أقل من 90 يومًا للتنفيذ.. هل تطال المشانق 14 ألف أسير فلسطيني؟

بات عشرات الأسرى الفلسطينيين لدى الاحتلال الإسرائيلي على بعد خطوات من حكم بالإعدام، إثر قانون وُصف بالعنصري وقف وراءه اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير.

وأقر الكنيست الإسرائيلي مشروع هذا القانون الذي يسمح بإعدام الفلسطينيين الذين تصدر بحقهم إدانة أمام محاكم عسكرية بقتل إسرائيليين، وقد فُصّل بالكامل ليُطبق فقط على الفلسطينيين دون الإسرائيليين حتى لو ارتكبوا الجريمة ذاتها.

وينص القانون، الذي حظي بتأييد 62 نائبًا من أصل 120 في الكنيست، على السجن المؤبد أو الإعدام لمن يُدان بالتسبب عمدًا "في وفاة شخص بنية إنهاء وجود دولة إسرائيل"، وفقًا لرويترز، كما يوجب تنفيذ حكم الإعدام خلال 90 يومًا من صدوره.

ويوضح مدير عام نادي الأسير الفلسطيني عبد الله الزغاري، في تصريحات إلى "فكر تاني" أن هناك عشرات المعتقلين الذين لم يُحاكموا وقد يُطبق عليهم القانون حال إقراره، مضيفًا أن أهالي الأسرى الفلسطينيين "في حالة غضب شديد وحزن ورفض كثير منهم التصريحات بسبب الملاحقات من جانب الاحتلال لا تتوقف عليهم وعلى بيوتهم".

ويواجه القانون انتقادات حقوقية ودولية بارزة، لم يسر عكس تيارها سوى الولايات المتحدة، التي أشارت في تصريح على لسان ناطق باسم وزارة خارجيتها إلى أنها "تحترم حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها وعقوباتها الخاصة بالمدانين بالإرهاب"، معبرًا عن "ثقة" بلاده في أن إسرائيل سوف تتخذ أي إجراء "في ظل محاكمة عادلة".

وطُرح قانون إعدام الأسرى خلال السنوات الماضية، وتحديدًا عام 2022 مع عودة وزير الأمن الداخلي بن غفير بتعديلات، ثم صودق عليه من الكنيست بالقراءة التمهيدية في مارس 2023. وصوت الكنيست على القانون ليصبح نافذًا مساء الإثنين، مما يسمح بفرض عقوبة الإعدام على "من يتسبب عمدا في قتل إنسان في إطار عمل إرهابي"، ولا يتيح القانون إمكانية منح العفو، مما يمنع احتمالية التخفيف أو التغيير بقرار سياسي، ووفقًا لما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) فإنه لا يُشترط وجود إجماع قضائي على حكم الإعدام، ويكون التنفيذ شنقًا بواسطة مصلحة السجون الإسرائيلية.

تاريخيًا ألغت دولة الاحتلال عقوبة الإعدام في جرائم القتل عام 1954 مع احتفاظ المحاكم العسكرية بخيار فرضها، وكان الشخص الوحيد الذي نُفذ بحقه حكم الإعدام هو أدولف آيخمان، الذي أُدين بالمشاركة والتخطيط لجرائم في الهولوكوست. ورغم عدم تنفيذ أي حكم بالإعدام رسميًا بحق الفلسطينيين، يرى منتقدون أن دولة الاحتلال تنفذ فعليًا عمليات إعدام ميدانية وفي المعتقلات سواء في الضفة الغربية أو القدس أو غزة، وخلال الحرب الأخيرة قتلت أكثر من 80 ألف فلسطيني.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني عدنان الصباح، إن الاحتلال "يمارس جرائم الإعدام يوميًا بحق الفلسطينيين بمناسبة ومن دون مناسبة في الضفة والقدس وغزة".

ويضيف الصباح، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن القانون لا يمكن أن يكون نافذًا إلا بعد 30 يومًا من إقراره بالكنيست في حال عدم الاعتراض عليه، وقد بادرت منظمات وجهات بتقديم اعتراضات أمام محكمة العدل الإسرائيلية التي من المقرر أن تنظر في الأمر وتقرر ما إذا كانت ستطبقه أو تقيّد تنفيذه أو تعيده إلى الكنيست لإدخال تعديلات عليه، معتبرًا أن هذه الإجراءات تعني أن القانون "لن ينفذ لوقت ربما لفترة طويلة".

