هل تنجو مصر من كارثة ديمونة النووية المحتملة؟

يتابع المصريون في قلق وترقب تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية، ليس بغرض مناصرة الطرف الإيراني أو التشفي في العدو الإسرائيلي فحسب، وإنما توجسًا مما قد يسفر عنه هذا التصعيد من احتمالات حدوث تسرب إشعاعي في سماء سيناء القريبة من مفاعل ديمونة الشهير.

واتخذت المواجهات مؤخرًا منحى خطيرًا بتكثيف الهجمات العسكرية على المنشآت النووية الإيرانية، وتكرار استهداف محطة بوشهر المطلة على ساحل الخليج العربي، وما قابل ذلك من رد إيراني تمثل في ضرب مدينة ديمونة الواقعة في صحراء النقب جنوبي دولة الاحتلال، حيث يقبع مفاعل ديمونة النووي وسط مخاوف متزايدة من أن تتسبب هذه الضربات في تسرب إشعاعي ينسج سحبه السامة في سماء البلاد.

وطالت هذه الحرب، التي بدأت في 28 من فبراير الماضي ولا يُعرف لها نهاية بعد، دولًا لم تنخرط فيها من الأساس، ودفعت دول أخرى فاتورتها الاقتصادية الفادحة بسبب تداعياتها الكارثية على قطاع الطاقة وسلاسل الإمداد. غير أن أسوأ كوابيس هذا الصراع يتمثل في احتمالات التسرب الإشعاعي الناتج عن استهداف المفاعلات النووية التي تحتضنها دول النزاع، والتي اندلعت الحرب بسببها في المقام الأول، وحينها سيكون ذلك انتحارًا بيئيًا سيطول ضرره الكثيرين ومن بينهم مصر بكل تأكيد.

ورغم أن الجميع يبدو بمأمن حتى الآن، سواء نحن المصريون الذين يفصلنا نحو سبعين كيلومترًا على أقل تقدير عن مفاعل ديمونة الإسرائيلي، أو سكان الخليج الذين تفصلهم كيلومترات قليلة عن محطة بوشهر النووية التي تعرضت لأكثر من هجمة، فإن سكان إيران أنفسهم يقعون في قلب الخطر حيث تحتضن أراضيهم ثلاث منشآت نووية رئيسية هي نطنز وفوردو وأصفهان.

ماذا لو استهدفت إيران مفاعل ديمونة؟

يبرز القلق المصري المتصاعد من إصابة عصب البرنامج النووي الإسرائيلي، تساؤلًا ملحًا عن مدى الاستعداد لمواجهة أي تسرب إشعاعي محتمل. ورغم تطمينات الحكومة المصرية بأن الوضع تحت السيطرة، تستمر الشكوك في مساورة المواطنين حيال هذا التهديد المدمر.

ولعل ما يزيد المشهد تعقيدًا هو تاريخ إنشاء مفاعل ديمونة الذي أُسس في أواخر الخمسينيات بمساعدة فرنسية، ورغم ادعاء تل أبيب تخصيصه للأغراض البحثية وعدم اعترافها بامتلاك سلاح نووي، يؤكد معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام امتلاكها 90 رأسًا نوويًا لتصبح القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهو ما يتوافق ذلك مع تقييم استخباراتي أمريكي يعود لعام 1968، إلى جانب تصريحات حديثة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أقر فيها بامتلاك إسرائيل أسلحة نووية.

ومما يضاعف من حجم المخاوف أن إسرائيل ليست من الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولا تخضع منشآتها لرقابة نظام الضمانات الشامل التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع ذلك سارعت الوكالة إلى نفي رصد أي أضرار أو مستويات إشعاعية غير طبيعية في النقب عقب الهجمات، وهو ما أيدته هيئة الرقابة النووية والإشعاعية في مصر، بإعلانها استقرار الوضع واستمرار المراقبة اللحظية عبر شبكات الإنذار المبكر.

الرياح الحارس الطبيعي الأول

يظل الخطر قائمًا بكل تأكيد في حال تعرض مفاعل ديمونة السري في صحراء النقب الإسرائيلية لأي ضربات يسفر عنها تلوث إشعاعي، ويكون عنصر الحسم هنا هو الوجهة التي ستتطاير إليها الإشعاعات السامة. وتميل الاحتمالات في هذه الحالة إلى هبوب رياح شمالية غربية تتجه صوب الأردن وليس مصر، حسبما يوضح الدكتور علي عبد النبي، نائب رئيس هيئة المحطات النووية سابقًا.

