لا عيد من دون "لبس جديد"، ونورا التي درجت في طفولتها على تلك الفلسفة كقاعدة أساسية للاحتفال، سعت وهي أم لثلاث بنات، أن تدخلهن إلى العيد في حلة جديدة منذ نعومة أظفارهن، لكنها، في ظل غلاء الأسعار، اضطرت إلى وضع تعريف آخر لتلك الفلسفة.
هكذا عرفت نورا طريق الوكالة، وصار المهم في عادتها المحدثة، أن تكون الملابس جديدة على الأقل بالنسبة لدولاب بناتها، حتى وإن لبستها أخريات من قبل، وعلى الرغم من ذلك، صارت تواجه مؤخرًا أزمة جديد، حتى مع "البالة".
تقول نور لـ"فكر تاني"، إن "الأسعار ارتفعت عن العام الماضي، كان من الممكن شراء بلوزة بـ 50 أو 75 جنيهًا، هذا العام أقل سعر 150 و200 جنيه، لكن تظل الوكالة رغم ارتفاع أسعارها أرحم من متاجر الملابس الجديدة، إذ يبلغ متوسط سعر قطعة الملابس ألف جنيه، وهذا يستحيل مع أوضاعنا الحالية". وتضيف إلى ذلك عبء مسؤولياتها الأسرية، فزوجها يعمل معلمًا في التعليم الفني وراتبه لا يكفي لسد متطلبات الحياة، وخاصة مع التزامات الأبناء التعليمية لتوزعهن بين كلية الصيدلة والثانوية العامة والشهادة الإعدادية، ولذلك تحاول رغم ضيق ذات اليد أن توفر "لبسة العيد" في حدود ميزانيتها المحدودة.
ولا تقف هذه المعاناة عند نورا وحدها، التي تتشابه حكايتها مع الكثير من الأمهات المصريات، اللائي يجاهدن لإسعاد أطفالهن وعدم حرمانهم من فرحة العيد. وكما تفعل نورا، تفعل "أم حبيبة" التي اعتادت شراء الملابس من الوكالة منذ ثماني سنوات، بعد الارتفاع الصاروخي في أسعار الملابس الجديدة. ومع ذلك تواجه هذا العام ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار المستعمل مما حد من قدرتها على التسوق للعيد، وخصوصًا أن زوجها يعمل طاهيًا غير مثبت في عمله، مما يعرقل استقرار الأسرة ماليًا ويزيد من الضغط عليها لتدبير الاحتياجات.
وفي أثناء بحثها عن ملابس مناسبة في الوكالة، تذكر أم حبيبة لـ"فكر تاني"، أنها قاومت الاستسلام للغلاء، قائلة "فكرت في عدم شراء ملابس هذا العام بعد كل هذه الزيادة، لكن رغبت في إسعاد أبنائي حتى لو بقطعة جديدة، وخرجت لشراء أشياء بسيطة تتراوح أسعارها بين 150 و250 جنيهًا، وهذا أقل الموجود، وصحيح أنها ليست كل ما يحتاجونه لكنها أفضل من عدمها".

جنون وأولويات جديدين
من زاوية أخرى تعكس الوجه الآخر للأزمة، يلخص الحاج علي، وهو أحد أقدم تجار الملابس في وكالة البلح، ويعمل بها منذ ثلاثين عامًا، أزمة ارتفاع الأسعار موضحًا أن "الإقبال ضعيف والتجار يخسرون بسبب تأثرهم بحركة الشراء رغم موسم العيد". ويقارن في حديثه مع "فكر تاني" بين الوضع السابق وما آل إليه اليوم، مشيرًا إلى أن "الأسعار في ارتفاع منذ سنوات، لكنه أصبح جنونيًا في الفترة الأخيرة، وأصبح أكثر تأثيرًا على حركة السوق والتجار".
ويلفت علي الانتباه إلى تغير أولويات الزبائن بسبب ضعف القدرة الشرائية، فالزبون الواحد كان يشتري ست أو سبع قطع مرة واحدة، بينما يكتفي حاليًا بقطعة واحدة، فقبل سنوات قليلة كان سعر القطعة يتراوح بين 5 و50 جنيهًا، وأما الآن فأقل سعر متاح هو 150 جنيهًا. ويتابع مؤكدًا أنه "رغم ارتفاع الأسعار كانت مواسم الأعياد تشهد إقبالًا كبيرًا، لكن هذا العام الإقبال أقل بكثير، ويعاني العديد من التجار من خسائر بسبب ضعف الإقبال وارتفاع الأسعار".
ويمكن فهم هذا التراجع والركود بقياس الطفرات التي حدثت في أسعار الملابس خلال العقد الأخير بدءًا من عام 2016، وتحديدًا قبل التعويم الأول للعملة في الثالث من نوفمبر من نفس العام.
وشهدت أسعار الملابس آنذاك ارتفاعًا بنسبة تتراوح بين 20 و25% بعد ارتفاع الجمارك بنسبة 40% وتداول الدولار بسعر تجاوز 11 جنيهًا حين كان سعره الرسمي 8.88 جنيه، مما تسبب في هذا الارتفاع الذي لم يتوقف وظل يواصل صعوده كل عام تقريبًا.
وبلغت نسبة ارتفاع أسعار الملابس والأحذية 19.5% خلال عام 2017، ثم عاودت الارتفاع لتلامس 24% في عام 2018 بحسب النشرة المعلوماتية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مايو من نفس العام. وكان لـقرارات المجلس التنفيذي للمنطقة الحرة في بورسعيد تأثير مباشر عام 2021 بعد فرض زيادة بلغت 15% على الملابس المستعملة مقابل 10% على الجديدة، فضلًا عن رسوم استخراج قرار الاستيراد التي تراوحت بين ألفين و50 ألف جنيه، وهي زيادات يتحملها المستهلك في المقام الأول.
واستمرارًا لهذا المسار التصاعدي، واصلت أسعار الملابس ارتفاعها لتشهد ذروتها عام 2023 بنسبة تعدت 25% مقارنة بنفس الفترة من العام 2022، وتوافقت مع الاتجاه العام لغلاء الأسعار إثر الركود الناجم عن جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية. وتأثرت القدرة الشرائية للمصريين بشدة مع بلوغ التضخم 38% في 2023، ليوجه أكثر من 50% من إنفاق الأسر نحو الاحتياجات الأساسية تعبيرًا عن التغير القسري في أولويات الإنفاق.

الوكالة ملاذ الطبقة الوسطى
ووسط اضطراب سعر صرف الدولار مقابل الجنيه والقيود المفروضة على المستثمرين واستمرار غلاء الملابس، أصبحت ملابس البالة والاستوكات الأوروبية المستوردة بديلًا أساسيًا للعديد من شرائح المجتمع، وفي مقدمتها الطبقة الوسطى التي لجأت إليها إثر تدهور قدرتها الشرائية التي لم تعد تغطيها أي زيادة في الدخل. وهذا ما توضحه "رحاب" التي اعتادت سابقًا شراء ملابسها من ماركات شهيرة في المراكز التجارية، غير أن تضاعف الأسعار أربع وخمس مرات في عام واحد دفعها نحو الوكالة للحصول على ملابس بجودة وسعر مناسبين، وتمكنت من اقتناء قطع جيدة بأسعار تتراوح بين 400 و500 جنيه، وهو أمر يستحيل تحقيقه في الملابس الجديدة. مشيرة إلى أن جودة بعض ملابس الوكالة تتفوق على الملابس الجاهزة والعلامات التجارية الفاخرة، غير أن العثور عليها يحتاج لخبرة وصبر وبحث دقيق.
وتوضح رحاب في حديثها مع "فكر تاني"، أن شراء قطعة واحدة من علامة تجارية يعادل ثمن سبع أو ثماني قطع من الوكالة، مما يجعله خيارًا آمنًا لا سيما مع وجود طفلة صغيرة في الأسرة تحتاج باستمرار لملابس جديدة. وتشدد على أن "نظرة المجتمع للشراء من الوكالة تغيرت خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع انتشار المدونين على مواقع السوشيال ميديا وزيادة الإقبال على المنطقة، فلم يعد الأمر مقتصرًا على فئة معينة أو يُنظر إليه كخيار للفقراء فقط، وإنما أصبح مختلف الفئات يقصدون الوكالة للبحث عن ملابس بأسعار أقل.
ورغم كل هذه المزايا، تعترف رحاب بأن التسوق في الوكالة لا يخلو من تحديات، وأبرزها عدم توفر بعض المنتجات كالملابس الداخلية أو ملابس الحوامل التي اضطرت لشرائها جديدة بأسعار تجاوزت الألف جنيه للقطعة، وكذلك الملابس التي تناسب أصحاب الوزن الزائد.
تحولات السوق وأعباء الأعياد
وتصطدم هذه التحديات بما تعيشه "عبير"، وهي أرملة تعول ثلاثة أطفال، حيث صدمت من زيادة الأسعار هذا العام في الوكالة، فما كان يمكن شراؤه بثلاثمائة جنيه أصبح سعره اليوم سبعمائة جنيه على الأقل.
وتعبر عبير التي تعمل في مجال التمريض لـ"فكر تاني" عن مشكلتها قائلة "تحول شعور فرحة المناسبات والأعياد إلى شعور بالضغط والعبء الكبير بسبب عدم القدرة على تلبية احتياجات الأسرة، إذ أصبحت الأمور أكثر صعوبة في كل شيء، وبعدما كان الواحد يشعر بالستر من وظيفته، أصبحنا نجاهد لأجل ستر أبنائنا".
ويؤكد هذا التوجه التاجر محمد علي، الذي يعمل في الوكالة منذ سبعة عشر عامًا رصد خلالها التغيرات التي طرأت على حركة السوق وبلغت ذروتها هذا العام. ورغم أن العديد من التجار لم يرفعوا أسعارهم بعد لمواجهة موجة الغلاء التي أضرت بتكاليف النقل والشراء، حسب قوله، فإن السوق اختلف تمامًا. ويوضح محمد لـ"فكر تاني" أن السنوات الأخيرة شهدت إقبالًا غير مسبوق من طبقات أرقى يبحثون عن علامات تجارية فاخرة لم يعد بمقدورهم الحصول عليها جديدة، وفي المقابل ما زالت الطبقات الأدنى تأتي بحثًا عن ملبس قيم يسترهم رغم انخفاض استهلاكهم الفعلي.
ويرى محمد أن موجة الغلاء تنعكس مباشرة على التجار، مبينًا أنه "مع كل موجة غلاء تصاب حركة السوق باضطراب، ما يدفعنا لمحاولة التكيف مع الوضع الجديد للحفاظ على حركة البيع، ورغم تراجع الإقبال على الشراء هذا العام بشكل كبير، فإن التجار ينتظرون استقرار الأسعار أملًا في انتعاش حركة السوق".
وعلى الجانب الرسمي، تنفي سماح هيكل، عضو غرفة الملابس الجاهزة بالقاهرة، وجود علاقة بين ما يتردد عن ارتفاع أسعار الملابس وانخفاض الاستهلاك، ولا تعتبره مؤشرًا حقيقيًا لأسعار السوق، وتشدد على ضرورة التفرقة بين الملابس المستعملة والملابس المحلية الجاهزة.
وتوضح لـ"فكر تاني" أن الحكم على أسعار الملابس لا يتم من خلال أسواق البالة، وإنما يجب أن يُقاس بالمنتجات الجديدة المعروضة في الأسواق المحلية، فتجار البالة يقدمون ملابس مستعملة لا تعكس صورة حقيقية عن السوق. وتشير هيكل إلى أن الأسواق تشهد حاليًا إقبالًا شديدًا لشراء ملابس العيد بالتزامن مع الأوكازيون الشتوي الممتد حتى الحادي والعشرين من مارس، مما يسمح بتقديم أسعار تنافسية تتيح للمواطن شراء أكثر من قطعة بنفس الميزانية. وتضيف أن ملابس الموسم الصيفي صُنعت قبل الزيادة الأخيرة، ولذلك ستطرح بأسعار مناسبة مع زيادات طفيفة ناجمة عن تكاليف النقل. كما تحذر من الاعتماد على ملابس البالة لما لها من تأثيرات سلبية محتملة على الصحة فضلًا عن انخفاض جودتها على حد زعمها.

البيع الإلكتروني يعيد تشكيل المشهد
وفي محاولة لتفكيك أزمة ضعف الإقبال بتغير حركة السوق، يشير محمد إبراهيم، وهو تاجر يعمل بالوكالة منذ عام 2010، إلى أثر التكنولوجيا موضحًا أنه "لا يمكن إنكار دور السوشيال ميديا في التأثير على حركة البيع داخل السوق، بعدما أصبح المشاهير والتجار عبر الإنترنت يأتون لشراء ملابس وبيعها إلكترونيًا بأسعار أغلى، وهذا لم يكن في صالح التجار داخل الوكالة".
ويشرح إبراهيم أن تجارة الملابس راجت عبر الإنترنت بسبب اضطرار الناس للبحث عن فرصة دخل شريفة، غير أن هذا يفاقم الأزمة على آخرين، مكملًا حديثه بأن "ارتفاع أسعار الملابس الجاهزة أدى لزيادة الطلب على المستعمل الذي لم يعد حصريًا على الوكالة، فقد ظهرت محلات في كل مكان تبيع الملابس بالكيلو، وكل ذلك من أجل التكيف مع صعوبات المعيشة".
ورغم الركود الذي يعانيه السوق المحلي، فإن حركة الصادرات المصرية في قطاع الملابس آخذة في الانتعاش وتستهدف المزيد من التوسع، إذ بلغت الصادرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية 1.19 مليار دولار خلال عام 2024، ومثلت أكثر من نصف الصادرات المصرية لأمريكا. وفي الوقت نفسه، بلغ حجم تجارة الملابس داخل البلاد 300 مليار جنيه، ولمواجهة العجز الكبير في تلبية الاحتياجات، حاول المصنعون المحليون رفع طاقتهم الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 25 و40% لسد الفجوة الناجمة عن تعطل حركة الاستيراد المدفوعة باستمرار أزمة العملة الصعبة.
ومن جهته، يرجع محمد الداعور، الرئيس السابق لغرفة الملابس الجاهزة، ضعف الإقبال على شراء الملابس هذا العام إلى الظروف المناخية، ويوضح أنه لم تحدث أي زيادة في الأسعار مقارنة بالعام الماضي، وأن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود لم تنعكس بعد على الملابس المتوفرة في السوق حاليًا. ويشير في تصريحاته لـ"فكر تاني" إلى الاضطرار لتحميل زيادات تكاليف الخامات والإنتاج على السعر النهائي للسلعة، لأن سعر أي منتج يعتمد بالأساس على تكلفة إنتاجه مضافًا إليها هامش الربح.
وتختتم هذه المشاهد المتداخلة صورة أوسع لمعاناة يومية، فبينما تحاول الأمهات اقتناص فرحة مؤقتة لأبنائهن بقطعة ملابس في العيد ولو كانت محدودة، يقف التجار بدورهم في مواجهة موجات متلاحقة من ارتفاع التكاليف والركود وضعف الإقبال. وفي الخلفية يواصل التضخم التهام الدخول لتتراجع القدرة الشرائية عامًا بعد آخر، معيدة ترتيب أولويات الأسر قسرًا من الرفاهية إلى الضرورة ومن الكماليات إلى مجرد الستر. وفي خضم كل ذلك، لم تعد الوكالة ذلك الملاذ الرخيص كما كانت يومًا، وإنما غدت حلًا وسطًا هشًا يتآكل تدريجيًا تحت ضغط الغلاء، وربما لن تصمد أمام هذا الضغط طويلًا، مما ينذر بزيادة القسوة الاقتصادية على الجميع إن هي انهارت.