الإدانات الدولية والواقع الميداني

على الصعيد الدولي أدانت منظمات وحكومات دولية وعربية وإسلامية القانون الإسرائيلي واعتبرته منافيًا للقوانين الدولية. ونددت الرئاسة الفلسطينية بالتشريع، بينما اعتبر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن تلك القوانين والإجراءات التي تنتهك القانون الدولي تمثل محاولة فاشلة هدفها ترهيب الفلسطينيين، في حين طالبت حركتا حماس والجهاد الإسلامي بمواجهة التشريع بهجمات ضد الاحتلال الإسرائيلي. وأصدرت منظمات الجامعة العربية والتعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي تنديدات بالتشريع، إلى جانب بيانات من دول عربية وبيان رباعي من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.

ميدانيًا شهدت مدن الضفة الغربية إضرابًا عامًا أمس الأربعاء احتجاجًا على القرار، ونُظمت وقفات منددة في عدة مدن رافعة لافتات تدعو لحماية الأسرى وإلغاء التشريع. واعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس أيمن الرقب في تصريح لـ"فكر تاني" أن القانون "يعبر عن حالة التطرف والعنصرية داخل دولة الاحتلال، وهو عمليا سعي لتقنين جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، وفتح مجال للضغط على الأسرى".

وواصل مدير عام نادي الأسير الزغاري حديثه معتبرًا أن القانون يمثل "تصعيدًا خطيرًا وتحديًا للمجتمع الدولي صدر من حكومة متطرفة كرست عملها لمحو الوجود الفلسطيني"، مشيرًا إلى أنه جاء بعد حملة تحريض من قادة الاحتلال ضد الأسرى في السجون تضمنت تهديدات وتعليمات بالانتقام عبر جرائم طبية وتجويع وانتهاكات جسيمة على مدار أكثر من عامين ونصف. كما اعتبرت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة وفق رويترز أن القانون يتضمن "تعريفا غامضا وفضفاضا للإرهابي، مما يعني احتمال فرض عقوبة الإعدام بسبب سلوك لا يعد إرهابيا" بطبيعته.

آفاق التطبيق ومسارات المواجهة

لطالما سعى بن غفير لجعل تطبيق عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين هدفًا، ومع تعيينه وزيرًا للأمن الداخلي أشرف على تغييرات داخل السجون، وتحدث نادي الأسير الفلسطيني مرارًا عن انتشار التعذيب والتجويع ضمن ممارسات سوء المعاملة التي زادت حدتها بعد السابع من أكتوبر.

وأدين بن غفير بسابقة عام 2007 بالـتحريض العنصري ضد العرب ودعم جماعة مدرجة على قوائم الإرهاب الأمريكية والإسرائيلية، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية ورويترز. ويرى المحلل السياسي الصباح أن التشريع ليس نهاية المطاف فثمة اعتراضات ستجد طريقها إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، وقد يصل الأمر إلى الإلغاء، وهو ما نقلته رويترز عن خبراء في المؤسسات الأمنية والقانونية الإسرائيلية الذين اعتبروا القانون غير دستوري وغير فعّال مما سيزيد من احتمالية إلغائه.

ويضيف الصباح، لـ"فكر تاني"، أن القرار ليس سوى استعراض سياسي ومحاولة للترويج للفكر الصهيوني الديني المتطرف سعيًا لتحقيق مكاسب في أوساط الناخبين.

