الزواج ده ممكن ما يستمرش أصلا أو يكون في مشكلات كبيرة تهدد سلامة الأطفال النفسية والجسدية في الأسرة نفسها، في الحالات دي الأطفال هم أكثر المتضررين"
تستطرد هبة تجربتها قائلة " أنا بتردد على دور الرعاية والأيتام من أيام الجامعة، وبقابل أطفال كتير جدًا وأغلبهم بيكونوا محتاجين للرعاية والاهتمام ولجو الأسرة والتنشئة في بيئة سوية ومستقرة عشان كده قررت إني مش عايزة اخلف، أنا عايزة أساعد الأطفال أكتر، لكن الأشخاص اللي أنا ارتبطت بيهم كانوا دايمًا بيستنكروا جدًا وجهة نظري والتفكير ده، وفي رأيهم إن أخلف طفل ويكون هو أولى برعايتي واهتمامي، عشان كده مكملتش في أي علاقة، لأن الارتباط بالنسبالي مش مرتبط بالإنجاب على عكس الطرف التاني اللي شايف إن الإنجاب شئ أساسي ومكمل للعلاقة"
دعوات اللاإنجابية
تزايدت الدعوات إلى عدم إنجاب أطفال في مصر مؤخرا وظهرت صفحات ومجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي تضم آلاف المشاركين، وتروج بعضها لفكرة "اللاإنجابية" كطريقة حياة، وتدعو لعدم إنجاب الأطفال لأسباب منها ظروف المعيشة الصعبة والمشاكل الاجتماعية والأمراض والضغوط المختلفة التي قد يتعرض لها الأطفال في مصر.
بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، زاد عدد المواليد في مصر إلى 1. مليـون و 482 ألف مولود خلال الفترة من 2 نوفمبر 2024 وحتى 16 أغسطس 2025، بمتوسط 5 آلاف و165 مولود يومياً و215 مولود كل ساعة و3.6 مولود في الدقيقة، بما يعني متوسط مولود كل 16.7 ثانية تقريباً .
ويلاحظ تراجع معدل المواليد خلال السنوات الخمسة الأخيرة، وهو ما أظهرته بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية حيث انخفض معدل الإنجاب من 3.5 طفل لكل سيدة عـام 2014 إلى 2.85 طفل لكل سيدة عام 2021، ووفقاً لبيانات المواليد المسجلة بمركز معلومات وزارة الصحة والسكان فقد استمر الانخفاض في معدل الإنجاب حيث بلغ 2.76 طفل لكل سيدة عام 2022 ثم 2.54 طفل لكل سيدة عام 2023، وأخيراً 2.41 خلال عام 2024.
وأوضحت دراسة "العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمردود لتأجيل الإنجاب الأول لدى حديثى الزواج: دراسة أنثروبولوجية" الصادرة عن كلية الآداب بجامعة جنوب الوادي، للدكتور ربيع كمال كردى صالح أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا المساعد بكلية الآداب جامعة الفيوم، أن الغالبية العظمى من الأزواج قاموا بتأجيل الإنجاب الأول لمدة عامين؛ وذلك للمساعى التعليمية والمهنية وقلة الدخل وعدم اليقين الاقتصادي ويشمل بطالة الزوجة وعقود العمل المؤقتة).
وتوصلت الدراسة إلى أن العوامل الاجتماعية لتأجيل الإنجاب الأول تتمثل في التعليم الجامعي واستكمال الدراسات العليا للزوجين أو لأحدهما، واستخدام وسائل منع الحمل، والخوف من حدوث الطلاق، ودعم شبكة العلاقات الاجتماعية، ونقل المعلومات والأفكار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. كما كشفت الدراسة أن العوامل الاقتصادية لتأجيل الإنجاب الأول تتمثل في عدم اليقين الاقتصادي ومشاركة المرأة في قوة العمل وارتفاع سعر إيجار المسكن.
أوضحت الدراسة أن المردود الإيجابي لتأجيل الإنجاب الأول يتمثل في تحقيق أهداف تعليمية أكاديمية، وأهداف مهنية مثل تمكين المرأة من الحصول على مهارات العمل اللازمة رأس المال البشرى والتوفيق بين العمل والأسرة إلى حد ما، وأهداف
ومن جانبها أكدت الدكتورة ياسمين أبو العزم أخصائي النساء والتوليد بمستشفى بلقاس المركزي، أن السنوات الأخيرة تشهد زيادة في عدد النساء والفتيات الراغبات في تأجيل فكرة الحمل أو إرجائها لبضع سنوات خاصة خلال الفترة الأولى بعد الزواج، مبينة أن الدافع وراء ذلك هو العديد من الأهداف سواء اقتصادية أو اجتماعية وأحيانًا تعليمية ومهنية، وذلك من خلال ملاحظتها من الحالات التي تتردد عليها خلال عملها سواء بالمستشفى أو عياداتها الشخصية.
وأشار ت خلال حديثها لـ "فكر تاني" أن قرار تأجيل الحمل لم يكن الأمثل، في حالات بعينها لاسيما إذا كان الزوجين في مراحل عمرية متقدمة، وهو ما لم تنصح به النساء بعد عمر الثلاثين للحفاظ على مخزونهم من البويضات، وفرصها في الإنجاب.
تحولات اجتماعية واقتصادية
من جانبه أكد الدكتور وليد هنداوي استشاري الصحة النفسية، على ضرورة اعتماد فكرة إرجاء الإنجاب خلال السنوات الأولى من الزواج ونشرها بين الشباب في مصر، لاسيما مع ارتفاع نسبة الطلاق خلال هذه الفترة، مبينًا أن أغلب الأسر حديثة التكوين تواجه العديد من المشكلات التي يمكن أن تؤثر على استقرارها سواء الإقتصادية أو الاجتماعية أو حتى النفسية نتيجة تغير بيئات الناشئة للطرفين، لذلك من المهم أن تحظى الأطراف جميعها بفرصة جيدة لاكتمال العلاقة وبلورتها بشكل يسمح لها باستقبال أطفال يتم تنشأتها في بيئة سوية.
وعطفًا على انتشار حالات من النساء الرافضة لإنجاب الأطفال أو تأجيل الفكرة ذاتها، بين استشاري الصحة النفسية، خلال حديثه لـ "فكر تاني"، أن مثل هذه الشخصيات تكون أكثر دراية وصراحة بشخصياتها وإمكانياتها التي يمكن أن تعطيها للعلاقات المحيطة بها سواء من الأبناء أو الأزواج، ولكنها دائمًا ما تكون في مواجهة الأفكار المجتمعية النمطية الموروثة التي تضع النساء دائمًا في قالب الزواج والإنجاب، لذلك نادرًا ما تتمكن هذه الشخصيات من التعايش وتحقيق مع تهدف إليه.
وشدد هنداوي على أهمية الاتفاق بين الطرفين قبل الإنجاب، حتى لا يؤثر ذلك سلبًا على الصحة النفسية للطفل ذاته سواء عبر الخلافات في الأسرة، أو رفض وجوده من قبل أي منهما، مبينًا أن ارتفاع الوعي ونسبة التعليم مؤخرًا ساهمت في إعادة النظر نحو فكرة الإنجاب بشكل عام وعدد الأطفال بشكل خاص، وهو ما يظهر جاليًا في توجه كثير من الأسر بالإكتفاء بطفل واحد أو اثنين.
مضيفًا أن قرار عدم الإنجاب مطلقا "لا يتماشى مع طبيعة الأسرة ووظائفها الاجتماعية والنفسية المتعارف عليه وفقا للعادات والتقاليد"، أما إذا كان قرارا "مرحليا" من أجل "تحسين الأوضاع" يصبح مقبولا اجتماعيا.
وفي سياق متصل أكدت الدكتورة جيهان النمرسي أستاذ الإرشاد الأسري بجامعة الأزهر، أن توجه عدد متزايد من الفتيات نحو تأجيل الحمل أو حتى رفض فكرة الإنجاب لم يعد ظاهرة هامشية، بل يعكس تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة. وترى أن هذا القرار غالبًا لا يكون اندفاعيًا، بل يأتي نتيجة عملية تفكير وتقييم للظروف الشخصية والمجتمعية.
توضح المختصة خلال حديثها لـ "فكر تاني" أن الأسباب متعددة ومتشابكة، يأتي في مقدمتها العامل الاقتصادي، حيث أصبحت تكاليف المعيشة وتربية الأطفال مرتفعة بشكل ملحوظ، كما تلعب العوامل التعليمية والمهنية دورًا بارزًا؛ فالكثير من الفتيات يسعين إلى استكمال دراساتهن العليا أو بناء مسار مهني واضح قبل التفكير في الأمومة. وقد أصبح تحقيق الذات والطموح الشخصي جزءًا أساسيًا من أولويات الجيل الجديد.
كما تشير أستاذة الإرشاد الأسري بجامعة الأزهر، إلى أن التحولات الثقافية أسهمت في إعادة تعريف مفهوم الأمومة، فلم تعد تُنظر إليها باعتبارها واجبًا اجتماعيًا حتميًا، بل خيارًا شخصيًا يرتبط بمدى الجاهزية النفسية والرغبة الحقيقية. وتؤكد أن بعض التجارب الأسرية السلبية، مثل التفكك الأسري أو النزاعات المستمرة داخل الأسرة، قد تؤثر كذلك في نظرة الفتاة لمسؤولية الإنجاب.
أما من الناحية النفسية، فهناك من يخشين ثقل المسؤولية أو يعانين من قلق مرتبط بالحمل والولادة، فيفضلن التأجيل إلى حين الشعور بالنضج الكافي لخوض هذه التجربة.
وعلى الصعيد المجتمعي، ترى جيهان أن استمرار هذا التوجه قد يؤدي إلى انخفاض معدلات الإنجاب، ما ينعكس مستقبلاً على التركيبة السكانية بارتفاع نسبة كبار السن مقارنة بفئة الشباب. كما قد يتسبب ذلك في تغير شكل الأسرة التقليدية، سواء من حيث عدد الأبناء أو توزيع الأدوار بين الزوجين.