كثيرًا ما يشغلني مستقبل العمل المجتمعي في مصر، إلى أين نحن؟ أتساءل، في عز سطوة مؤسسات بعينها على المجال العام، لكنني عندما أفكر في أهل العمل المجتمعي، أفكر في اليسار فأتساءل أيضا:" ما الإرث؟ على ماذا سنبني؟ ولماذا فشلوا بينما نجح غيرهم ولو قليلًا؟ وهل فشلوا حقًا؟
الحاضر المتصحّر
قد لا أستطيع أن أقول بأني يساري، فأنا وليد الحاضر المتصحر، الذي لا يسار فيه، ولا توجهات تستطيع أن تناهض التيار المتوحش للسلطة، لكن اليسار بالنسبة لي هو الرغبة في التغيير، والأمل في الفعل.
أتحدث كثيرًا عن أن اليسار قد يكون لديه من النوابغ ما لم يُقسّمه القدر لمثلهم من التيارات الأخرى، لديه النخب والأكاديميين، لكن أين هم؟ غرفهم مغلقة، وأذنهم تحب أن تسمع صدى قولهم.

أمس الأول، قَسم لي القدر أن أخترق حواجزهم، التي لم يبنوها من الأساس، أجلس بينهم، عيني تراقبهم، وأذني تسجل عنهم كما سجَّل الحواريون عن ابن مريم. يجلس أمامي أربعة من نخب اليسار، أولهم الدكتورة منى مينا، التي افتتحت حديثها بأن مستقبل اليسار غير معلوم، لكن يجب الحديث عن ماضيه لنعتبر منه، تمامًا كما فعلت مع أصدقائي.
معرض الكتاب الموازي
أدارت الندوة، التي جاءت تحت عنوان: "مستقبل اليسار والعمل العام في مصر"، الدكتورة ندى مغيث، وشارك فيها إلهامي الميرغني، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، والخبير الاقتصادي، والمحامي خالد علي، والدكتورة منى مينا، وأكرم إسماعيل القيادي السياسي بحزب العيش والحرية ، تحت التأسيس، والصحفي هشام فؤاد القيادي السياسي.

أقيمت الندوة ضمن سياق معرض الكتاب الموازي، الذي أقامته دار المرايا، بعد منع مشاركة الدار في معرض القاهرة الدولي للكتاب للعام الثاني على التوالي.
اليسار بعيد عن الشارع
تقول دكتورة منى إن اليسار رغم نبل أهدافه إلَّا أنه لا نراه اليوم في الشارع، وأن اليسار إذا تحمس لقضية وانتهى منها، فغالبًا يستريح بعدها أكثر مما عمل، تصفه بأنه ملول لا يستكمل طريقه بما يؤدي لنجاحه.
وكان للدكتور إلهامي الميرغني رأيه في تلك النقطة إن اليسار موجود، بل إنه هو من أنشأ النقابات المستقلة في وقت لا يعلم فيه المصريون غير قانون الطوارئ، وأن اليسار هو من قاد عودة الشركات وواجه الخصخصة القائمة على الليبرالية الاقتصادية، مشيرًا إلى أن اليسار حفظ حق العمال في عملهم، ولم يكتف بل حفظ حقهم مدى الحياة من خلال النقابات.
ويرى الميرغني أن ما أضعف اليسار هو أنه لم تكن هناك مساحة لوجود تنظيمات سياسية وحزبية، وأن اليسار حينما حاول التواجد بشكل حقيقي بعد ثورة يناير 2011، واجه ثورة مضادة عصفت بنضج العمل اليساري حينها، وهنا أختلف مع اليساري والخبير الاقتصادي الكبير فما أراه في ذلك أنه يتعامل مع تجربة اليسار كتجربة منفردة، وليست ضمن تجارب سياسية عديدة في التوقيت نفسه، والظروف نفسها، مما جعلني أرى أن اليسار ما زال يحاول إثبات مظلوميته.
الإخوان و" الأطباء" مثلًا
وفرضت الدكتورة منى مينا على الحوار مثال الإخوان المسلمين، حيث ترى أنهم قد لا يحترمون أتباعهم بقدر ما يفعل اليسار، لكنهم أنجح في الشارع، وكانت لهم تجربة شعبية فريدة، ودللت على ذلك بأن الإخوان كان لهم دور حقيقي في الحياة الشخصية للناس من حولهم، يساعدونهم في عقبات حياتهم، الأزمات المهنية، ومن ثُم يجدونهم ظهيرا قويا في العمل السياسي.
وترفض دكتورة منى أن يقترن فشل اليسار بالثورة المضادة وغلق المجال العام، وتقول إن العمل الجماهيري لليسار كان يعاني من قبل ثورة يناير، وترى أن عمل اليسار حينها كان بعيدًا عن المطالب الفئوية، والاحتياجات اليومية للناس، وأنه دومًا كان منتظرًا للحظة الإدراك الكبرى.

كما تعتبر دكتورة منى أن تجربتها في نقابة الأطباء كانت خير دليل، وأن المجموعات المهنية كانت تبدأ بمطالب بسيطة، ثم تتحول إلى مواجهة للسياسات المضادة لهم، معتبرة أن البناء الثابت هو البناء البطيء، الذي يتم على فترات طولية، عكس البناء المعتمد على وقت الانفتاح، وذلك الذي لا يدوم.
على جانب آخر، يرفض الأستاذ أكرم إسماعيل هذا التفكير، وسمَّاه "الإرادوية"، حيث نتصور أننا سنبني التنظيم من الخطوة الأولى للأخيرة دون ثغرات، حيث السياسة ليست كذلك، كما يرى، بل هي عمل تراكمي، كل جيل يعمل على ما يستطيع وفي النهاية يرى أن بطبيعة الحياة ستتكون التجربة وحدها.
يدعم الدكتور إلهامي رأي إسماعيل، فيقول إن اليسار هو التيار الوحيد حاليا، الذي يعتبر صاحب رؤية مختلفة خاصة فيما يحدث في ملف البيئة، مما يعني أن اليسار حاضر ومهتم بكل الملفات، لكن المشكلة من وجهة نظره هو أن اليسار لم يعد يطرح نفسه كبديل قادر أو منافس على السلطة، بل يكتفي أحيانًا بدور النقد الإصلاحي.
حق الناس
أعود لنفسي وأنا أسمع كل هذا، وأقارن بين كلام كل المتحدثين بالواقع فأرى أنني إذا خرجت من الندوة حالًا، فهذا يعني انفصالي عن اليسار، فهم مبتعدون كل البعد عن الشارع. هنا يقطعني كلام الخبير الاقتصادي الكبير، ونائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، واستدلاله بتجربة "جبهة العدالة الاجتماعية، حق الناس"، التي يرى أنها لم تنجح في العمل على القضايا المحلية الشاغلة مثل الأجور، الأسعار، والديون وانجرافها في التعليق على الظرف الإقليمي.
لكن أكرم إسماعيل يعود ويطرح وجهة نظر أخرى، وهى أن ما يمر به اليسار هو جزء من تغيير كبير يمر به العالم أسماه" تفسخ النظام العالمي القديم"، يحمل خطرًا من حروب وصراعات، لكنه أيضًا يحمل أملًا لإعادة اكتشاف اليسار من قِبل الشعوب، واعتبر أن اليسار المصري الآن في حاجة ماسة لربط قضايا الناس بالوضع السياسي العام.
دور اليسار
ويرى إسماعيل أن الجمعيات الخدمية ليست ضمن دور اليسار، بل إن اليسار دوره هو تنظيم الناس لانتزاع حقوقهم، ويعتبر أن المقارنة بالإخوان المسلمين تعتبر غير متكافئة، ويرى أنهم لهم إمدادات وامتدادت إقليمية، ومعظم التيارات السياسية كان لها الإمدادات الخاصة بها في حين لم يكن لليسار قوتَ نِضاله.

أمَّا الآن، فمن الواضح أن اليسار لم يصبح له من يرفعون لواءه من الأساس، كما يقول الصحفي والقيادي اليساري هشام فؤاد إن اليسار لم يعد عمال وفلاحين، بل هناك طبقة في الوسط، هم القوة المتقدمة، وهم مجموعة يحاولون أن يفعلوا شيئا ما جديدا، يريدون التغيير، ويسبقون المجتمع بخطوة، لكنهم غير مؤدلجين، لكن ما قسم ظهر البعير هنا هو ما حدث بعد يناير 2011، وكيف أنه لم يعد هناك الآن شاب في أي محافظة كان له سابقة تجربة مجتمعية، ولم يحدث له ملاحقة بعد ذلك.
ويدخل على الخط المحامي خالد علي، فيعلق على تهشيم عظام اليسار، قائلا إن الشعب ليس لديه الرغبة في الالتحاق بأي عمل سياسي كبير، وإن كانت القاعدة تم كسرها بعد يناير.
الحبس والاحتجاز والاختفاء
ويعتبر علي أن الضربة الأخيرة كانت ما حدث مع المعتصمين في رابعة في 2013، فذلك لم يكن ضربة للإسلاميين فقط، بل لكل من تسول له نفسه أن يسير عكس التيار القادم، ويتساءل المحامي والقيادي السياسي: كيف يرى الناس كل يوم الحبس، والاحتجاز والاختفاء القسري قائمين، ثم يقدم على عمل سياسي مناهض للحكومة.
وعن مستقبل اليسار يرى علي أن الخطوة الأهم هي الوصول لرجل الشارع واستيعاب مطالبه، وطرح بدائل لا يشترط أن تكون معقدة لكنها عادلة تبحث عن العدالة الاجتماعية، التي يمكن أن يلتف حولها الناس، وأن جيل زد يحمل مسؤولية، وهي كبح رغبته في الثورة، حيث إنه جيل وُلد على الثورة، كانوا أطفالًا ويشاهدون الشعب يعزل رئيس الجمهورية، هم جيل تعلم أن السياسة هي الثورة، في حين أن الثورة تحتاج إلى عمل طويل حتى يتم تكليلها بالنجاح.
أخيرا.. نقاط اتفاق
هنا اتفقت مع رأي خالد علي، ورأيت فيه تحليلا واضحا لوضع الجيل، الذي أنتمي له، وهو أنني كنت طفل الـ 6 سنوات، أول ما تعلمته أن الرئيس الفاسد يعزله شعبه، فأعيش في الفساد الآن مقموعًا، وأمَّا رأي السياسي الكبير إلهامي الميرغني، الذي اعتبر أن جيل زد ينفصل عن الأجيال السابقة، فهو تفسير واضح لانفصال الأجيال القديمة عن الواقع، فهم لم يقدموا تجربة يستطيع الجيل الجديد إكمالها، ولكنني أرى أن الجيل الحالي سيكون في أزمة، إذا قرر أن يقوم بتجربته، ثم يترك اللا شيء لمن بعده.
شكرا يا استاذ على عرضك للندوة ، لكن مقلتش رأيك الشخصي في اللي اتقال هل انت مع حد في رأيه ضد رأي حد. هل جاوبت الندوة عن اسئلة.