نهاد أبو القمصان: الدولة "تغسل يدها" من الأحوال الشخصية.. والسياسة قسّمت الحركة الحقوقية

بين أروقة المحاكم، وضجيج السوشيال ميديا، تقف نهاد أبو القمصان، المحامية بالنقض ومؤسسة المركز المصري لحقوق المرأة، كشاهدة عيان ومشاركة فاعلة في صياغة "أجندة الحقوق" في مصر على مدار أكثر من خمسة وثلاثين عامًا.

في هذا الحوار الذي أجريناه في "فكر تاني" خلال الاحتفال بيوم المرأة العالمي ويوم المرأة المصرية، لا تتحدث نهاد بصفتها الحقوقية التقليدية فحسب، بل تشتبك مع الواقع بجرأتها المعهودة، فتفكك خطاب العداء للحقوق الذي يتسلل لبعض الرجال وحتى النساء، وتضع الدولة أمام مسؤولياتها في ملفات الأحوال الشخصية، انتصارًا لحقوق الأطفال.

تتنقل نهاد بين ذكريات العمل مع رفيق دربها الراحل حافظ أبو سعدة، وبين رؤيتها النقدية لمسار الحركة الحقوقية في مصر بعد عام 2013، وكيف ابتعدت واتسعت الفجوة بينها وبين زملائها، مدافعة عن مواقفها، ونافية انحيازها أو تأييدها لسياسات تنتهك حقوق الإنسان.

الستات خدت كل حقوقها!

تُفند نهاد الادعاءات الشائعة بين الرجال بأن المرأة نالت كامل حقوقها، مفسرة هذا التوجه بوجود "تصور خاطئ بأن حقوق المرأة تأخذ من حقوق الرجل ومن سلطته وتنتقص منه"، وترى أن هذه الرؤية تعبر "عن درجة متواضعة في الوعي، لأنه لو لديه وعي سنجد أن الرجال الذين يفهمون يحتاجون معهم سيدة قوية، لأنه لو مالت به الدنيا سيجد من يستند إليها".

لكن الخطاب المعادي لحقوق المرأة يمتد إلى قطاعات من النساء أيضًا بسبب "قلة وعي شديدة جدًا"، إذ تلفت إلى أن هذه القطاعات لا تدرك ضرورة تعديل القوانين أو السياسات إلا عندما تجد نفسها في أزمة شخصية.

لماذا نحتاج تجريم التحرش؟

نهاد التي بادرت قبل سنوات طويلة بأول دراسة وحملة حقوقية لمناهضة التحرش الجنسي تحت شعار "لما عاكست استفدت إيه؟" توضح أنها الآن تهتم بالعمل على "الإصلاح التشريعي وتحسين آليات التنفيذ للقوانين الخاصة بالتحرش الجنسي".

تعتبر أن مصر قطعت خطوات مهمة جدًا في الوعي، "هذا مكن البنات والسيدات وجعلهن أكثر شجاعة وقدرة على الرصد حتى بالكاميرا"، وتشير إلى واقعة تصوير المتهمين بالتحرش في الشارع أو المواصلات العامة: "قبل ذلك، كانت البنت من الممكن أن يقف قلبها من الرعب والخوف".

وتوضح استمرار العمل على قضايا التحرش الجنسي ولكن بمنظور مختلف: "بدأنا من أول دراسة التي عكست نسب انتشار المشكلة وقالوا لنا إنكم تسيئون لسمعة مصر، ثم النص على التحرش في القانون بعدما كانوا يقولون لنا عندكم نص لهتك العرض، ونحن أقنعناهم بوجود فجوة تشريعية لابد من معالجتها، وبالفعل تم النص على تعريف للجريمة وعقوبات وجرى تشديدها لاحقًا".

الرقمنة والتكويد لحماية بيانات المبلغين

تتوقف نهاد أمام عقبات الإبلاغ والإثبات في قضايا العنف الجنسي، مستشهدة بمناشدة النائب العام للإبلاغ عن الجريمة التي تورط فيها المتهم بسام زكي قبل الحكم عليه لاحقًا: "وقتها أرسلنا للنائب العام قلنا له ولا ضحية ستتقدم ببلاغ، طالما لا توجد سرية بيانات لضحايا الجرائم الجنسية".

وتشير إلى تعديل تشريعي جرى وقتها على المادة 113 مكرر من قانون الإجراءات الجنائية: "أضافوا لها الفقرة التي تعطي صلاحية لوكيل النيابة أو قاضي التحقيق في الاحتفاظ بسرية بيانات الضحايا".

ورغم ذلك تبدو إشكالية حماية البيانات مستمرة، "يظل النص القانوني حبرًا على ورق" تقول نهاد، مشيرة إلى ضرورة وجود آليات للسرية تبدأ مع خطوة تحرير المحضر في قسم الشرطة: "لو القسم ليس لديه آلية على جهاز كمبيوتر تحول الاسم لرقم كودي، يظل القانون حبرًا على ورق".

وضع السياسات أول طرق الحماية

أما عن إثبات الجريمة في وقائع وأماكن غير متوفر بها شهود، توضح نهاد وجود وسائل بديلة لإثباتها أو جمع قرائن ضد الجاني، وتبدأ بتوضيح دور جهات العمل والإدارات في وضع سياسات لمواجهة التحرش الجنسي في بيئة العمل، مشددة على ضرورة وجود قواعد تنظيمية.

"عندك حاجة اسمها تواتر الشهادات"، توضح نهاد أن تكرار الشهادات ضد شخص معين من الأمور التي تستخدم في وحدات مكافحة العنف ضد المرأة، مضيفة: "لا نحاكم شخصًا بموجب شهادات مجهلة، لكن نضعه تحت التحري والنظر والمراقبة لفترة".

ماذا نفعل في بيئات العمل؟

أما الشهادات المجهلة التي تخرج من أوساط ثقافية أو مرتبطة بالمجتمع المدني تقول عنها نهاد: "أصدق بعضها، وبعضها من أول دقيقة أعرف أن المكتوب لم يحدث".

تضيف نهاد، التي اتجهت إلى صناعة المحتوى الخاص بقضايا المرأة وحقوق الإنسان: "أحيانًا أعلق وأعمل فيديو وأقول بلغي"، لكن "بعضهن غير قادرات على ذلك ولديهن حسابات أخرى".

مع ذلك ترفض نهاد ربط هذه الوقائع فقط بالوسط الثقافي أو المجتمع المدني، معتبرة أنها قد تتكرر في "بيئة العمل المرنة الهلامية"، ولكنها شددت على أن "بيئات العمل الهلامية لابد أن يكون لها قواعد".

ومع وجود لجان مستقلة للتحقيق في عدة وقائع، تقول نهاد: "مافيش حاجة اسمها نعمل لجنة لأننا حبايب وأصحاب أو حتى لا نشوه سمعة المؤسسة، هذا لا قانون ولا حقوق إنسان ولا أخلاق ولا حاجة خالص".

وتتساءل: "ما الذي يجعلني أثق في هذه اللجان؟"، مؤكدة أن الأصل يبدأ بوضع قواعد داخلية لمواجهة الانتهاكات عمومًا، "قواعد مجردة مثل القانون ويكون لدى المؤسسة آلية للشكوى".

"لست ضد أن الناس تعطف وتلطف ولا ضد توفيق رأسين في الحلال بالمناسبة"، تضحك نهاد لكنها تشدد: "هل في قبول؟ لو لا يوجد قبول، فـ (لا) تعني (لا)".

وأكدت أن لجان التحقيق لابد أن تكون جزءًا من سياسات العمل الداخلية: "اللجان التي تتشكل بعد أي أزمة تكون لجان غسيل سمعة، ليست لجان تحقيق ولا لجان حقوقية، هذه لجان لمّ الليلة"، معتبرة أن "لجان لمّ الليلة تأتي على حساب الطرف الأضعف".

معركة الأحوال الشخصية

خلال الموسم الدرامي الرمضاني تناولت بعض المسلسلات قضايا الأحوال الشخصية، واتجه بعضها للحديث عن تخفيض سن الحضانة، وتطبيق الاستضافة مثل مسلسل "أب ولكن".

"أحس إن المناقشة بتاعة الستات اللي وحشة ولا الرجالة اللي وحشة دي، دي مناقشة عاجبة الحكومة، وغسيل إيد، لأنه موضوع الأسرة ده مش موضوع أفراد، ده موضوع دولة"، تقول نهاد.

بينما توضح: "لا يوجد لدي موقف من سن الحضانة، عايزين العيال سبع سنين ما تاخدوهم"، لكنها تشير إلى المشقة التي تتحملها الأمهات في رعاية الأطفال: "الأب اللي يعرف يصحى الساعة خمسة الفجر يلبس العيال ويعمل لانش بوكس ولا حتى كيسة ويحط فيها ساندوتش، وينزل في التلج يستنى الباص أو يوصل بنفسه، حلال عليه".

"الدولة متخاذلة عن حماية الأطفال"، تشدد نهاد على عدم وجود آلية حماية: "لما طفل ينتزع من أمه وعمره سنة ومعايا أحكام قضائية مهدرة كلها لا نستطيع تنفيذها، ويُطلب من الأم أن تبلغ الشرطة بالعنوان حتى يتمكنوا من التنفيذ"، تتساءل مستنكرة: "أمال يعني إيه دولة؟ أنا اللي أجيب العنوان؟ أنا الست العبدة الفقيرة إلى الله أجيب العنوان؟ أمال الدولة فين؟".

تؤكد نهاد أن القانون يجرم الامتناع عن تسليم الطفل للحاضن وتَصدُر أحكام حبس ضده، لكنها تعتبر أن الملف برمته "ليس أولوية".

تؤكد نهاد أن سلامة الطفل لابد أن تكون الهدف رقم واحد: "اعملي نظام يحمي الطفل من الأم الشريرة والأب الشرير، من قال إن في طرف ملاك وطرف شرير"، معتبرة أن في النهاية "قانون الأسرة هو اشتباك ما بين تضارب المصالح المادية وتضارب المشاعر".

لجان الطفل الوهمية

بموجب قانون الطفل تتشكل لجان حماية في المحافظات، "حاجة وهمية جدًا، لا تعمل"، ورغم ذلك تلفت إلى تقاعس خط نجدة الطفل نفسه في المساعدة في تسليم الأطفال المخطوفين للأمهات الحاضنات: "نرسل بلاغات لخط نجدة الطفل، جاب لي كام عيل؟ ولا عيل مخطوف. ولا عيل".

استضافة بالاتفاق

يتجه البعض لحلول قانونية دون اللجوء للمحكمة: "في مكتبنا يأتي لنا ناس لديها استعداد للتفاهم، فنصل إلى اتفاقية لحقوق الزوجية وحقوق الأطفال. ورغم أن القانون لا يوجد به استضافة، نضعها في الاتفاق ونوثقه في محكمة الأسرة".

وتشير إلى أن هذه الاتفاقية تنهي رحلة في المحاكم تصل إلى 15 قضية، وتُعَد بديلًا عن المحاكم، معتبرة أن حماية الأطفال لابد أن تبدأ من لحظة اللجوء للمحكمة، وبحث حالة كل طفل وظروف الأب والأم المتنازعين على الحضانة: "لابد أن يكون هناك أخصائي اجتماعي ونفسي لمعاينة منزل الأم هل هو منزل للحضانة أم تقيم في بيت أسرتها، وترمي العيال على كنبة؟ كذلك الأب الذي يسعى للاستضافة، هل متاح عنده مكان يتمتع فيه الطفل بخصوصية، وقادر على رعايته أم سيرميه مع زوجته الثانية ولا مع أمه اللي عندها 60، 70 سنة؟".

تستبعد نهاد تخفيض سن الحضانة لأقل من 15 سنة: "مستحيل ترجعي خطوة للوراء"، وترى أن قضايا الأسرة ترتبط بموازين القوى في المجتمع: "طبعًا النساء في لعبة توازن القوى مطحونات"، وتشير إلى مصادر القوة كـ"نفوذ أو مال"، وتلفت إلى أن "النساء أغلبهن لا يعملن ولا تتجاوز نسبتهن في قوة العمل 16%".

لماذا الخلاف مع الحركة الحقوقية؟

نهاد، التي بدأت عملها الحقوقي في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان قبل نحو 35 عامًا، ابتعدت عن الحركة الحقوقية بعد وفاة زوجها حافظ أبو سعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان سابقًا.

تنفي نهاد، التي شغلت عضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان منذ 2021 واستمرت حتى صدور التعديل الجديد في فبراير الماضي، الموافقة على أي انتهاكات لحقوق الإنسان أو تقديم تبريرات لها.

لكنها تتساءل: "هل استمرت حركة حقوقية أم قلبت حركة سياسية؟"، معتبرة أن هذه الانتقادات تأتي ممن لم يحافظوا على أنفسهم كحقوقيين، و"اشتغلوا سياسة، وأخذوا مواقف، أنا لم أتفق معها".

"الحقوقي ليس له علاقة بمن يحكم، لكن له علاقة بكيف يحكم"، تقول نهاد مؤكدة على دور الحقوقي في رصد وتوثيق الانتهاكات، ومشددة: "لما حقوق النساء والأقباط تنتهك علنًا، ويكون مطلوبًا مني الوقوف ضد ما أسموه وقتها انقلابًا".
تعتبر نهاد أن هذا الموقف وقتها في 2013 أدى إلى انقسام الحركة الحقوقية.

أما عن المواقف التالية لما بعد 2013 وعدم التصدي لقوانين قيدت حرية الرأي والتعبير أو التظاهر، تقول نهاد بثقة: "ولا مرة مسكت العصايا من النص، ولا مرة، لكن حدثت أمور لم أعلق عليها لأن كلامي لن يعجب أي طرف".

كانت نهاد قد خاضت خلافًا امتد لوسائل التواصل الاجتماعي خلال حبس الناشط والمدون علاء عبد الفتاح، واليوم تتذكر: "طلعت وقلت يعتذر وكلامي لم يعجب ولم يسمع لي أحد، لكنه اعتذر لما ذهب إلى إنجلترا".

تعتبر أن إدارة الحملة للإفراج عن علاء عبد الفتاح "في منتهى الغباء، أشك أنها إدارة مغرضة لأسباب أخرى"، وتقارن بين هذه الحملة وحملات أخرى للدفاع عن سجناء رأي سبق وشاركت فيها: "حققنا نتائج أفضل مليون مرة. ولو كان أبو علاء عبد الفتاح، أستاذنا أحمد سيف الإسلام الله يرحمه موجودًا، كانت تمت إدارة الحملة بشكل مختلف".

لا تعتبر نهاد أن اختلاف الأجيال والسياق السياسي مبررٌ لتغيير طريقة الإدارة لهذا النوع من الحملات، مصرة على أنها كانت من أجل "أغراض مختلفة".

لكن لم يكن الخلاف في التوجهات فقط السبب الوحيد لابتعاد نهاد عن الحركة الحقوقية، إذ تشير إلى الهجوم الذي تعرض له زوجها الراحل الذي بعد زيارة أحد السجون مع المجلس القومي لحقوق الإنسان "تعرض لهجوم بشع علشان كان في السجن، وجوزي سُجن من قبل أربع مرات، والتعذيب ترك أثرًا على وجهه، يعرف معنى السجن".

"لما راح لقاهم جايبين طباخ بيهزر، وقال لهم إيه ده فندق" تتذكر نهاد، "فإذا بزملاء - والمفروض أنهم مناضلون ويعرفونه جيدًا من سنين - يطلقون حملة ضده، ويعتبرونه يبيّض صورة السجون".

لكن لم يكن هذا نهاية المطاف: "يوم وفاة حافظ، وقبل ما ينزل تربته، اتعملت عليه حملة ضباع، دون احتساب أثرها عليّ وعلى أولاده وحبايبه وإخوته وأصحابه".

لماذا دخلت عالم صناعة المحتوى؟

فضلت نهاد الابتعاد، والعمل من خلال عملها بالمحاماة والتقارير التي يصدرها المركز المصري لحقوق المرأة، ونشاط صناعة المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي الذي تعتبره تطورًا لعمل المركز يواكب العصر وأدواته.

"المركز الوحيد الذي يصدر تقريرًا عن حالة المرأة المصرية بشكل منتظم تقدري ترصدي من خلاله تطور المرأة المصرية من 25 سنة حتى الآن"، توضح نهاد أن المركز مازال يعمل لكنه لا يتلقى تمويلًا.

رغم أن نهاد توقفت عن الحصول على تمويلات لأنشطة المركز، لكن يبدو أن اتجاهها لعالم صناعة المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي يعد بديلًا عن مخاطبة النساء في لقاءات تدريبية محدودة أو ندوات: "أصل اليوم لملايين، هذا لا يمكن تحقيقه في تدريبات أو ورش عمل، استخدمنا الأدوات الجديدة لتحقيق نفس الهدف".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة