إضرابات الألومنيوم والعامرية للغزل.. هل تنذر باشتعال أزمة عمالية في مصر؟

من قنا في صعيد مصر إلى الإسكندرية على ساحلها الشمالي ينفجر الوضع العمالي داخل قلعتين صناعيتين كبريين، حيث أضرب آلاف العمال عن العمل ونظموا مسيرات واعتصامات داخل مقار شركاتهم، في مشهد يكشف عن هشاشة أوضاع العمال وغياب الاستقرار الوظيفي داخل هاتين المؤسستين العريقتين.

ففي نجع حمادي دخل إضراب أكثر من ألفي عامل من غير المعينين في شركة مصر للألومنيوم يومه الثالث، معلنين اعتصامهم المفتوح داخل مقر الشركة للمطالبة بتثبيتهم في وظائفهم وزيادة أجورهم.

وفي هذا السياق يشير مينا عطية، وهو أحد العاملين في الشركة، إلى أن الأوضاع الداخلية تشهد حالة من الاحتقان المتصاعد في ظل تدني الرواتب وغياب التأمينات الصحية.

ويوضح عطية في تصريحات إلى "فكر تاني" أن أجر العامل لا يتجاوز ثلاثة آلاف وسبعمائة جنيه شهريًا، وهو مبلغ لا يتناسب إطلاقًا مع الارتفاع الكبير في الأسعار ولا يقترب حتى من الحد الأدنى للأجور المعمول به في البلاد، مضيفًا أن هناك مفاوضات جارية مع الإدارة التي أبدت استعدادها لبحث صرف زيادة قدرها ألف جنيه، غير أن العمال يرون أنها لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الكريمة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

ومن جهتها، قالت دار الخدمات النقابية والعمالية، إن ما يجري داخل الشركة يكشف بوضوح حجم الظلم الواقع على هؤلاء العمال الذين يعمل غالبيتهم منذ سنوات بعقود مؤقتة، وذلك رغم تخرجهم في مركز التدريب والمعهد الفني الصناعي التابعين للشركة نفسها، ورغم قيامهم بأعمال إنتاجية أساسية يعتمد عليها التشغيل اليومي للمصنع.

ويتقاضى هؤلاء العمال، غير المعينين، متوسط أجر لا يتجاوز ألفين وخمسمائة جنيه شهريًا وسط أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة. وأشارت الدار، في بيان أصدرته أمس الأحد، إلى أن تراجع الطاقة الإنتاجية للمصنع بنحو سبعين بالمائة بسبب إضراب العمالة غير المعينة يعكس الأهمية الفعلية لدورهم في العملية الإنتاجية، ويفند أي ادعاء بإمكانية الاستغناء عنهم أو التقليل من شأن مطالبهم. مضيفة أن حق العمال في التعيين المباشر بعد سنوات من العمل الفعلي حق مشروع لا يجوز الالتفاف عليه عبر شركات توريد العمالة، لافتة إلى أن الأجر العادل والتأمين الاجتماعي والصحي والاعتراف بإصابات العمل هي حقوق قانونية وليست منحة من الإدارة، وأن الحوار الجاد والمسؤول يمثل السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة بعيدًا عن أي ضغوط أو تهديدات قد تمارس ضدهم.

ورغم بدء الشركة مفاوضاتها مع العمال لزيادة الأجور بهدف فض الإضراب، أبلغتهم الإدارة برفضها التام لمطلب التعيين بحجة أنهم يعملون بعقود غير مباشرة من خلال مقاول.

وفي هذا الصدد يذكر أحد العمال الذي فضل عدم ذكر اسمه أن الإدارة عرضت عليهم زيادة ألف جنيه مقابل إنهاء الاحتجاج، غير أنهم تمسكوا بمطلب التعيين وتحسين أوضاعهم بشكل جذري.

ويضيف العامل أنهم يعملون بعقود مؤقتة من خلال شركات توريد عمالة مثل شركة "هاميس" برواتب شهرية تبلغ في المتوسط ألفين وخمسمائة جنيه، مشيرًا في حديثه لـ"فكر تاني" إلى أن إدارة الشركة كانت قد وجهتهم للتعاقد عبر تلك الشركات باعتبارها خطوة انتقالية تمهيدًا للتعيين، وهو الوعد الذي لم يتحقق رغم مرور عدة سنوات.

وقد أدى هذا التعنت إلى تجمع المئات من المضربين أمام مقر الإدارة مرددين هتافات تطالب بحقوقهم، وذلك عقب فصل الإدارة العشوائي لعدد من العاملين بقطاع العنابر في خطوة اعتبرها العمال تهديدًا صريحًا لدفعهم لإنهاء الإضراب.

وتسبب هذا التوقف في بطء شديد لسير العملية الإنتاجية، حيث تراجعت الطاقة التشغيلية بعد توقف معظم عنابر الإنتاج، بينما استمر العمل في نطاق محدود داخل الأقسام التي يشغلها العمال المعينون بشكل دائم.

وأوضح عامل آخر فضل عدم ذكر اسمه أن الأفران كادت تتوقف تمامًا عن سحب المعدن، مما استدعى تدخل العمال المعينين لإمدادها بالمواد اللازمة لاستمرار الاشتعال تفاديًا لتعرضها للتلف أو الدخول في عمليات صيانة معقدة قد تترتب عليها خسائر فادحة إذا جرى إطفاؤها بالكامل.

ويعد هذا التحرك امتدادًا لاحتجاجات سابقة شهدتها الشركة، حيث نظم العمال في أكتوبر من العام الماضي إضرابًا للمطالبة بزيادة الأرباح والبدلات وتثبيت المؤقتين، قبل أن يعلقوا تحركهم آنذاك عقب تلقي وعود بتنفيذ مطالب لم تر النور حتى اليوم.

وتأسست شركة مصر للألومنيوم عام 1969 وبدأ إنتاجها الفعلي في 1975، ثم توسعت خطوطها لتصل إلى خمسة خطوط بحلول يوليو 1983. وفي عام 2010 استكملت عملية تطوير خطوط الإنتاج لتعمل بنظام الخلايا سابقة التحميص بطاقة قصوى تبلغ 320 ألف طن سنويًا، حيث تنتج حاليًا هذه الكمية من المعدن المنصهر إلى جانب 320 ألف طن من المسبوكات عبر قطاع المسابك و108 آلاف طن من المنتجات المدرفلة على الساخن من خلال قطاع الدرفلة.

العامرية للغزل والنسيج وتراكم الخلافات الإدارية

على الجانب الآخر من المشهد العمالي، انفجر الوضع في شركة مصر العامرية للغزل والنسيج بسبب خلافات حادة حول استقطاعات الأجور، مما أدى إلى توقف المئات عن العمل.

وكشف عدد من العمال الذين فضلوا إخفاء هوياتهم لـ"فكر تاني" عن حالة من التوتر سادت قطاع التجهيز خلال الأيام الماضية على خلفية قرارات إدارية اعتبروها مساسًا بمستحقاتهم ومكتسباتهم الوظيفية.

وأوضحوا أن إدارة الشركة تراجعت بشكل مفاجئ عن قرار سابق بفرض إجازة إجبارية يوم الخميس من كل أسبوع طوال شهر رمضان، وذلك عقب وقفة احتجاجية نظمها العمال اعتراضًا على خصم تلك الأيام من رصيد إجازاتهم الاعتيادية، حيث اعتبر المحتجون أن هذا الخصم يمثل انتقاصًا من حقوق يكفلها قانون العمل، خاصة مع استمرار مطالب الإدارة بزيادة معدلات الإنتاج طوال أيام الأسبوع.

وحسبما نقلت المصادر، كان مقترح وقف العمل أسبوعيًا قد تقدم به رئيس قطاع التجهيز إلى رئيس الشركة بدعوى خفض استهلاك الطاقة، مستندًا إلى أن تكلفة تشغيل ساعة البخار الواحدة تبلغ نحو أحد عشر ألف جنيه.

وقد شمل هذا المقترح أقسام تبييض الأقمشة والصباغة والطباعة إضافة إلى قطاعات الفحص واللف والقياس، غير أن العمال رفضوا تمرير الإجازة إذا كانت ستُخصم من رصيدهم السنوي، وأبلغوا الإدارة بقبولهم التوقف فقط في حال اعتباره مدفوع الأجر كاملًا دون المساس بحقوقهم، مما أجبر الإدارة في النهاية على إلغاء القرار لاحتواء الموقف المتصاعد.

وتأتي هذه الأزمة الحالية ضمن سلسلة من الخلافات الإدارية الممتدة خلال العامين الماضيين، حيث تشير مصادر عمالية إلى أن من بين أبرز المطالب المعلقة احتساب الأجر الإضافي على أساس الأجر الشامل بأثر رجعي عوضًا عن احتسابه على الراتب الأساسي فقط.

وفي هذا الإطار أرسلت مديرية العمل بالإسكندرية خطابًا رسميًا إلى الشركة في أكتوبر الماضي تشدد فيه على ضرورة معالجة المخالفات المرتبطة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، موضحة أن مقابل التشغيل الإضافي يجب ألا يُدرج ضمن وعاء الحد الأدنى، ويجب أن يُحتسب بشكل منفصل تمامًا عن العلاوات والبدلات والمنح.

وسبق أن أسفرت التحركات العمالية المتكررة داخل الشركة عن استقالة الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب السابق أحمد عمرو رجب بعد احتجاجات استمرت قرابة ستة عشر يومًا، كما نجح العاملون لاحقًا في رفع بدل الوردية من مائتين إلى ستمائة جنيه شهريًا.

وتعد شركة مصر العامرية للغزل والنسيج التي تأسست عام 1983 واحدة من أكبر قلاع هذا القطاع في مصر، وتقع في الكيلو 36 على طريق الإسكندرية والقاهرة الصحراوي بمنطقة النهضة، وتضم اثني عشر مصنعًا لإنتاج الغزول والأقمشة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة