مسلسل "الكينج".. ضرب النساء لم يعد يضحك

بنهاية شهر رمضان، يكتمل الموسم الدرامي الحافل بأعمال تتقاطع مع حقوق النساء وتمكينهن منها، وأخرى تسلبها في الوقت نفسه.

من بين تلك الأخيرة، مسلسل "الكينج" الذي يلعب دور البطولة فيه محمد عادل إمام، ويعتمد في بناءه الكوميدي على السخرية من النساء، وتحويلهن إلى مادة خام للضحك والفكاهة، وهو سلوك في الكتابة والإخراج يعكس إصرارًا غريبًا من الكُتاب والمخرجين على تكريس الصور النمطية حول النساء، سواء بتسليعهن أو إظهارهن ككائنات غبية مثيرة للسخرية، وهو إصرار لم يعد مقبولًا في ظل سعي مجتمعي وفني لكسر تلك الصورة وتفنيدها.

يبدو محمد إمام في هذا العمل وكأنه يقتفي أثر والده، الذي حُصرت المرأة في أعماله في تنميطات الجسد والغباء، وكأن الابن لم يرث من مدرسة والده الإدارة الذكية للموهبة، بقدر ما استنسخ منها النمط الذي يكرس صورة المرأة كطرف أضعف يُستباح لفظيًا وجسديًا لإرضاء غرور البطل "الكوميدي".

العنف المنزلي كـ"نكتة"

يقوم بناء المسلسل، الذي كتبه محمد صلاح العزب وأخرجته شيرين عادل، على "الأكشن" وقصة صعود "حمزة" من القاع إلى عالم تجارة السلاح، غير أن السيناريو أصر على تطعيم هذا المسار بكوميديا مفتعلة ترتكز في جوهرها على الاستهزاء بقدرات المحيطين به، وتحديدًا النساء. ويبرز "الضرب على الوجه" كأداة متكررة في مشاهده مع زوجته "هدية" (ميرنا جميل)، فيُعيد تصدير العنف المنزلي كفعل "مضحك" أو مبرر دراميًا، وهو نهج بات سمةً غالبةً في معظم أعمال إمام، لا في "الكينج" وحده.

وبلغ السعي وراء الضحك، حد الاستهزاء بعملية الولادة، فنجد البطل يقول لزوجته داخل غرفة العمليات: "عاجبك وأنا واقف والرجالة بيعملوا فيكي كدا"، و"اسكتي هديكي في وشك"، ومن المفترض أن هذه العبارات موجهة لامرأة في مرحلة الطَّلْق.

ملحقات البطولة

كما لا يقتصر الأمر على الضرب أو السخرية المباشرة من النساء، بل يمتد إلى طريقة كتابة الشخصيات النسائية داخل العمل، فمعظم النساء في مسلسل "الكينج" لا يمتلكن حضورًا دراميًا حقيقيًا، ولا يشاركن في صناعة الحدث، بل يظهرن غالبًا كملحقات بحياة البطل، أو كعناصر تُستدعى فقط لتوليد موقف كوميدي عابر.

تتحول الشخصية النسائية هنا إلى أداة وظيفية داخل السرد الدرامي، لا إلى شخصية لها دوافعها وتعقيداتها الخاصة. فعلى سبيل المثال، تبدو شخصية "هدية" التي تقدمها ميرنا جميل أقرب إلى نموذج الزوجة الساذجة، التي تُستدعى فقط لتكون موضوعًا للتندر أو الضرب أو سوء الفهم. وعندما تصبح مدمنة -والسبب في الأساس هو الزوج الذي تزوج عليها وأهان أنوثتها- تتعرض لأكثر من مشهد ضرب على يد الشخص نفسه، ولا يمنحها السيناريو أي مساحة لتكون شخصية فاعلة داخل مسار الأحداث.

يمتد الأمر إلى الشخصيات النسائية الأخرى، على اختلاف أسمائها، فجميعها تدور في الفلك ذاته، إما امرأة جميلة يوظف حضورها بصريًا، أو غبية تُقدم باعتبارها أقل ذكاءً من البطل، فيتحول الحوار معها إلى سلسلة من النكات القائمة على التقليل منها، أو أن تقدم بوصفها نموذجًا كاريكاتوريًا للمرأة المدافعة عن حقوق النساء. هذا النمط من الكتابة لا يضر فقط بالصورة التي يقدمها العمل عن النساء، بل يُضعف أيضًا من البناء الدرامي نفسه، فالأعمال التي تعتمد على شخصيات أحادية البعد تفقد تدريجيًا قدرتها على خلق صراع حقيقي أو تطور درامي مقنع، ومن ثم لا تحتفظ بالمشاهد لفترة طويلة.

وفي حالة مسلسل "الكينج"، يبدو واضحًا أن الكوميديا المفتعلة تأتي أحيانًا على حساب المنطق الدرامي، إذ تتحول بعض المشاهد إلى مجرد "اسكتشات" منفصلة هدفها إضحاك المشاهد، حتى وإن جاء ذلك عبر إهانة شخصية نسائية أو التقليل من شأنها.

كوميديا سهلة

يبدو هذا الأسلوب امتدادًا لمرحلة قديمة من الكوميديا في السينما المصرية، حين كان جسد المرأة جزءًا من أدوات الضحك السهلة. لكن الفرق أن تلك الأعمال كانت تنتمي إلى سياق زمني مختلف، بينما يُفترض أن تكون الدراما اليوم أكثر وعيًا بالتحولات الاجتماعية والنقاشات الدائرة حول تمثيل النساء في الدراما.

إن المشكلة هنا لا تتعلق فقط بمشهد أو مشهدين، بل ترتبط بنمط كامل من الكوميديا يقوم على فكرة أن المرأة هي الطرف الأضعف في المعادلة، وأن السخرية منها أو إيذاءها جسديًا يمكن أن يكون مادة للضحك، وهو تصور يبدو شديد الرجعية مقارنةً بالأسئلة التي تطرحها الدراما المعاصرة عن المساواة والتمثيل العادل للشخصيات.

لذلك، فإن النظر إلى مسلسل "الكينج" من زاوية نقدية يكشف عن خلل واضح في طريقة بناء الشخصيات النسائية، وفي تصور العمل لدور المرأة داخل الحكاية، فبدلًا من أن تكون شريكة في صناعة الحدث، أو شخصية تحمل قدرًا من الاستقلال والفاعلية، تتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد أداة لإنتاج النكتة، أو خلفية يتحرك أمامها البطل.

لا يقتصر هذا الأسلوب على أعمال محمد عادل إمام ومن قبله أبيه، بل يمتد بين ممثلي الكوميديا. وأكبر نموذج حديث على ذلك "اسكتشات" مسرح مصر، التي ارتكزت في بناء الكثير من مشاهدها على السخرية من جسد "ويزو"، إحدى بطلات العمل، حيث أصبح وزنها الزائد محل الاهتمام في كافة المسرحيات باختلاف موضوعاتها. فالممثلة "ويزو" في عروض مسرح مصر، لم يكن وزنها الزائد مجرد تفصيلة في الشخصية، بل أصبح المحرك الأساسي للكثير من "الإفيهات" والمواقف.

ويتكرر المشهد نفسه بصيغ مختلفة: تعليق على الجسد، أو مبالغة في الحركة، أو حوار يقوم على التهكم من الوزن، وكأن الشخصية لا تملك أي أبعاد أخرى يمكن للكوميديا أن تنطلق منها.

وكان لبعض أفلام أحمد حلمي الكوميدية المبكرة نصيبٌ من هذه الفكرة القائمة على السخرية من النساء، حيث كانت النكات المتعلقة بشكل الجسد أو "عدم الجاذبية" جزءًا من بناء بعض الشخصيات النسائية الثانوية في أفلامه.

وأيضًا يظهر الأمر في أفلام تامر حسني، ونلاحظه بقوة في أفلامه مع هنا الزاهد مثل "ريستارت" و"بحبك"، فبات وجه الفنانة مسرحًا يلهو فيه البطل في كثير من المشاهد بالفيلمين.

أصل المشكلة هنا أن ثقافة كثير من الممثلين والمؤلفين لم تتجاوز هذا الطرح، على الرغم من السياق الاجتماعي الذي تنشط فيه حاليًا كثير من الأصوات التي تحاول الحديث عن تشييء المرأة، وتنميط أدوارها، واستغلالها في أمور كثيرة منها الدراما. فهنا يقدم صناع الدراما خطابًا متأخرًا ومضرًا، في وضع تتعرض فيه النساء لأنواع مختلفة من العنف يوميًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة