كيف، ولماذا، ومتى تراجع الصوت النقابي للنساء في مصر؟ ولماذا نعاني من ضعف تمثيلهن داخل إدارات النقابات العمالية والمهنية؟
هذه الأسئلة كانت محور اهتمام دراسة تحليلية أعدتها مؤسسة قضايا المرأة المصرية، تتبعت فيها العلاقة المتبادلة بين أوضاع النساء في سوق العمل وتحولات أدوارهن النقابية خلال العشرين عامًا الأخيرة.
وللإجابة عن ذلك، وضعت الدراسة عدة فرضيات لفهم واقع هذا التمثيل، فلطالما شكلت النساء، على مدار سنوات طويلة، جزءًا لا يمكن تجاهله من قوة العمل في القطاعين الرسمي وغير الرسمي، سواء في المصانع أو المزارع، وصولًا إلى قطاع الخدمات والعمل الحكومي. ورغم هذا الحضور الكثيف، ظل تواجدهن في قيادة النقابات العمالية محدودًا وضعيفًا، وكأنه أمر طبيعي أو بديهي لا يستدعي التوقف والسؤال. لكن، هل هذا الغياب نابع حقًا من اختيار فردي؟ وهل عزفت النساء عن العمل النقابي لأنهن لا يرغبن فيه، أم لأنهن أقل كفاءة، أو ربما لأن السياسة لا تعنيهن؟ تجيب الدراسة عن ذلك بكلمة واحدة وبسيطة: "لا".
من هذا المنطلق، فككت مؤسسة قضايا المرأة تلك الفرضيات، ووضعت توصيات لضمان تمثيل نسائي يتناسب مع حجم تواجدهن كقوة عمل أو منتسبات في النقابات. وفي هذا السياق، توضح ندى نشأت، مسؤولة برنامج المشاركة العامة للنساء بالمؤسسة، إطلاق حملة إعلامية توعوية لإلقاء الضوء على مخرجات الدراسة، وتوعية الجمهور بأهمية التمثيل النقابي للنساء، إلى جانب كشف تفاصيل التراجع الملحوظ في التشغيل والتمثيل النقابي معًا.
وتضيف نشأت أنه، رغم تركيز الدراسة على النقابات العمالية، إلا أن أزمة ضعف التمثيل تنسحب أيضًا على النقابات المهنية التي يُفترض أنها تمثل الفئات الأكثر وعيًا، مؤكدة أن هذا التراجع ليس وليد الصدفة، بل هو جزء من بنية مجتمعية وتشريعية متكاملة تستبعد النساء.
فكيف حدث ذلك؟ على مدار عقود من النضال العمالي في مصر، قادت النساء إضرابات واحتجاجات وكنّ في مقدمة الصفوف، باعتبارهن مكونًا رئيسيًا من قوة العمل بقطاعيه الرسمي وغير الرسمي. ومع ذلك، لا يزال حضورهن القيادي ضعيفًا للغاية. ولتفسير هذه المفارقة، تنطلق الدراسة من تفكيك ما جرى في سوق العمل من تحولات، بدءًا من تقليص القطاع الحكومي واتساع سياسات الخصخصة، وتحديدًا خلال فترة التسعينيات. حينها، تقلصت فرص التوظيف التي طالما أتاحت للنساء عملًا مستقرًا تكفله التأمينات الاجتماعية والامتيازات المنصوص عليها في القوانين واللوائح.
وتاريخيًا، تُعتبر حقبتا الخمسينيات والستينيات الفترة الذهبية للمرأة في سوق العمل، حيث وفّر القطاع الحكومي آنذاك وظائف أكثر استقرارًا، مهّدَت لظروف موضوعية سهّلت انخراط النساء في أدوار نقابية فاعلة. ولكن، مع انتقال قطاعات واسعة من النساء إلى أشكال عمل أكثر هشاشة مقارنة بالوظائف الحكومية السابقة، تنامت أنماط العمل غير الرسمي. هذا التحول دفع النساء تدريجيًا خارج سوق العمل المستقر، وبالتالي خارج المظلات النقابية، نظرًا لأن البنية القانونية والتنظيمية لغالبية النقابات تشترط وجود عقود عمل رسمية، وعضوية واضحة، وعلاقات عمل قابلة للتفاوض، وهو ما يقوضه نمط العمل الهش بشكل كامل.
إقصاء خارج اللائحة
إلى جانب التحولات الاقتصادية، تشير الحملة إلى أن الثقافة المؤسسية للنقابات ذاتها ساهمت في إعادة إنتاج فجوة التمثيل النسائي. ويعود هذا جزئيًا إلى طبيعة نشأة النقابات التي غلب عليها الطابع الذكوري. ومع مرور الزمن وتزايد هشاشة سوق العمل، سادت صورة نمطية تصدّر العمل النقابي كنشاط غير مناسب للنساء، أو كعمل يتطلب تفرغًا وصدامات يومية تتعارض مع الأدوار الاجتماعية المفروضة عليهن.
هذا الإقصاء غير صريح، إذ لا يستند إلى لوائح أو قوانين مكتوبة تمنع مشاركة النساء، لكنه يبرز بوضوح في آليات الاختيار غير الرسمية، وشبكات العلاقات، وتوزيع الأدوار. فعلى سبيل المثال، حين تُعقد الاجتماعات في أوقات مسائية متأخرة أو في أماكن نائية، يُعرقل ذلك حضور النساء، مما يؤدي إلى إعادة تعريف معايير "الكفاءة" النقابية بشكل يقصي الخبرات النسائية تلقائيًا.
ولا تتوقف العراقيل عند حدود الزمان أو المكان، بل تمتد لتشمل الأعباء المزدوجة التي تثقل كاهل النساء بين العمل المأجور والعمل المنزلي غير المدفوع، حيث يعمل هذا العبء الأخير كقيد يومي يحد من حركتهن. وتوضح الدراسة بوضوح أن انخراط النساء في الرعاية المنزلية هو ما يدفعهن تاريخيًا لتفضيل القطاعات الأكثر انتظامًا، كونهن مطالبات بإدارة الأسرة ورعاية الأطفال.
أمام هذه المعطيات، يبرز تساؤل منطقي؛ كيف نتوقع مشاركة نقابية واسعة أو ترشحًا لقيادة تتطلب وقتًا واجتماعات وتنقلات وضغوطًا مستمرة، بينما تعمل النساء عمليًا في "ورديتين" كل يوم؟
ولهذا، تطالب ندى نشأت بضرورة إقرار "كوتة" للنساء داخل اللجان النقابية ومجالس الإدارات كآلية فعالة لمواجهة هذا الضعف في التمثيل. وتشير إلى أن النساء يقدن بالفعل احتجاجات عمالية حقيقية على الأرض داخل المصانع والشركات، مما يعني أن ضعف تمثيلهن داخل الغرف النقابية المغلقة لا يعكس أبدًا حجم أدوارهن الميدانية.
التوصيات
واستنادًا إلى ما سبق، خلصت الدراسة إلى حزمة تضم 13 توصية -حصلت منصة "فكر تاني" عليها- تهدف إلى مواجهة ظاهرة ضعف التمثيل النقابي للنساء، وجاءت كالتالي:
- زيادة نسبة النساء، سواء في قوة العمل أو بين المشتغلين، عبر وضع خطط تنمية اقتصادية للحد من البطالة لا تستبعد النساء من حساباتها.
- توفير فرص عمل لائقة تحمي النساء من الاضطرار للتوجه نحو القطاع غير الرسمي المجرد من أي حقوق.
- الحد من الاعتماد على شركات توريد العمالة التي تساهم في تفاقم نسب العمالة غير الرسمية.
- إلزام أصحاب الأعمال بضمان شروط العمل اللائق، ومحاسبة كل من يثبت استخدامه لعاملين أو عاملات من دون عقود عمل أو تأمينات صحية واجتماعية، أو من يتخلف عن تطبيق الحد الأدنى للأجور على العاملين لديه.
- توفير إحصاءات تفصيلية دقيقة لعضوية النقابات العمالية ومجالس إداراتها، مع الالتزام التام بمراعاة النوع الاجتماعي وباقي التقسيمات الموجودة في إحصاءات العمل، بما يُمكن الباحثين وصناع القرار من عقد مقارنات دقيقة بين نسب النساء المشتغلات من جهة، ونسب تمثيلهن في العضوية والإدارة من جهة أخرى.
- العمل على تنمية ورفع وعي وإمكانيات النقابيات ليكنّ قادرات على المشاركة بفاعلية في إدارة النقابات، على أن تُعقد الورش والتدريبات في بيئتهن الطبيعية لضمان قدرتهن على الحضور والمشاركة.
- تدريب القيادات النقابية الحالية على مبادئ العدالة الجندرية وحقوق المرأة العاملة، لضمان دمج المنظور النسوي بفعالية في المفاوضات الجماعية.
- تعديل قانون التأمينات الاجتماعية ليواكب ظروف عمل العمالة غير المنتظمة، حيث عجز العاملون والعاملات في هذا القطاع عن تحمل قيمة الأقساط مقارنة بالقانون السابق.
- تعديل قانون النقابات العمالية لإزالة كافة القيود المفروضة على الحق في التنظيم النقابي.
- تفعيل آليات واضحة لتلقي الشكاوى النقابية المتعلقة بالتحرش والتمييز ضد النساء العاملات، مع ضرورة ربطها بجهات قضائية مستقلة تضمن سرعة البت فيها.
- إطلاق مبادرات تهدف إلى تغيير النظرة المجتمعية التي تعوق انخراط المرأة في مجالات العمل العام، وعلى رأسها العمل النقابي.
- تبني سياسات عامة وتشريعات تُقر بأهمية العمل المنزلي غير مدفوع الأجر وتحتسب مساهمته الاقتصادية، بالتوازي مع تغيير الممارسات الثقافية السائدة التي تُحمّل النساء العبء الأكبر من المسؤوليات الأسرية رغم خروجهن للعمل المأجور. ويتطلب ذلك تعزيز مفهوم الرعاية الأسرية المشتركة عبر التوسع في توفير خدمات رعاية ودعم أسري ميسورة التكلفة أو مجانية، بما يخفف الأعباء غير المتكافئة الواقعة على النساء.
- إقرار نص قانوني ملزم يطبق نظام "الكوتا" النسائية في مواقع صنع القرار داخل النقابات العمالية، بما يضمن تمثيلًا فعّالًا ومنصفًا للنساء، ويعالج الاختلال الهيكلي القائم في التمثيل النقابي.