اندلعت الحرب إذن، فبعدوان أمريكي إسرائيلي مشترك على إيران، فُتحت المعركة الأخيرة لتسوية أمر الإقليم وحسم مسألة السيادة فيه، تعبيرًا عن ميزان قوى مختل بشكل فادح لصالح الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل. لقد كانت الحرب قادمة لا محالة طالما أن إيران لم تكن مستعدة، في المفاوضات، لاستسلام غير مشروط يحقق المطالب الأمريكية والإسرائيلية دفعة واحدة، وهي المطالب التي تتخطى مسألة البرنامج النووي الإيراني لتشمل أدوات التأثير الإيرانية، أي برنامج الصواريخ الباليستية والأذرع الإيرانية في الإقليم.
وليست المعركة الحالية سوى استمرار لحرب الاثني عشر يومًا الأخيرة، استمرارًا من حيث الأهداف التي توختها إسرائيل والولايات المتحدة، والتي وإن كانت -بحسب الادعاءات الأمريكية- قد ألحقت ضررًا بالغًا بالبرنامج النووي الإيراني، لكنها لم تكسر أذرع إيران العاملة في الإقليم. اليوم، تدور المعركة بهدف وضع حد نهائي لما تبقى من نفوذ إقليمي إيراني، أي بسط سيادة إسرائيلية مطلقة على منطقة تتقاطع فيها طرق المواصلات الدولية مع آبار النفط.
طورت الثورة الإيرانية عبر تاريخها استراتيجية للأمن القومي تعتمد على طبقات من الأمن والردع، تبدأ بفكرة خلق بؤر للتوتر حول إسرائيل ومنطقة الخليج، تضمن دومًا إبقاء التوتر خارج الأراضي الإيرانية. وفي هذه الاستراتيجية، لعب حزب الله دورًا رائدًا، فكان درة التاج من حيث التسليح والتماسك والفاعلية، بينما ظهر الحوثيون كلاعب جديد في إطار الصراع على النفوذ في اليمن، في حين كانت الجماعات الشيعية العراقية ثمرة الفراغ الذي تدخلت إيران لشغل جزء منه في العراق. أما المقاومة الفلسطينية، فصحيح أنها كانت نظريًا جزءًا من هذا المحور، لكنها شغلت وضعًا خاصًا يتقاطع مع جهات عربية، وتعمل ضمن إطار أقل التصاقًا بالاستراتيجية الإيرانية. في غضون ذلك، كان تطور موقع النظام السوري في بنية المحور تدريجيًا ليصبح، مع صعود بشار الأسد، جسرًا لوجستيًا على تماس مع لبنان والأرض المحتلة والعراق. من جهة أخرى، كانت الصواريخ الباليستية -التي عملت إيران عليها بدأب طوال سنوات- هي معادلها الرادع في مواجهة الهيمنة المطلقة لسلاح الجو الإسرائيلي، وهو المعادل الذي منح إيران القدرة على التهديد بالهجوم، وهي قدرة تطورت حتى أثبتت أنها تستطيع تكبيد إسرائيل أثمانًا باهظة، سواء عبر حلفائها في اليمن ولبنان، أو مباشرة، كما أثبتت الحرب الماضية والحرب القائمة الآن.
أطلق الهجوم الفلسطيني في 7 أكتوبر 2023 عملية إعادة تشكيل جذرية للإقليم، طالت بالضرورة العنصر الرئيسي في الأمن القومي الإيراني، إذ تعرض كل من حزب الله والمقاومة الفلسطينية لخراب ضخم، وسقط النظام السوري، وبدا وكأن إسرائيل تفكك طبقات الحماية الإيرانية المتمثلة في أذرعها وحلفائها، ثم تلا ذلك استهداف البرنامج النووي وجزء من القدرات الباليستية في الحرب الماضية. غير أن بقاء النظام الإيراني كان -ولا يزال- يعني بالنسبة لأمريكا وإسرائيل إمكانية إعادة ترميم القدرات في الداخل وفي الخارج أيضًا، وإعادة إنتاج النفوذ الإقليمي الإيراني بما يهدد سطوة إسرائيل التوسعية. ولما كان الميزان العسكري في صالح إسرائيل، فإنها لم تكن لتفوت الفرصة لاستغلال الوضع وإزالة التهديد الإيراني تمامًا، وهو ما يعني في المحصلة إسقاط النظام.
لذا، فإن المفاوضات -التي قطعها العدوان الإمبريالي الصهيوني المشترك على إيران- كانت تعني أنه إن قَبِل النظام بما يُملى عليه فيها، فسيؤدي ذلك إلى ضرب أسس وجوده، أي سقوطه بالفعل، لأن الشروط الأمريكية تنزع عن هذا النظام آخر ما يمتلكه؛ الشرعية الثورية التي بنى عليها بقاءه طيلة السنوات الماضية في وجه تصاعد الغضب الشعبي على خلفية سوء الوضع الاقتصادي وغياب الحريات ومشاكل بنيوية عديدة. وُلدت المفاوضات ميتة إذن، لأن سقفها الذي عينته إيران أدنى تمامًا مما يطالبها به أعداؤها، لكنها كانت فرصة لشراء الوقت لترميم القدرات ومراكمة المزيد. على الجانب الآخر، كانت الولايات المتحدة تراكم في ظل المفاوضات ترسانة عسكرية ضخمة في المنطقة، ودأبت طوال شهور على التلويح بالعنف والترغيب في المفاوضات وهي تعلم أن مطالبها لن يقبل بها النظام الإيراني. لقد كان هذا السيناريو نفسه الذي رأيناه طوال عامين في غزة، وحتى في لبنان مع حزب الله حين وافق الحزب على هدنة لمدة 15 يومًا، وهي الموافقة التي لم تمنع إسرائيل من اغتيال نصر الله وتصعيد الحرب على لبنان.
هنا، يمكننا إعادة تأكيد ما برز في الحرب الماضية، إنها معركة صفرية لا حل وسط فيها، فإيران تسعى للبقاء وظهرها إلى الجدار، وهذا ما يُفسر أداءها في اليوم الأول من المعارك، بالرغم من الضربة المبكرة على مقار القيادة وصنع القرار الإيراني، التي راح ضحيتها المرشد الأعلى علي خامنئي ووزير الدفاع الإيراني وقائد الحرس الثوري. لقد ضربت إيران القواعد الأمريكية على امتداد الخليج العربي، ومقار استخباراتية ومواقع لوجستية، بالإضافة إلى قصف مُركّز على إسرائيل بهدف واضح، رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها بشكل غير محتمل منذ اليوم الأول، قبل أن تؤدي الحملات الجوية إلى تقويض القدرة الإيرانية على الرد. بالإضافة إلى ذلك، تلوح إيران بغلق مضيق هرمز، وهو ما يعني قطع طريق تجاري رئيسي، مما يؤثر على أسعار النفط العالمية ويرفع كلفة الحرب على بلدان الخليج.
على الجانب الآخر، كانت دوافع العدوان الأمريكي الإسرائيلي واضحة؛ استئصال النظام الإيراني. غير أن الكيفية والكلفة ظلتا غير واضحتين بما فيه الكفاية، فسيناريو إسقاط النظام يفترض ما هو أكبر من حملة جوية مكثفة، إذ يتطلب عملًا على الأرض، سواء عبر غزو بري أو تحركات داخلية، بالإضافة إلى المدى الزمني للعملية الذي يرتبط بمخزونات الذخائر (خاصة المضادة للصواريخ) وبقدرة النظام الإيراني على الاستمرار في القتال. يبدو أن الرهان الأمريكي -وربما الفكرة الإسرائيلية- يعتمد على ضرب القيادة والمفاصل الرئيسية وتكثيف القصف بما يُحدث خللًا في قدرة النظام على العمل ورد الفعل. حتى الآن، لا يلوح هذا في الأفق، ورغم أن الصمود الإيراني في اليوم الأول للحرب لا يعطي مؤشرات كافية عما هو قادم أو لا يعد مادة جيدة للقياس، فإن النظام -حتى الآن، وبعد الاغتيالات والحملة الجوية الكاسحة- لم يُبدِ أي مؤشرات للتفكك أو فقدان السيطرة. وإذا حافظ على هذه الحالة واستطاع الصمود، فإن الولايات المتحدة ستكون أمام احتمال حرب استنزاف طويلة ذات مآلات غير مضمونة، فحتى وإن كانت الحرب بعيدة عن الأراضي الأمريكية، فإن واشنطن ملزمة بتولي الدفاع عن العمق الإسرائيلي والخليج ضد الهجمات الصاروخية الإيرانية، وهو ما يبدو أنها لم تنجح فيه بنسبة كبيرة حتى الآن. أضف إلى ذلك الاستنزاف السياسي لترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي، وهو الآن عالق بين الرغبة في خلق صورة نصر تعمل كرافعة سياسية داخلية، وبين مخاوف من احتمال عدم القدرة على حسم الأمور سريعًا، مع ما يجلبه ذلك من انتقادات وتساؤلات حول الجدوى منذ البداية، سواء في أوساط حركة "MAGA" التي أوصلت ترامب إلى السلطة من جديد، أو في أوساط الديمقراطيين.
الأكيد هنا هو أن الطرفين غير متكافئين. وإذا كان هناك طرف لا يستطيع القتال إلى ما لا نهاية، فهو الطرف الإيراني، فما لم تسعَ الصين وروسيا لتعويض الخسائر الإيرانية باستمرار في مواجهة السيادة الجوية المطلقة للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن إيران لن يمكنها الاستمرار بنفس الوتيرة تحت القصف المكثف. وليس انخراط حزب الله -برغم أوضاعه الصعبة- وكذلك الفصائل العراقية، إلا تعبيرًا عن إدراك إيران لحدود قدرتها على القتال بمفردها. وربما يساهم الحوثيون في المجهود الحربي على جبهتي الخليج وباب المندب لبعثرة كافة الأوراق في المنطقة، وإجبار أمريكا وإسرائيل على العمل على جبهات متعددة بما يسمح بتخفيف الضغط على الجبهة الإيرانية. التصور الإيراني إذن هو تفجير الإقليم بالكامل، والضرب بكل وسيلة وفي كل اتجاه، وتدفيع كل الأطراف ثمن العدوان الأمريكي الإسرائيلي، بما قد يخلق قوة ضاغطة لإيقافه.