من جانبه يرى الرقب أن الخطورة الأكبر تتمثل في إمكانية استئناف النيابة على أحكام صدرت بالفعل وقضى أصحابها عشرات السنوات بأحكام المؤبد، حيث يمكن إعادة محاكمتهم وإعدامهم، مضيفًا "هنا نتحدث عن نحو 14 ألف أسير قد يعاد محاكمة جزء منهم بحجة قتل إسرائيليين، ويطبق القانون بأثر رجعي على أسرى قضوا عشرات السنين في السجون". أما الزغاري فيخالفه الرأي معتقدًا أن القانون لن يُنفذ بأثر رجعي على الأسرى الحاليين، موضحًا أن عدد المحكوم عليهم بمؤبد واحد أو أكثر يبلغ نحو 117 شخصًا، وأن التنفيذ سيستهدف عشرات المعتقلين حاليًا ممن لم يُحاكموا بعد. وهنا يتوقع الصباح أن تُظهر الفترة المقبلة مدى تأثير هذه الخطوة وما إذا كانت ستشكل ضغوطًا على الشارع والمقاومة ميدانيًا وهل ستكون رادعًا حال إقرارها.

وتجسيدًا للغضب الشعبي بدأت مسيرات في عدة مدن فلسطينية على رأسها رام الله للتنديد بالقانون، وتزامن ذلك مع إضراب عام تعبيرًا عن الغضب في وقت صدرت بيانات تدعو المجتمع الدولي لتشديد الضغوط على إسرائيل للتراجع. ويرى الرقب أن الرهان الفعلي لمواجهة هذا القانون يقع على عاتق الشعب الفلسطيني، ففي الوقت الذي يعاني فيه سكان غزة يمكن لسكان الضفة ألا يتركوا هذا القانون يمر مرور الكرام مراهنًا على "خروج انتفاضة في الضفة الغربية، في وقت لن يفعل المجتمع الدولي فيه شيئًا".

ورغم عدم ظهور بوادر انتفاضة كما يتحدث الرقب، اندلعت مواجهات بين فلسطينيين وجيش الاحتلال ظهر الأربعاء عند حاجز قلنديا العسكري شمال القدس المحتلة، حيث ذكرت وكالة (وفا) أن الاحتلال أطلق أعيرة مطاطية وقنابل صوت نحو الشبان الذين أشعلوا إطارات سيارات ضمن احتجاجاتهم دون الإشارة إلى وجود إصابات.

وفي مسار آخر يرى الزغاري ضرورة اتخاذ المجتمع الدولي إجراءات أكثر جدية وحزمًا عبر خطوات عملية مثل تعليق اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل وفرض عقوبات عليها لانتهاكها القانون الدولي والإنساني، مطالبًا بطرد منظومة الاحتلال من كل المؤسسات الدولية وتعليق التعاون العسكري والاقتصادي وعزل الكنيست ونظام المحاكم العسكرية.

وختامًا أوضح الصباح أن هذا التشريع يأتي ضمن جهود لإبعاد الأنظار عن الهدف الرئيسي للاحتلال المتمثل حاليًا في توسيع سيطرته على أراضي لبنان وغزة وتهويد الضفة الغربية واحتلال أراضٍ في سوريا إلى جانب حربه في إيران، مشددًا على أن الاهتمام الحقيقي "يجب أن ينصب على مسار سياسي دولي يقود إلى حل عادل وشامل ومنصف للقضية الفلسطينية يشمل الحقوق الوطنية المشروعة وينهي الأزمة الشاملة والعامة التي تطال كل المنطقة".

وهكذا تتجاوز أبعاد هذا التشريع حدود الزنازين لتشتبك مع المشهد الإقليمي الأوسع الذي يسعى الاحتلال لإعادة صياغته. فبين استعراض يميني متطرف يغازل ناخبيه وتهديد حقيقي يتربص بحياة الأسرى، يغدو قانون الإعدام ورقة ضغط ملغمة. وأمام محاكم تنتظر البت في دستوريته وشارع فلسطيني يترجم غضبه باحتجاجات ميدانية، تتجه الأنظار نحو مجتمع دولي مطالب بتجاوز مربع التنديد اللفظي إلى الحسم العملي، لتستمر بذلك المواجهة المفتوحة بين ترسانة قوانين عنصرية تفرض وقائع جديدة على الأرض، وبين إرادة تتشبث بمسار سياسي يضمن الحقوق الوطنية المشروعة وينهي فصول هذه الأزمة الممتدة.


اقرأ أيضًا: "كاش بلزمناش".. غزة تستقبل العيد بلا عيدية أو ملابس جديدة | فكر تانى

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة