على مدار يومي عمل، وافق مجلس النواب على مشروعات قوانين للتنقيب عن البترول، ومرر اتفاقيات دولية تمثل في أغلبها قروضًا حكومية جديدة، ورغم هذه الموافقات طغت على المشهد انتقادات حادة للسياسات الحكومية في قطاعي الاقتصاد والطاقة تحديدًا، خاصة وأن تمرير القروض جاء في غيابٍ تام لمسؤولي الملف الاقتصادي بالحكومة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الذي اكتفى بالاجتماع مع رؤساء الهيئات البرلمانية بداية الأسبوع ولم يحضر إلى المجلس حتى الآن.
وغاب عن جلسة الأمس، المخصصة لمناقشة الاتفاقيات الدولية، الوزراء المختصين بالموضوعات التي تناقشها الاتفاقيات الدولية، بدءًا من نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، حسين عيسى، والوزراء المعنيين بالملفات التي تختص بها الاتفاقيات مثل الكهرباء والاتصالات والزراعة، فبالتأكيد وجود وزير شؤون المجالس النيابية المستشار هاني عازر، غيرُ كافٍ.
رفاهية في المدينة المظلمة
اللافت أن المجلس وافق، الأحد، على قرض قيمته 300 مليون دولار، ضمن اتفاقية برنامج تعزيز المرونة والفرص والرفاهية بين الحكومة المصرية، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وكان ذلك في اليوم التالي لتطبيق خطط الحكومة لترشيد الطاقة بإغلاق المحال العامة في التاسعة مساءً، وهو ما علقت عليه النائبة عن حزب العدل، فاطمة عادل، قائلة: "رفاهية إيه التي نتحدث عنها، في ظل ترشيد الاستهلاك الذي نعيشه اليوم، القاهرة تنام من المغرب يا ريس".
رفض القرض كان قرارًا واضحًا للهيئة البرلمانية لحزب العدل التي تحدث رئيسها، النائب محمد فؤاد، عن أزمة الحكومة الحقيقية وفشلها في تعبئة الموارد ما يدفعها للجوء للقروض.
اعتبر فؤاد أن المواطنين أصبحوا في نظر الحكومة "المؤلفة جيوبهم"، موضحًا أن الأزمة ليست في رفض وقبول القرض، بل في هيكل الإدارة الاقتصادية، وقال إن "الدولة لا تولد موارد، وهذا القرض بديل عن قدرة الدولة على توليد موارد ذاتيًا بنفسها ولنفسها".
غياب الحياء
لم يكن غياب الحكومة في رأي النائب ضياء الدين داود عاديًا، فالنائب الذي كرر على مدار السنوات الماضية مطالباته بحضور رئيس مجلس الوزراء للبرلمان لعرض خططه بشأن السياسة الاقتصادية وسداد الديون وغيرها من الملفات المتعثرة نتيجة سياسات الحكومة، اعتبر أنَّ حتى "برقع الحياء" أسقطته الحكومة.
وقال داود، الذي حصل على كلمته بعد مناقشة القروض والموافقة عليها، إن اليوم "اعتيادي في البرلمان، نبدأه بقروض ونستكمله بمنح، على الصبح 720 مليون دولار"، مشيرًا إلى أن إجمالي القروض التي وافق عليها المجلس في جلسة واحدة بلغ نحو ثلاثة أرباع مليار دولار، "ما يستوجب حضور الحكومة".
"حتى الحياء أمام البرلمان، لما تيجي مقترض لأنك محتاج موافقته، محتاج يتعامل مع البرلمان زي ما تتعامل الجهات القارضة"، أضاف داود الذي اعتبر أن ممثل الحكومة عليه "أن يأتي خاشعًا خاضعًا يقدم تقريره المتوالي ويتحاسب، لأن الجهة المانحة تهدده بالوقف لو راجعت ولم تجد الالتزامات، فما بالك بالبرلمان".
القروض بتروح فين
في هذه النوعية من الجلسات، تمر القروض بموافقة الأغلبية في هدوء، دون استماتة أو كلمات رنانة أو دفاع صارخ عن الحكومة وعن سياسات لا تخطئها عين أو عقل، لذلك لم يتحدث أي من نجوم أحزاب الموالاة البارزين في هذه الجلسة واختاروا الصمت، طالما استطاعت الأغلبية الميكانيكية تمرير الموافقة.
