في مسعى لسد فجوات البيانات وتوفير أدوات معرفية تسلط الضوء على واقع النساء المعاش، أعلنت مؤسسة «براح آمن» عن إطلاق خريطة رقمية تفاعلية تختص بتوثيق جرائم العنف في المجال الخاص في مصر.
يندرج المشروع ضمن مخرجات برنامج الإنتاج المعرفي النسوي التابع للمؤسسة، ويهدف إلى تقديم رصد دقيق للوقائع كما وردت في المصادر الصحفية الرسمية المفتوحة خلال الفترة الممتدة من بداية عام 2018 وحتى نهاية عام 2024، كما يأتي إطلاق الخريطة مصحوبًا بتقرير بحثي تراكمي يُحلل هذه الوقائع في ضوء السياقات المجتمعية، والقانونية، والسياسية، والاقتصادية، ليُقدم طرحًا متماسكًا يتصدى للتكذيب والإنكار الممنهج، ويضع ملف العنف في المجال الخاص على قائمة الأولويات المجتمعية.
وتغطي الخريطة التفاعلية بيانات جرى الانتهاء من جمعها في أغسطس من عام 2025، وتتضمن قاعدة البيانات النهائية 5338 واقعة، مقسمة زمنيًا وجغرافيًا وفقًا لنوع العنف الذي تعرضت له الناجيات.
وتُمثل الخريطة امتدادًا لعمل مؤسسة "براح آمن"، وهي مجموعة نسوية مصرية انطلقت في مايو 2015 من تفاعلات قاعدية داخل مجتمعات محلية، وتهدف بشكل رئيسي إلى مناهضة العنف والتمييز ضد النساء في المجال الخاص، مع إبراز العلاقة المباشرة بين هذه الانتهاكات وإقصاء النساء من المجال العام.
وكشفت المؤسسة في تقريرها عن تحديات تقنية ومنهجية واجهت عملية تصنيف الخوارزميات لتطابق المحتوى، وأوضحت، في بيان، أن قاعدة البيانات الأصلية شملت 5635 خبرًا، أُدخل منها 5338 خبرًا إلى النظام، في حين يظهر على الخريطة البصرية 4720 خبرًا فقط.
ويُعزى هذا التباين إلى اعتماد المنهجية على اعتبار "الناجية" وحدة العد ومركز الخبر، نظرًا لاحتواء أغلب الأخبار على أكثر من ناجية، مما استدعى إدخال الخبر ذاته إلى قاعدة البيانات أكثر من مرة. وبناءً عليه، رُفعت بعض الأخبار التي تضمنت عدة ناجيات مرة واحدة فقط على الخريطة الجغرافية، مما قلل الرقم الظاهر بصريًا مقارنة بإجمالي الوقائع.
وترى "براح آمن" أن هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تعكس الحجم الحقيقي للعنف القائم في المجتمع لكونها تعتمد حصرًا على المصادر الصحفية المفتوحة، لكنها تظل في الوقت نفسه مؤشرًا تراكميًا هامًا يعكس تصاعد وتيرة العنف وأنماطه.
الإطار المنهجي
اعتمد إعداد الأداة الرقمية على منهجية بحثية مختلطة، دمجت بين الرصد الكمي للوقائع في الصحف، والتحليل الكيفي لتلك الوقائع من منظور نسوي تقاطعي. وتتبعت المنهجية طبيعة العلاقة بين الجاني والناجية، واستجابات المجتمع ومؤسسات إنفاذ القانون، فضلًا عن تحليل الخطاب الإعلامي المصاحب للجرائم.
ومن أبرز ما يميز هذه المنهجية اعتمادها على إطار "العنف المركب". وينطلق هذا المفهوم من إدراك أن غالبية النساء لا يتعرضن لنمط واحد من الانتهاكات، بل يواجهن تقاطعات لعدة أنماط في آن واحد، أو من قبل فاعلين متعددين. وعليه، وثقت الخريطة أنماط العنف المعترف بها والمُجرّمة قانونيًا، إلى جانب الأنماط غير المعترف بها في التشريعات المصرية، مثل العنف النفسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والرقمي.
ميزات الأداة الرقمية وتجربة المستخدم

تُعد هذه المنصة الأرشيفية خطوة محورية في جهود توثيق التاريخ الاجتماعي لواقع النساء في مصر، حيث تقدم بنية معلوماتية صلبة تتيح للمهتمين قراءة المشهد بعيدًا عن التناول الفردي العابر للجرائم الأسرية والخاصة.
صُممت الخريطة لتكون أداة مفتوحة المصدر تخدم الباحثين، والإعلاميين، والجمهور العام، من خلال تقديم تجربة مستخدم تفاعلية تشمل:
-
إمكانية استخدام أزرار التكبير والتصغير لاستعراض المحافظات المصرية ومعرفة أعداد الأخبار المصنفة داخل نطاق كل محافظة.
-
إتاحة البحث باستخدام عناوين الأخبار أو الكلمات المفتاحية عبر القسم الجانبي للأداة.
-
توفير رسوم بيانية توضح إجمالي أعداد الأخبار، وتوزيعها الجغرافي، وتصنيفها بحسب نوع العنف.
-
توفير ملف قاعدة البيانات الموحدة بصيغة (XLSX) للتحميل كمصدر مفتوح، لدعم إنتاج تحليلات استقصائية وبحثية قائمة على أرقام موثوقة.
ويمكن الاطلاع على الخريطة واستخدامها عبر من خلال هذا الرابط.