أنهى عمال وعاملات شركة "وبريات سمنود" للغزل والنسيج، أمس الأربعاء، إضرابهم عن العمل بعد يومين من التوقف الكامل، بعد التوصل إلى تسوية جزئية مع الإدارة تضمنت صرف نسبة من الراتب المتأخر وبعض الضمانات الاجتماعية الأخرى.
وتوصل العاملون المضربون إلى الاتفاق على صرف 70% من الراتب المتأخر لشهر مارس، مع تقديم تعهد بإعادة التغطية الصحية وصرف الأدوية خلال أسبوع، على أن تُصرف باقي المستحقات لاحقًا عبر منشور رسمي وبضمان مكتب عمل المحلة.
غير أن هذا الإضراب المنتهي لا يمكن قراءته كواقعة منفصلة، إذ يأتي امتدادًا لأحداث وقعت قبل عيد الفطر بأقل من ثلاثة أسابيع، حين دخل العمال في إضراب مفتوح احتجاجًا على تأخر صرف باقي أجور شهر فبراير، وتزامن ذلك مع إعلان الدولة تبكير صرف رواتب العاملين بها بمناسبة العيد، مما وضع مئات العمال وأسرهم دون دخل وتحت ضغط احتياجات معيشية عاجلة في تلك المناسبة الاحتفالية، ومن هنا، تبدو عودة العمال إلى العمل هذه المرة أقرب إلى تسوية مؤقتة داخل مسار متكرر، حيث لم يعد الإضراب وسيلة استثنائية، وإنما أداة شبه منتظمة للحصول على الأجر نفسه.
وتكشف حالة الإضراب مرتين في أقل من شهر وتوقف الإنتاج لمجرد الحصول على جزء من الراتب المفترض صرفه بانتظام، عن أزمة أعمق تنذر بتكرار الاحتجاج بعد أسبوعين إذا لم تتوفر المرتبات لنحو 500 عامل تمثل النساء أغلبيتهم الساحقة.
وقد جاء الإضراب الذي أضحى خيار العمال الوحيد لنيل الراتب مصحوبًا بالخوف من العواقب. وحسب روايات العمال، اتخذت محاولات إنهاء التوقف منذ اليوم الأول طابعًا شديد الحدة، وتخللتها تهديدات بالفصل طالت بعض المشاركين، وترافق ذلك مع تواجد أمني ملحوظ في محيط المصنع لمراقبة التحركات وتقييدها.
وشكّل هذا المناخ المعادي لاستقرار الحياة جزءًا من الأزمة ذاتها، حيث تداخلت المطالب المعيشية والحقوقية مع شعور متزايد بالخوف، مما جعل الاحتجاج مكلفًا لكنه الوسيلة الوحيدة المتاحة.
ويوضح أحد العمال أن المشكلة لم تعد تقتصر على تأخر الأجور البالغة 6100 جنيه أيًا كانت مدة الخدمة، وإنما تتجاوز ذلك لتشمل غياب أي قدرة على توقع مجريات الشهر التالي.
وأضاف العامل، الذي تحدث إلى "فكر تاني" شريطة عدم الكشف عن هويته، موضحًا معاناتهم، قائلًا "إننا ندخل كل شهر دون أن نعرف متى سنحصل على رواتبنا أو كم سيُصرف لنا فعليًا، وهو ما يحول التخطيط لأبسط متطلبات الحياة إلى أمر شبه مستحيل".
ومن زاوية أخرى للأزمة، كشفت إحدى العاملات، التي فضلت عدم ذكر اسمها أيضًا، عن التداعيات الصحية الناجمة عن توقف الشركة عن دفع التأمينات، مشيرة إلى أنه رغم استمرار خصم الاشتراكات التأمينية من الرواتب، توقفت الإدارة عن تسديدها للجهات المعنية، مما جعل العلاج عبئًا شخصيًا بالكامل حتى في الحالات التي كانت تُغطى سابقًا بشكل روتيني، قائلة في قلق، إن "العامل لم يعد يخشى المرض وحده، وإنما بات يخشى كلفته أيضًا".
ومن داخل خطوط الإنتاج، نقل عامل آخر صورة الضغوط المتزايدة، موضحًا "أن الإدارة تطرح باستمرار فكرة زيادة ساعات العمل في ظل الأجور ذاتها وغياب أي تحسينات في ظروف التشغيل". وهذا الوضع يعمق الشعور العام بأن الأزمة تتجاوز البعد المالي لتشمل غياب الأمان المهني والصحي، وتآكل الإحساس بالاستقرار على المدى القريب.
أزمة قطاع لا شركة واحدة
لم يكن الإضراب الأخير مجرد رد فعل على أزمة طارئة، وإنما جاء كتعبير مباشر عن تراكم طويل من الضغوط والانتهاكات التي دفعت العمال إلى التصعيد. وقد أظهرت الوقائع التي وثقتها مؤسسات حقوقية، ومن بينها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، أن هذا التحرك لم ينشأ فجأة، وإنما كان نتيجة مسار ممتد دفع العمال إلى رفض عرض أولي بصرف نصف مستحقاتهم فقط، وذلك باعتباره استمرارًا لنمط المعالجات الجزئية التي لا تمس جذور المشكلة، وهو النمط الذي تكرر للشهر الثاني على التوالي.
ولا تقتصر هذه الصورة على "وبريات سمنود" وحدها، وتمتد كذلك لتشمل شركات أخرى في قطاع الغزل والنسيج، وهو ما تعكسه تصريحات النقابي عادل سيد محمد، عضو اللجنة النقابية لشركة "الشوربجي"، وهي إحدى شركات قطاع الأعمال العام، الذي يرى أن الأحداث الحالية تعكس أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الإدارة أكثر من كونها مجرد نقص في الموارد.
وأشار النقابي إلى أن صناعة النسيج داخل "وبريات سمنود" وغيرها تشهد تراجعًا ملحوظًا نتيجة غياب الكفاءة الفنية في مواقع اتخاذ القرار. وأوضح أن الشركة، كحال "الشوربجي"، لا تزال تعمل بماكينات تجاوز عمرها عشرين عامًا دون تحديث حقيقي، وسط غياب خطط الصيانة الفعالة أو الاستثمارات الجادة في التطوير، مما يؤدي تدريجيًا إلى تراجع الإنتاج وزيادة الخسائر.
ويمتد هذا التراجع بحسب قول عادل إلى البنية النقابية نفسها، حيث تعاني "وبريات سمنود" من غياب شبه كامل للتنظيم النقابي، إضافة إلى منع أي محاولات لإحيائه رغم وجود لجنة نقابية للشركة في فترات سابقة.
ولا تبدو هذه الحالة استثناءً، إذ تتكرر بصيغ مختلفة في شركات أخرى داخل القطاع، ومن بينها "الشوربجي" التي أدى ضعف التمثيل النقابي فيها وعدم القدرة على ممارسة دور تفاوضي فعّال، عقب سعي النقابة العامة لـتجميد اللجنة النقابية، إلى إفراغ التنظيم من مضمونه. ويرى عادل أن هذا المسار يعكس اتجاهًا أوسع نحو إضعاف التنظيم النقابي داخل قطاع الغزل والنسيج، واصفًا إياه بأنه تفكيك تدريجي للأدوات التي كان يمكن أن يدافع بها العمال عن حقوقهم، مما يدفعهم للاعتماد على الاحتجاجات المباشرة كبديل عن العمل النقابي المنظم، وهو ما يفسر تكرار الإضرابات داخل "وبريات سمنود" دون الوصول إلى حلول مستدامة.
وفي المقابل، يطرح النقابي تصورًا مختلفًا يقوم على ضرورة إشراك العمال في إدارة الشركات، بوصفهم الأقرب إلى واقع الإنتاج والأقدر على تشخيص مشكلاته اليومية.
مسؤولية غير محسومة
يتقاطع طموح إشراك العمال في إدارة "وبريات سمنود" مع وضع بالغ التعقيد يتعلق بطبيعة ملكية الشركة نفسها، وهو ما أشار إليه تحقيق نشره "فكر تاني" خلال الإضراب السابق في الشهر الماضي حول المطالب ذاتها.
ويرجع هذا الإهمال في جوهره إلى وضع الملكية الهجين للشركة، فمؤسسة "وبريات سمنود" التي انطلقت كشركة قطاع عام، تحولت قانونيًا إلى شركة استثمار وقطاع خاص، في حين لا تزال النسبة الأكبر من أسهمها في قبضة بنك الاستثمار القومي التابع لوزارة التخطيط.
وقد خلق هذا الالتباس منطقة رمادية تُستغل للتهرب من المسؤولية، فالشركة لا تُعامل كجزء من القطاع العام الذي تلتزم الدولة بحماية أجور عماله، ولا تخضع لمنطق القطاع الخاص الذي يفرض كفاءة تشغيلية. وهكذا تُستخدم صفة القطاع الخاص كغطاء إداري لتجريد العمال من حقوقهم، بينما تحتفظ الدولة بنفوذها وقرارها داخل المصنع، وتكمن المفارقة الساخرة هنا في أن وزارة التخطيط التي تتبع لها الشركة هي ذاتها المنوط بها تطبيق الحد الأدنى للأجور الغائب تمامًا عن سمنود.
ولا يبدو هذا النموذج مجرد استثناء، وإنما يعكس اتجاهًا أوسع قد يمتد أثره إلى شريحة أكبر من العمال، وتحديدًا في ظل توارد الأنباء عن إعادة هيكلة وبيع شركات قطاع الأعمال العام بعد إلغاء الوزارة المختصة.
وهذا المسار قد يضع أكثر من 200 ألف عامل أمام مستقبل غير واضح المعالم في حال غياب الضمانات الكافية لحماية حقوقهم، مما يشكل فراغًا في المساءلة تتوزع فيه المسؤولية بين أطراف متعددة دون أن يتحملها أي طرف بشكل كامل.
وما يجري داخل مصنع وبريات سمنود خلال شهري مارس وأبريل الحاليين يعيد إنتاج مشهد سبق تكراره، حيث شهد المصنع في أغسطس 2024 إضرابًا مطولًا انتهى دون حلول جذرية وأعقبته حملة توقيفات أمنية، لتعود الأزمات من جديد في صور مختلفة.
وبين كل جولة وأخرى، تتكرر الدورة ذاتها بكل تفاصيلها بدءًا من تأخر الأجور وانقطاع الخدمات الطبية، مرورًا بالاحتقان الذي يولد الاحتجاج، وصولًا إلى التدخل الأمني أو التسوية المالية المنقوصة، قبل أن تعود الأوضاع إلى نقطة الصفر تقريبًا. واليوم، ومع دوران الماكينات داخل الشركة، لا يبدو أن هذه الدورة قد انكسرت، وإنما تزداد رسوخًا في ظل استمرار أنماط الإدارة وضعف التنظيم النقابي وغياب الوضوح في هيكل الملكية.
وبين وعود تلقي العلاج خلال أسبوع وتجارب سابقة لم تكتمل، يظل السؤال معلقًا حول ما إذا كانت هذه التسوية بداية لحل فعلي، أم مجرد محطة جديدة في سلسلة أزمات يدفع العمال كلفتها وحدهم. ففي كل مرة يعود فيها العمال إلى مواقعهم، تبقى الأزمة قابعة في مكانها دون أي تغيير حقيقي يمس جذور المشكلة.