لكن الإعلامية آية عبد الرحمن، عضو مجلس النواب عن حزب الجبهة الوطنية، وهي واحدة من الموافقين، دافعت عن القرض الأكبر الذي مرر أمس بشأن "الرفاهية والفرص"، ودعت لتوضيح أهمية هذه القروض للمواطنين، قائلة: "الشارع يسأل القروض بتروح فين وبنستفيد منها إيه؟".
غير أن السؤال الذي تطرحه النائبة لا يسأله المواطن البسيط فقط، لكن يطرحه الجميع، ويشير النائب عاطف مغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، إلى التقارير المتعاقبة للجهاز المركزي للمحاسبات الذي كان يرأسه رئيس مجلس النواب الحالي، المستشار هشام بدوي، إذ يوضح أن هذه التقارير أكدت عدم استغلال عدد من المنح والقروض، وقال مغاوري: "التقرير يسجل ملاحظات على هذه المديونية التي لم تُستخدَم استخدامها الفعال، وأثقلت الدولة المصرية بالديون".
قاطع مغاوري الاتفاقية، وقال إن عنوان "تشجيع وتعزيز" أمور فضفاضة لا يمكن القياس عليها، "لا ندري بالفعل عن أي فرص ورفاهية تتحدث الاتفاقية"، واختتم كلمته بجملة قد تبدو كليشيهًا لحزب التجمع، لكنها في حقيقتها كاشفة في الظروف الإقليمية الراهنة والضغوط المتتالية على مصر، بدءًا من الحرب على غزة، حتى الحرب على إيران وتداعياتها: "إن القروض عبء على الأجيال القادمة والسيادة الوطنية، والقرار الوطني الصحيح في الوقت الصحيح".
رفض متردد
رفضت الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الموافقة على قرض "الفرص والرفاهية" الذي يبلغ إجمالي قيمته 300 مليون دولار، رغم أن رئيس الهيئة، النائب محمود سامي الإمام، أعلن في بداية كلمته تردده بين الموافقة والرفض.
الإمام، الذي أدرك حقيقة الأزمة الاقتصادية وتعقيدها خلال مشاركته في اجتماع رؤساء الهيئات البرلمانية مع رئيس مجلس الوزراء، اختار الرفض رغم "الوضع المالي الصعب الذي تمر به البلاد واحتياجها لكل مليم لدعم فاتورة الطاقة والاحتياجات الأساسية"، وقال: "استمرارًا لمبدأ الحزب في ضرورة السيطرة على الدين نرفض القرض".
بصمات متكررة
تراكم الاتفاقيات وتمرير القروض في جلسة واحدة لم يكن في صالح الصورة العامة لمجلس النواب، وظهر المجلس وكأنه يبصم للحكومة على تعاقداتها مع الجهات الدولية.
قال النائب أحمد فرغلي، الذي اعتاد على مدار عشر سنوات سابقة على رفض القروض، إن "المجلس لابد أن يقوم بدوره، الدكتور مصطفى لابد أن يحضر للمجلس ويتكلم"، مضيفًا: "لا تمر جلسة إلا بقرض والمجلس يبصم على الموافقة، الشعب انتخبنا لابد أن نحافظ على الشعب، لكن بهذه الموافقات نحافظ على الحكومة وليس الشعب، مش هنقعد نوافق على اقتراض والشعب المصري بيغرق".
لكن بصمات المجالس المتعاقبة على مدار عشر سنوات تبدو واضحة في فوائد الديون وخدمة الدين، التي تلتهم نحو 65% من الموازنة العامة، يقول فرغلي: "الحكومة تسلمت في 2018 وكانت قيمة الدين 92 مليار دولار يعادل وقتها 1800 مليار جنيه، لكن قيمة الدين الآن تجاوزت 169 مليار دولار بما يعادل أكثر من 8500 مليار جنيه".
تأتي هذه القروض الداعمة للموازنة العامة للدولة، مع استعداد المجلس لمناقشة الحساب الختامي للعام المالي 2024/2025، وقبل يوم واحد من انتهاء مهلة إحالة الموازنة العامة الجديدة للعام المالي 2026/2027 لمجلس النواب التي يبدو أنها مثقلة بالديون وفوائدها، فتلجأ الحكومة كالعادة للاقتراض، ونسير معًا في نفس الدوامة التي لا تتوقف.