ويشير الدكتور عبد النبي في تصريحات لـ "فكر تاني"، إلى أن مصر قد تكون معرضة للخطر فقط في حالة اتجاه الرياح إلى بوابتها الشرقية في ذروة رياح الخماسين. ومن هنا يبرز دور الرياح كحارس بيئي يحمي مصر من أي احتمالات لتسرب إشعاعي، إذ يقدر خبراء الطاقة أن العامل الجغرافي يجعل المسار الطبيعي لأي سحابة إشعاعية محتملة يتجه بعيدًا عن العمق المصري.

وإذا وجهت الرياح مسارها نحونا، فستكون سيناء التي تبعد ما بين سبعين إلى ثمانين كيلومترًا عن صحراء النقب الأقرب للتعرض لمخاطر الإشعاع النووي حال حدوث تسرب من مفاعل ديمونة على وجه الخصوص.


اقرأ أيضًا: إيران ما بعد خامنئي.. حرب بلا قائد ومشروع ضل طريقه | فكر تانى


ويحدد الدكتور عبد النبي معايير دقيقة لتأثر السكان في شبه جزيرة سيناء بأي إشعاع نووي محتمل، ويأتي في مقدمتها حجم الضرر الناجم عن انفجار مفاعل ديمونة أو انصهاره، واتجاه وسرعة الرياح في توقيت التسرب الإشعاعي، فضلًا عن الظروف المناخية المصاحبة للحدث. وينبه في الوقت ذاته إلى أنه مهما كان حجم التسرب الناجم فلن تتعرض القاهرة ومحافظات الدلتا لأي تأثير نظرًا لابتعادها نحو أربعمائة كيلومتر عن مركز الإشعاع، على عكس سيناء التي تبعد سبعين كيلومترًا فقط. ويضيف خبير الطاقة أن مصر تمتلك منظومة وقائية فعالة قادرة على رصد أي تغيير إشعاعي لضمان سرعة الاستجابة من قبل وزارة الصحة، وإدارة الحرب الكيميائية بالجيش المصري، المختصة بتوفير الوقاية والتعامل مع الحروب غير التقليدية ومعالجة التلوث وحماية البيئة

ويوضح أن هذه الجهات قادرة تمامًا على حصر نطاق الإشعاع وتحذير المواطنين وإلزامهم بالبقاء في منازلهم واتباع تعليمات محددة من بينها ارتداء كمامات طبية والتخلص من الملابس والمقتنيات التي تعرضت للإشعاع، فضلًا عن ضمان جودة الطعام والمياه في المنطقة المنكوبة بسبب تلوث الآبار والمزارع بطبيعة الحال.

ورغم هذه التطمينات يظل شبح الكوارث النووية حاضرًا بقوة في الأذهان، لكونه تهديدًا فتاكًا هلك بسببه كثيرون وعانى آخرون طوال حياتهم من أزمات صحية مزمنة. وتلوح في الأفق دائمًا ذكرى الانفجار الكارثي لمفاعل تشيرنوبل بأوكرانيا عام 1986، الذي يُصنف كأسوأ حادث نووي في التاريخ، وأسفر عن ضحايا تباينت تقديراتهم بين أربعة آلاف وفقًا للأمم المتحدة وثمانية آلاف بحسب السلطات الأوكرانية، إلى جانب الإجلاء الفوري لأكثر من مئة ألف شخص من مناطقهم المنكوبة.

ليس كل تسريب انفجار

لا تقتصر الكوارث النووية على الأخطاء البشرية وحدها، فقد سجل غضب الطبيعة حضوره المدمر في كارثة فوكوشيما باليابان عام 2011 إثر زلزال وتسونامي أدى إلى انصهار نووي. ورغم عدم تسجيل وفيات مباشرة بالتسمم الإشعاعي الحاد حينها، فإن الكارثة خلفت أضرارًا جسيمة وعمليات إجلاء واسعة وإصابات لاحقة بسرطان الغدة الدرقية بين الأطفال. وتؤكد هذه الحوادث المأساوية أن النيران إذا اقتربت من أي مفاعل نووي فإن العناصر المشعة لا تستقر في الهواء فحسب، وإنما تخترق التربة لتهدد كل كائن حي لعقود وقرون قادمة، في حين يتوقف حجم الكارثة الفعلي على شدة الضربات واتجاه الرياح التي تحمل هذه المواد السامة إلى محطتها الأخيرة وفقًا لتقديرات خبراء الطاقة النووية.

انفجار بوشهر سيتسبب في كارثة محققة للسكان المقيمين بالقرب من الخليج العربي وللمحطات الحيوية لتحلية المياه

ويفرق رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق، أمجد الوكيل، بين الانفجار النووي والتسرب الإشعاعي، مبينًا أن استهداف المفاعلات النووية لا يؤدي مطلقًا إلى انفجار نووي على غرار القنابل الذرية.

ويشير، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن الخطر الفني المحتمل في أسوأ السيناريوهات هو حدوث تسرب إشعاعي قد ينجم عن ضرر في حاوية المفاعل أو أنظمة التبريد، وهو خطر يمكن التعامل معه والعمل على احتوائه وإدارته فنيًا وبيئيًا. ويعتمد تقييم خطورة أي حادث إشعاعي وفقًا للوكيل على عدة عوامل رئيسية تشمل نوع وكمية المواد المشعة المنطلقة واتجاه الرياح وسرعتها والظروف الجوية مثل الأمطار، إضافة إلى ارتفاع السحابة الإشعاعية وطبيعة التضاريس، إلى جانب سرعة الاستجابة والإجراءات الوقائية مثل الاحتماء أو استخدام أقراص اليود.

وفي المقابل يحذر الدكتور علي عبد النبي من أن انصهار قلب المفاعل نتيجة عطل في أنظمة التبريد أو استهداف أحواض الوقود المستنفد التي تخلفها المفاعلات يُعد أمرًا شديد الخطورة ويساعد على إطلاق سحابة مشعة.

وهذا بالتحديد ما يثير القلق في مصر من وجود مفاعل ديمونة بالقرب من أراضيها في ظل غموض البرنامج النووي الإسرائيلي. وينسحب الحال ذاته على سكان الخليج في حال استهداف أحواض الوقود المستنفد في مفاعل بوشهر، مما يهدد بعطش المنطقة بأكملها إذا انتشرت المواد الإشعاعية بالقرب من محطات تحلية المياه هناك.

فرض التشاؤم

إن استهداف المفاعلات النووية سواء المستخدمة في الأغراض المدنية أو العسكرية سيخلف كوارث بيئية جسيمة في المحيط المجاور لها، ولا يمكن قياس التأثير إلا بتقدير حجم الضرر وسرعة انتشاره أولًا إلى جانب طبيعة المناخ في توقيته، حسبما يوضح رئيس هيئة الطاقة الذرية الأسبق علي إسلام. مشددًا على أن ضرب أي مفاعل نشط قد يؤدي إلى كارثة بيئية نووية، وذلك رغم استعدادات الحكومات بخطط طوارئ جاهزة لتوفير أكبر قدر من الحماية لمواطنيها والتقليل من الآثار الناجمة.

ويستبعد إسلام في تصريحاته لـ "فكر تاني" استهداف الضربات الإسرائيلية لقلب مفاعل بوشهر الإيراني لأن ذلك قد يؤثر بشكل كبير على تشغيله وأنظمة التبريد داخله، محذرًا في الوقت نفسه من أن التلوث الإشعاعي الذي قد ينتج عن انفجار بوشهر سيتسبب في كارثة محققة للسكان المقيمين بالقرب من الخليج العربي وللمحطات الحيوية لتحلية المياه التي تعتمد عليها دول الخليج بشكل أساسي.

إن اتساع دائرة الحرب وانزلاقها إلى مستوى التحذير من انفجارات نووية أو كوارث بيئية ناجمة عن تسرب إشعاعي محتمل يؤشران بشكل واضح إلى أن هذه الحرب ليست كسابقتها وأن تداعياتها ستتجاوز عدد أيامها، فهي كما وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش "حرب خرجت عن السيطرة"، ولذلك فإن وضع السيناريو التشاؤمي لمآلات هذه المعركة ليس خروجًا عن سياق تطرفها المطلق.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة