على مدار ما يقارب قرنًا من الزمان، لم تكفّ السينما المصرية عن طرح صورة المثقف بوصفه مرآة للواقع وتحوّلاته، فتارةً تُقدّمه كمنقذ يحمل مشروعًا للتنوير والتغيير، وتارةً أخرى كمهمّش غارق في الصراعات أو حتى خائن لقيمه. وبين هذين القطبين، رسمت عشرات الأعمال الفنية ملامح "المثقف المصري" متنقلة بين الجامعي والمحامي والصحفي والفنان والمعارض والباحث وحتى المثقف الشعبي، في سردية بصريّة تعكس تعقيدات العلاقة بين السلطة والمعرفة من جهة، وبين الواقع والحلم من جهة أخرى.
تكشف قاعدة البيانات الصادرة عن معهد "دفتر أحوال"، المتخصص في إنشاء وتصميم قواعد البيانات المفتوحة، التي جمعت نحو 328 عملًا فنيًا متنوعًا منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى مطلع الألفية الثالثة، عن أن صورة المثقف لم تكن ثابتة، إنما تغيّرت بتغيّر السياق السياسي والاجتماعي والثقافي في مصر.
وتأثرت التحولات التي مرت بها شخصية المثقف كما جسدتها السينما والدراما المصرية بالفترات السياسية والاجتماعية المختلفة، عبر خمس حقب تاريخية أحدثت تغيرات بارزة ومهمة في المجتمع المصري. بدأت الحقبة الأولى مع انطلاق السينما في العهد الملكي، ثم تلتها الحقبة الثانية ما بعد قيام الثورة وحتى نهاية السبعينيات، وهي فترة الاشتراكية، لتأتي الحقبة الثالثة مع بداية السبعينيات حتى مطلع الثمانينيات بالتزامن مع عصر الانفتاح، بينما امتدت الحقبة الرابعة من بداية الثمانينيات حتى ما قبل ثورات الربيع العربي، لتختتم بالحقبة الخامسة والأخيرة التي تلت اندلاع تلك الثورات.
ومن خلال تحليل "فكر تاني" لبيانات المعهد، تبين انقسامها إلى نوعين رئيسيين هما المواد المرئية والمواد المقروءة، وتتعلق المواد المرئية بالأفلام والمسلسلات والبرامج الحوارية التلفزيونية والوثائقية التي تناولت شخصية المثقف، وتشمل 131 مادة متنوعة تتضمن 115 فيلمًا و6 مسلسلات و10 برامج. وفي المقابل، تختص المواد المقروءة بالمقالات والحوارات والتقارير والدراسات والكتب، وتشمل 197 مادة متنوعة تتكون من 167 مقالًا و16 كتابًا و6 دراسات و6 حوارات وتقريرين.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت السينما حليفة للمثقف أم شاهدًا على سقوطه، وما إذا كانت قد ساهمت في إعادة إنتاج صورته النمطية أم نجحت في تجاوزها، وهو ما يحاول هذا التحقيق استكشافه عبر تحليل البيانات واستعراض أبرز النماذج البصرية وتتبع تحولات خطاب هذه الشخصية عبر العقود.
الاصطدام بالواقع
ظهرت الملامح الأولى لشخصية المثقف بصورة بارزة من خلال دور "محمد"، الشاب الطموح المثقف الجامعي ابن الحلاق الذي يعاني من الصراع بين طموحاته العريضة وواقعه البسيط في فيلم "العزيمة" الصادر عام 1939. ويُعد هذا العمل إحدى العلامات الفارقة في تاريخ السينما المصرية بواقعيته وقيمة صانعه المخرج والمؤلف كمال سليم، مؤسس المدرسة الواقعية في الفيلم المصري.
ومثّل هذا الفيلم نقطة تحول كبرى، فقبله كانت السينما غارقة في بحور الرومانسية وتزخر بمشاهد القصور والفيلات الفخمة والفتيات المتأنقات حتى في أدوار الفلاحات، ليأتي "العزيمة" معبرًا عن قطاع عريض من الشعب المصري. فقد كان البطل هو الشاب المتعلم الوحيد في حارة بأكملها، حيث انحصرت أمنية أبيه الأسطى حنفي في استكمال تعليم ابنه الجامعي ليصبح موظفًا حكوميًا، وتتصاعد الأحداث ليواجه هذا الشاب تحديات قاسية بين طموحه وواقعه.
ومن المثير للاهتمام أن تصوير هذا الفيلم توقف لفترة لاعتباره مسيئًا لسمعة مصر، بسبب ظهور مهن بسيطة كالحلاق والجزار والحانوتي ضمن أحداثه. وقد ذكر الكاتب والشاعر بديع خيري في مذكراته أن طلعت باشا حرب، مدير استوديو مصر آنذاك، قرر إيقاف التصوير لأن الأحداث تدور في حارة شعبية، مما دفعه لمقابلته وتوضيح أن الفيلم يحمل طابعًا واقعيًا، ولا يسيء للبلاد لوجود المهن ذاتها في العالم أجمع.
وأضاف خيري أن الاستوديو لن يخسر شيئًا لو سمح بالتصوير، ليتحمل صناع العمل النتيجة في حال فشله، فاقتنع طلعت باشا واستؤنف العمل، لتطل علينا شخصية المثقف بثوب واقعي مختلف.
وفي سياق المقارنة بين وسائل التناول، أظهرت البيانات أن المواد المقروءة تخطت نظيرتها المرئية في تسليط الضوء على هذه الشخصية بنسبة بلغت نحو 20% خلال فترة الرصد.
وتجاوزت المواد المقروءة المنشورة ما بعد عام 2000 نحو 17 ضعفًا لتلك المنشورة قبل ذلك العام، مما يمثل دلالة واضحة على التغير المعرفي والاهتمام المتزايد بدور المثقف. وعلى النقيض من ذلك، اختلفت البيانات المرئية في توزيعها الزمني، حيث ارتفعت الأعمال التي ناقشت الشخصية قبل الألفية بنسبة 5% مقارنة بالأعمال الصادرة بعدها.
وعن مصادر النشر، استحوذت المواقع الإلكترونية وحدها على 70% من البيانات المقروءة بواقع 138 مادة، تلتها الصحف بنسبة 18%، ثم دور النشر بنسبة 6%، بينما تذيلت الدوريات العلمية القائمة بنسبة 1% فقط.
من الرومانسية إلى غياهب المعتقلات
وعن السمات الدرامية، يقول الكاتب محمود قاسم في كتابه "الفيلم السياسي في السينما المصرية"، إن المعتقل السياسي عادة ما يكون شخصًا مثقفًا حرًا وتقدميًا لا يحمل السلاح ولم يسعَ لقلب نظام الحكم أو إحداث الشغب، إنما يظهر كشخص يخاف على وطنه ويريد له الحرية والتقدم. وتجسد هذا الوصف بدقة في شخصية "إسماعيل الشيخ" في فيلم "الكرنك" المعروض عام 1975، المأخوذ عن قصة الأديب نجيب محفوظ ومن إخراج علي بدرخان، الذي تدور أحداثه حول الاستبداد السياسي والفكري، ولعب الفنان نور الشريف دور الطالب الجامعي بكلية الطب، الذي يمارس نشاطًا سياسيًا مع زملائه في مقهى الكرنك، ليتعرضوا لاحقًا للاعتقال والملاحقة. وركز الفيلم على قسوة النظام آنذاك وكيفية اضطهاد الشباب، ليواجه إسماعيل ظروفًا قاسية في السجن ويخرج محطمًا بعد فترة من التعذيب، ليصبح رمزًا للشباب المقهور وانعكاسًا لحالة اليأس والإحباط.
وبين الحالم في "العزيمة" والمعذب في "الكرنك"، وصولًا إلى نماذج أكثر هشاشة وانكسارًا في أعمال التسعينيات، يتبين أن المثقف المصري مرّ بمسار طويل من الرومانسية إلى الواقعية، ومن الحضور إلى التهميش. وتصدرت الأفلام تمثيل هذه الشخصية بنسبة 88% متفوقة على الدراما التلفزيونية التي مثلت 5% فقط، بينما حصدت البرامج التلفزيونية 8%.
أما في المواد المقروءة، فاستحوذت المقالات على 85% من إجمالي الأعمال، تلتها الكتب بنسبة 8%، ثم تعادلت الدراسات والحوارات بنسبة 3%.
وتشير الإحصائيات إلى أن الذكور شكلوا الأغلبية الساحقة في أداء هذا الدور بنسبة تتجاوز 84% في المواد المرئية، بينما اقتصر الحضور النسائي على 8%، ولم تتحدد هوية 8% من الشخصيات الأخرى، وغالبًا ما قُدّمت النماذج من خلفية اجتماعية متوسطة وُضعت في صراع يعبّر عن مأزق الثقافة والمجتمع.
قوالب وظيفية وتصنيفات درامية
تنوعت الوظائف التي امتهنها المثقف لتشمل أكثر من عشر وظائف، تصدرتها مهنة الصحفي والوظائف الفنية والإبداعية بنسبة 27% بواقع 35 مادة، تلاها المثقف النقابي بنسبة 21%، ثم الموظف الحكومي بـ 15%، والسياسي بـ 2%، إلى جانب مهن أخرى كالعمل الحر والقطاع الخاص، بينما ظهرت 11 مادة تجسد المثقف بلا عمل.
وبرزت بعض النماذج النسائية التي تحدت التقاليد، كما في فيلم "الأستاذة فاطمة" حيث قدمت فاتن حمامة شخصية المحامية، التي سعت لإثبات ذاتها متحدية خطيبها الذي قلل من شأنها، لتتولى الدفاع عنه لاحقًا وتثبت جدارتها.
وفي إطار ساخر، قدم الكاتب أحمد رجب شخصيتي "عنايات وعبد الواحد" في فيلم "فوزية البرجوازية"، وهما زوجان مثقفان دفعتهما الظروف للعيش في حارة شعبية، مما أبرز الفجوة الواسعة بينهما وبين الإنسان العادي لعجز أهل الحارة عن فهم مصطلحاتهما الفلسفية، وأدى الدورين صلاح السعدني وإسعاد يونس.
وعلى صعيد التصنيف الفني، استحوذت الأدوار الدرامية على 71% من الأعمال بواقع 93 عملًا فنيًا، تلتها الكوميديا بنسبة 10%، والبرامج بنسبة 8%، وأخيرًا الأدوار الحربية والإجرامية بنسبة 1% لكل منهما.
وتتوافق هذه النسب مع ما خلصت إليه الباحثة آية طنطاوي في دراستها "صورة المثقف في السينما المصرية"، حيث أوضحت أن السينما مالت إلى توظيف شخصيات نمطية. ولم تظهر الشخصية بمسماها الصريح دائمًا، إنما تجلت في نموذج الطالب الجامعي الذي يحظى بتقدير محيطه ويُعد مرجعًا استشاريًا ومصدر فخر كما في أفلام "العزيمة" و"الدكتور" و"أولاد الفقراء" و"الأفوكاتو مديحة".
وفي المقابل، ظهر الشاب البرجوازي المستهتر، وشخصية الكاتب المنعزل كما في فيلم "ليلى بنت المدارس". وامتد الأمر إلى تصوير بعض المثقفين كأشخاص أفقدتهم الفلسفة عقولهم وعزلتهم عن الواقع، وهو ما جسده أحمد راتب في شخصية "فؤاد التربي" أستاذ الفلسفة الذي هجر العالم ليعيش في المقابر في فيلم "صايع بحر".
السياسة تصوغ الملامح وتفرض التهميش
وفي تفسيره لهذا التراجع، يؤكد المخرج يسري نصر الله أن الصدام الذي حدث في خطبة سبتمبر 1981 (ألقى الرئيس السادات خطابًا عنيف اللهجة صب فيه جامّ غضبه على كل مَن حوله. مما جعل البعض يقول إنه في هذا اليوم قد وَقَّع بيده شهادة وفاته)، وما تلاها من اعتقال لكبار المعارضين أثر بشكل كبير على التناول الفني للمثقف، حيث لم تظهر الشخصية منذ ذلك الحين بشكل ناضج، إنما بدت دائمًا "مبتورة متذبذبة وغير مكتملة".
ويشير نصر الله، في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى أن الأوضاع السياسية تعد حجر الأساس في رسم هذا النمط، معتبرًا الفن انعكاسًا واضحًا لأي فترة زمنية. ويفسر حصر المثقف في وظائف محددة بارتباطها بالحقبة الزمنية نفسها، ففي الثمانينيات والتسعينيات انحصرت أدواره في الصحفي أو الأستاذ الجامعي بسبب الرواج الإعلامي حينها. ولا يمكن إغفال اختفاء هذه الشخصية في السنوات الأخيرة تزامنًا مع الغزو التكنولوجي وضعف النضج الثقافي الواقعي، مرجعًا تصدر الرجال لهذه الأدوار إلى طبيعة المجتمع الذي رسخ صورة الرجل كصاحب رأي، مما قلص من حضور المرأة الفاعلة.
ومن جانبها، ترى الناقدة الفنية نهلة إيهاب أن السينما نجحت في تمثيل المثقف بشكل متقطع، ففي الستينيات والسبعينيات قُدمت الشخصية بعمق فكري واضح كما في "قصر الشوق"، ليتحول لاحقًا إلى ضحية للقمع في "الكرنك"، قبل أن يتراجع حضوره لصالح أنماط استهلاكية في موجات السينما التجارية. وتضيف إيهاب، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن الدراما التلفزيونية قدمت المثقف في سياق اجتماعي ممتد، كما في "ليالي الحلمية"، غير أنها مالت أحيانًا إلى "التبسيط أو الخطابية".
وتوضح إيهاب أن الفن لم يكن مستقلًا عن السياسة، فشخصية المثقف تظهر كناقد جريء في فترات الانفتاح، وتتحول إلى ضحية في فترات التضييق. فبينما كان المثقف الثوري في الستينيات مؤمنًا بالعدالة ضمن مشروع وطني، تحول في السبعينيات والثمانينيات إلى شخصية قلقة تميل إلى السخرية، ليصبح في الألفية الجديدة مجرد "شخصية مقصاة أو عاجزة عن التأثير، ضحية منظومة اجتماعية معقدة".
وتتفق إيهاب مع فكرة حصر المثقف في قوالب وظيفية تستثني الطبقات العاملة، معتبرة أن ذلك يعكس "تصورًا نخبويًا للثقافة، أكثر منه واقعًا اجتماعيًا شاملًا".
وفي النهاية يتبين أن صورة "المثقف" في السينما المصرية منذ بداياتها وحتى اليوم ما هي إلا انعكاس للواقع، فقد تطورت هذه الشخصية عبر العقود المختلفة، ومثلت دلالات واضحة للتحولات الاجتماعية والسياسية، مما يعكس العلاقة بين الثقافة والسلطة، ويجعلها توثق التحولات الاجتماعية والفكرية في مصر عبر عدسة السينما، وتحلل استخدام الفن كسلاح نقد أو تهميش للمثقف.