على مدار عشر سنوات من متابعة مجلس النواب، لم أشهد مثيلًا لحالة الارتباك التي سادت أروقة البرلمان أمس استعدادًا لميلاد التعديل الوزاري المتعثر، فللمرة الأولى يحضر النواب في موعدهم ورغم ذلك أُجلت الجلسة ثلاث ساعات كاملة، لإجراء تغييرات جديدة على القائمة الواردة لمجلس النواب في اللحظات الأخيرة.
كان الحديث عن التعديل الوزاري قد بدأ مع انعقاد المجلس بتشكيله الجديد في الأسبوع الثاني من يناير الماضي، رغم أن الدستور لا يُلزم بضرورة تشكيل حكومة جديدة بالتزامن مع وجود برلمان جديد، وظلت الأحاديث تتردد على مدار شهر كامل ما بين رحيل الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أو إجراء تعديل وزاري واسع أو محدود.
نواب لا يعلمون شيئًا
مع عصر الأحد الماضي، وصلت رسالة الأمين العام لمجلس النواب إلى الأعضاء، لدعوتهم إلى جلسة الساعة الواحدة ظهرًا يوم الثلاثاء 10 فبراير لنظر "أمر عاجل"، لم تحدد الدعوة طبيعته، لكن الجميع كان يعلم أنها جلسة التعديل الوزاري. وربما يثير هذا التكتم الرسمي علامات الاستفهام، فلماذا نتحدث عن جلسة لنظر أمر مبهم، بينما يعلمه الجميع وتناقشه برامج "التوك شو"، ويتحدث عنه السياسيون علنًا؟

اتجهتُ صباح الثلاثاء إلى مقر المجلس في العاصمة الإدارية الجديدة، ووصلت قبيل ساعة تقريبًا من موعد الجلسة العامة، بينما كانت المواقع الإخبارية تتناول التعديلات نقلًا عن مصادر "مجهَّلة"، في حين لا يعلم النواب أنفسهم أي معلومات عن طبيعة التعديلات، ويلجؤون للمواقع للبحث عن الأخبار.
توافد النواب على قاعة الجلسة العامة قبيل الواحدة، ودخل رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، النائب أحمد عبد الجواد، قاعة الجلسة في الوقت المحدد، وانتظرنا بعد ذلك أكثر من نصف ساعة، ولم يحضر رئيس المجلس إلى منصته، وبدت حالة من الهرج في القاعة. وقبيل الثانية ظهرًا بدقائق، نشرت قناة "إكسترا نيوز" خبرًا عن تأجيل الجلسة إلى الرابعة عصرًا، بينما لم تصل للنواب أنفسهم أي معلومات عن هذا التأجيل، حتى وصلتهم رسالة الأمانة العامة في الثانية والنصف.
مع ساعات الانتظار، لم يسلم الأمر من بعض المشاحنات، مثل المشادة التي حدثت بين النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، والنائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عن حزب مستقبل وطن، في مطعم المجلس، عندما اعترض الأول على عدم مناقشة اللجنة لطلبات الإحاطة الخاصة بضريبة الهواتف المحمولة الواردة من الخارج.
فك وتركيب
بالتزامن مع تأجيل الجلسة العامة، بدأت الأنباء تتردد بشأن تغييرات جديدة غير تلك المنشورة، وظهر للمرة الأولى اسم وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، المستشار محمود فوزي، ضمن الراحلين من الحكومة، وهو الخبر الذي تأكد بإعلان التعديلات على لسان رئيس مجلس النواب، المستشار هشام بدوي، الذي افتتح الجلسة في الرابعة والربع عصرًا.
مرت التعديلات بعد ولادة متعثرة في الغرف المغلقة، ووافق المجلس خلال الجلسة العامة التي لم تستمر أكثر من 15 دقيقة، باستثناء كلمات الهيئات البرلمانية. فبموجب اللائحة الداخلية للمجلس "لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري بعد التشاور مع رئيس مجلس الوزراء، ويرسل كتابًا بذلك إلى مجلس النواب يبين فيه الوزارات المراد إجراء تعديل فيها، ويعرضه رئيس المجلس في أول جلسة تالية لوروده. وتكون الموافقة على إجراء التعديل جملةً بموافقة أغلبية الأعضاء الحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث عدد أعضاء المجلس، ويُخطر رئيس الجمهورية بذلك"، بمعنى أن يوافق المجلس على التعديل كاملًا.
أعلن بدوي قائمة الأسماء التي وافق عليها المجلس بالأغلبية، والتي كشفت استمرار اعتماد سياسة "الفك والتركيب" وغياب المعلومات، فبدون أسباب واضحة يوافق النواب على دمج وزارات وفصل أخرى، ودون مبررات معلنة أو اختصاصات محددة يوافقون على إحياء وزارة الإعلام مرة أخرى.
دمجت التعديلات وزارتي التنمية المحلية والبيئة، وأسندتها إلى الوزيرة منال عوض، التي تولت وزارة التنمية المحلية ضمن تشكيل حكومة 3 يوليو 2024، بينما فصلت التعديلات وزارة التعاون الدولي عن التخطيط وألحقتها بوزارة الخارجية، ليصبح الوزير بدر عبد العاطي وزيرًا للخارجية وشؤون المصريين في الخارج والتعاون الدولي.
صعود وهبوط
بدت التعديلات الجديدة مؤشرًا كاشفًا لتراجع بعض الشخصيات المقربة من رأس السلطة، حيث هبط رصيد وزير النقل الفريق كامل الوزير، الذي سُحبت منه وزارة الصناعة ومنصب نائب رئيس الوزراء، بعدما كان مرشحًا من بين الأسماء المتداولة لرئاسة الحكومة.

الأمر نفسه تكرر مع وزير الصحة والسكان، الدكتور خالد عبد الغفار، الذي لم يعد نائبًا لرئيس مجلس الوزراء، واستمر وزيرًا للصحة في اللحظات الأخيرة بعدما كان مرشحًا للرحيل من الحكومة، وفي اللحظات الأخيرة أيضًا صعد اسم النائب السابق حسين عيسى، لتولي منصب نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وهو النائب الوحيد لرئيس الوزراء من خارج التشكيل الوزاري.
ومن بين الأمور غير المفهومة بالمرة في هذه التعديلات، اختيار النائبة السابقة جيهان زكي وزيرة للثقافة، رغم إدانتها بالاعتداء على حقوق الملكية الفكرية ونسخ أكثر من 50% من كتاب، وتغريمها 100 ألف جنيه، وهي قضية ما تزال ينظرها القضاء، حيث قدمت الوزيرة طعنًا في سبتمبر الماضي على الحكم ولم يُبت فيه حتى الآن.
تراجع مفزع
في الوقت الذي غاب فيه المستشار محمود فوزي عن التشكيل الحكومي في اللحظات الأخيرة للتعديل، انتشرت تعليقات ساخرة مستشهدة بدوره في مناقشات تعديلات قانون الإيجار القديم، والدفاع عن رؤية الحكومة التي بدت منحازة للملاك، أو القضايا الأخرى التي كان فوزي معبرًا فيها عن صوت الحكومة وممثلها.
مع ذلك، ورغم وجود سقطات لفوزي، لم يتوقف أحد أمام دلالة غياب مسمى "وزارة التواصل السياسي"، والاكتفاء بإسناد وزارة الشؤون النيابية والقانونية للمستشار هاني سدرة عازر.
على مدار 19 شهرًا تولى خلالها فوزي مهمة وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، كنا نتطلع لتفعيل أكبر لدور الوزارة التي يقودها بعد تجربته في الحوار الوطني، لكنه وإن كان دورًا خافتًا فقد كان مطلوبًا، ولعب فوزي دور الوسيط الذي يلجأ إليه المعارضون والصحفيون والسياسيون للتواصل مع دوائر معينة في السلطة وحل بعض الأزمات.
ورغم أن فوزي نجح في تقديم نفسه بوصفه شخصية منفتحة على الجميع، فإن تجربته لم تخلُ من سقطات حقيقية في لحظات عديدة، خاصةً في أوقات شديدة الحساسية مثل أزمة حريق السنترال وردوده على انتقادات النواب للحكومة وتعطل الإنترنت والتطبيقات بإجرائه تحويل مالي لحظي لابنه أمام النواب كدليل على سلامة أداء الإنترنت، أو الدفاع عن استمرار نظام انتخابي أدى بنا إلى مشهد انتخابي مفزع تدخل الرئيس لتحسينه.
ومع ذلك، فإن خسارة فوزي لا تتعلق فقط بالأداء في البرلمان، بل بالفراغ التام الذي سيتركه بين الدولة والمجتمع السياسي، فغياب الوزارة لا يعني فقط استبدال اسم بآخر، بل يعني عمليًا انسحاب الدولة خطوة إضافية من فكرة الحوار، ومزيدًا من التراجع المفزع لدور السياسة.
وزارة الصلاحيات السرية
يبدو أن ملف الإعلام ما زال يؤرق السلطة، فرئيس الدولة يعبر دائمًا عن عدم ارتياحه لمستوى الإعلام ومضمونه، كما سبق وعقد اجتماعًا مع رئيس مجلس الوزراء وممثلي الهيئات الإعلامية، ووجه بضرورة العمل على تطوير الإعلام.
وكما هو متوقع، بعد أي توجيه الرئيس أن تنتفض الحكومة، التي شكلت لجنة موسعة من 67 خبيرًا لتطوير الإعلام وقدمت تقريرها النهائي قبل أيام، لكن قبل بحث التوصيات وسبل تنفيذها، قررت السلطة عودة وزارة الإعلام لينضم الدكتور ضياء رشوان إلى التشكيل الوزاري ويتولى المنصب الذي سبق وتولاه أسامة هيكل في 2019 قبل استقالته في 2021.
ومع وجود هيئات إعلامية مسؤولة عن إدارة المشهد، سواء المجلس الأعلى للإعلام، أو الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، تغيب حدود الدور المتوقع من وزير الدولة للإعلام، وتثار التساؤلات عن طبيعة مسؤولياته، وحدود دور الوزارة التي لم نعرف ولا مرة سبب اختفائها، أو إحيائها من جديد.
في النهاية، يعكس التعديل الوزاري الأخير تراجع بعض الأصوات المؤثرة وغياب شخصيات كانت تمثل جسور التواصل بين الدولة والمجتمع السياسي، بينما قد تكون وزارة الإعلام واجهة سياسية أكثر منها أداة تطوير حقيقية للتكوين. وما زال السؤال مطروحًا، لماذا رحل وزراء وأتى وزراء؟ وعلى أي أسس تمتع الآخرون بالبقاء؟