يدخل جيل" زد" المصري معترك الحياة محمولاً بـ "تكنولوجيا وجدانية" مغايرة إلى حد كبير عما سبقه من أجيال. إنه الجيل الذي نضجت مخيلته في ظل زمنين متداخلين: "الزمن النيوليبرالي" الصاعد، الذي روّج لأسطورة الفرد المتجاوز للهياكل عبر خطاب" الجدارة"، وبين الزمن، الذي يتسم بتآكل البنى المؤسسية من الأسرة إلى الدولة وتراجع العقد الاجتماعي التقليدي. هذا الجيل لا يتحرك وفق "تناقضات" عشوائية، بل هو جيل "الواقعية"، والذي يمارس "استراتيجيات تكيف" معقدة للتعامل مع واقع يتسم بغياب اليقين المعرفي والجيوسياسي.
إن اتجاهات الرأي العام لدى جيل زد المصري ليست مجرد صدى لإحباطات اقتصادية، بل هي "إعادة تعريف" جوهرية للعلاقة مع الدولة والمجتمع والأسرة والدين والذات، ففي ظل تراجع دور الدولة الرعائي، وتحولها إلى "حارس صلب" للمجال العام، اضطر هذا الجيل إلى "خصخصة" طموحاته ومخاوفه.
هو جيل "المناورة" الذي يحاول الحفاظ على انتماء وجداني قومي عميق، والانحياز لقيم كبري مثل العدالة كدرع معنوي، بينما يمارس في حياته المادية "براغماتية شديدة" تضعه في حالة تأهب دائم للرحيل أو الانكفاء على النجاح الفردي.
نحن أمام ذات قلقة لا تبحث حتى الآن عن تصادم مع "البنى الصماء"، بل تبحث عن "ثغرات" داخلها لتأمين نجاة مستدامة، محولةً كل ضغط هيكلي إلى فرصة للتكيف العملي.
"سراب الجدارة" وتفاؤل الذات
يُمثّل المحور الاقتصادي أحد التحديات في فهم سيكولوجية جيل زد المصري، وتبرز هنا مفارقة إحصائية تتجلى عند تقاطع بيانات استطلاع "إبسوس" مع نتائج "المؤشر العربي 2025"؛ فبينما يسجل الشباب المصري مستويات مرتفعة من "التفاؤل الشخصي" والثقة في القدرة على تحقيق النجاح، تعكس أرقام المؤشر واقعاً موضوعياً قاسياً، حيث تشير إلى أن 68% من الأسر المصرية تقع ضمن مربع "العوز" أو "الكفاف".
هذا التباين الصارخ بين "الواقع الأُسري المأزوم" و"التفاؤل الفردي المتصاعد" قد يجد أحد تفسيراته في تشبع هذا الجيل بخطاب "الجدارة النيوليبرالية" (Meritocracy). لقد استوعب جيل زد - أو بالأحرى قطاع منه، ممن ينتمون إلى طبقته الوسطى، والوسطى العليا- الرسائل، التي تم ضخها عبر سنوات حول "ريادة الأعمال" و "تطوير الذات" والعمل الحر كبديل عن الأمان الوظيفي المفقود.
استراتيجية التكيف هنا تتمثل في "فك الارتباط الذهني" بين مصير الفرد ومصير الجماعة؛ فإذا فشل النظام في توفير مظلة حماية أو فرصة عمل حكومية، سيبحث الفرد عن "ثغرة" للعمل العابر للحدود عبر الإنترنت، أو يتخذ الهجرة المشروعة وغير المشروعة سبيلا للنجاة.
إن هذا "التفاؤل الاضطراري" هو آلية دفاعية لمواجهة انهيار العقد الاجتماعي القديم، ففي حين كانت الأجيال السابقة ترى في فقر الأسرة "ظُلماً اجتماعياً" يستوجب مطالبة الدولة بالرعاية، تميل قطاعات من جيل زد لتمثل هذا الفقر كـ "تحدٍ تقني" يتطلب منه تطوير مهاراته الفردية (البرمجة، الجرافيك، التجارة الإلكترونية). هنا تتحول الجدارة من قيمة طموحة إلى عبء هيكلي يُحمّل الشاب مسؤولية نجاة أسرته بمفرده.
وهذا التكيف يؤدي بدوره إلى تراجع الإيمان بالحلول الجماعية؛ فالشاب الذي يرى في مهاراته الرقمية تذكرته الوحيدة للنجاة، سيزهد طبيعياً في أي حراك يهدف لإصلاح البنى الكلية، التي يراها بطيئة ومتكلسة. إنه تكييف للذات لتعمل كـ "وحدة نجاة مستقلة" في بيئة لم تعد تعترف إلا بالمرونة التقنية العالية.
بين الحداثة القيمية والمحافظة الهوياتية
تظهر بيانات مسح القيم العالمي أن جيل زد المصري يعيش حالة من "التحول القيمي"؛ فبينما يميل الشباب بشكل متزايد نحو قيم "التعبير عن الذات" (Self-expression values) والمطالبة بالحريات الفردية والمساواة الجندرية في المجالين المهني والتعليمي، إلا أنهم لا يزالون يرسون هذه التطلعات فوق قاعدة صلبة من "قيم البقاء" (التوجهات التي تركز على الأمن المادي والجسدي كأولوية قصوى)، والمحافظة الدينية.
هذا الانحياز يعكس استراتيجيةتكيف ذكية؛ فالشاب المصري يتبنى قيم الحداثة في أبعادها الوظيفية، التي تخدم طموحه النيوليبرالي (كالكفاءة والاستقلالية)، لكنه يتشبث بالمنظومة القيمية التقليدية كشبكة أمان اجتماعي ومعنوي في مواجهة تقلبات الواقع. إنها محاولة لصياغة "حداثة محلية" ترفض التخلي عن المركزية الأخلاقية للدين والأسرة، مع الإصرار على حق الفرد في تقرير مصيره الشخصي بعيداً عن الوصاية المجتمعية الخانقة.
يرصد مسح القيم العالمي تحولاً لافتاً لدى جيل زد المصري نحو صعود "القيم الفردية" وضعف الثقة في المؤسسات والآخرين. هذا الانحياز القيمي ليس نتاج انعزال بقدر ما هو نتيجة لغياب اليقين؛ فالشاب الذي يرى أن "النجاح الشخصي" يعتمد على الجدارة الفردية، يميل لتقديس العمل والاجتهاد الشخصي كقيم عليا، في مقابل تراجع قيمة "التطوع" أو المشاركة في الأنشطة الجماعية المدنية.
هذا التحول نحو "الذاتية" يفسر التناقض بين تفاؤله الفردي (كما في إبسوس) وتوجسه من المحيط الهيكلي؛ حيث أصبحت القيمة الأسمى لدى قطاع من هذا الجيل هي "الاستقلال المادي" و"التميز التقني"، باعتبارهما الضمانة الوحيدة للسيادة في عالم يراه الشاب تنافسياً وشحيح الفرص، بذلك تكتمل صورة قطاع من الجيل الذي لا يرفض القيم الجماعية كلياً، بل يعيد ترتيب أولوياته لتكون "الذات" هي قاطرة النجاة، والمحيط القيمي هو الملاذ النفسي عند الضرورة.
"الاشتباك السياسي" كحسابات كلفة وعائد
عند رصد السلوك السياسي لقطاعات من هذا الجيل، تظهر فجوة شاسعة بين "المبدأ" و"الأداة"؛ فبينما يؤيد 68% النظام الديمقراطي كقيمة، تنحدر الثقة في أدوات ممارسة هذه ، الديمقراطية، وتحديداً الأحزاب السياسية والبرلمانات إلى مستويات حرجة (62% لا يثقون بالأحزاب، والثقة في البرلمان لا تتجاوز 39% -بمجموع "أثق بدرجة كبيرة" و"أثق إلى حد ما").
هذا العزوف ليس "جهلاً سياسياً" أو انعداماً للوعي، بل هو إعادة تعريف للسياسة والفعل السياسي -مما يستدعي متابعة في مقالات لاحقة، كما إنه استراتيجية تكيف تعتمد منطق "حسابات الكلفة والعائد". لقد استنتج قطاع من جيل زد من سياق العقد الماضي أن محاولة تغيير الهياكل الكلية عبر القنوات التقليدية هي عملية باهظة الكلفة أمنياً ومجهدة وجدانياً وغير مضمونة النتائج، فقرر تجميد طاقته في المجال العام المادي لصالح استثمارها في المجال الخاص أو في الفضاء الإلكتروني.
بالنسبة لجيل زد، فالحزب السياسي هو هيكل بيروقراطي "من عصر ما قبل الإنترنت" لا يتوافق مع إيقاع حياته السريع وتوقه للنتائج الملموسة. التكيف هنا يظهر في "الزهد الوظيفي" في السياسة؛ حيث يفضل الشاب تأييد "ديمقراطية الحريات الشخصية" التي تضمن له ألا تزعجه الدولة في مساحته الخاصة، بدلاً من الديمقراطية، التي تتطلب مشاركة حزبية مضنية وتضحيات كبرى. هذا يفسر لماذا يثق الشاب المصري في المؤسسات الصلبة (الجيش 83%)؛ فهي بالنسبة له تضمن بقاء "المسرح" واستقرار الأمن الفيزيائي الضروري لاستمرار نشاطه الفردي.
في حالة جيل زد المصري، نجد "مفارقة"؛ فالجيل يطمح لقيم "التعبير عن الذات" (الاستقلال، الجدارة، الحريات الرقمية)، لكنه يظل محاصراً بـ "قيم البقاء" (العوز المادي، الثقة في المؤسسات الصلبة) نتيجة لواقع "البنى الصماء" ، الذي يفرض عليه "النجاة" كأولوية تسبق "الرفاهية".
إننا أمام حالة من "المواطنة التعاقدية"؛ حيث يتم ترحيل الطموح السياسي وتفريغه في الفضاء الرقمي (المقاطعة والترند) أو الكوميديا والسخرية والمميز، حيث الكلفة منخفضة والأثر النفسي بالانتماء مرتفع.
السياسة بمعناها القديم بالنسبة له أصبحت رفاهية أو مغامرة لا يملك كلفتها، والفعل الاحتجاجي على الإنترنت أصبح ضرورة يملك أدواتها التقنية، مما أدى إلى نزوح جماعي من المجال العام نحو النجاة الفردية، التي توفر له "وهماً بالتحكم" في مصيره والتعبير عن رأيه بعيداً عن تقلبات السياسة الوطنية.
تُشير بيانات المؤشر العربي إلى تراجع ملحوظ في الانحيازات الحزبية والأيديولوجية الحادة لدى الشباب المصري. بالنسبة لجيل زد، يُنظر إلى الاستقطاب (إسلامي/علماني) كـ "صراع قديم" ينتمي لجيل الآباء، وهو صراع أدى في وعيهم إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي، وتهديد "المسرح" الذي يمارسون عليه نجاتهم.
يتبنى جيل زد "أيديولوجيا النتيجة"؛ فهو لا يرفض الدين ولا يرفض العلمانية، بل يعيد تعريفهما وظيفياً. الدين بالنسبة له "شبكة أمان أخلاقية"، والحداثة "أداة للنجاح التقني"، وأي استقطاب يعطل هذين المسارين يُنظر إليه بـ "زهد وظيفي".
وعلى الرغم من توجهات جيل زد نحو السياسة، التي تحتاج إلي جهد لرصدها، تبقي الأسئلة مفتوحة: ماذا لو استحالت سبل النجاة الفردية وسدت أبوابها؟ وما هي السياقات، التي يمكن أن يتحول فيها جيل زد المصري -كما فعل أقرانه في دول أخرى- من الفردي إلي الجماعي، ومن الناشطية الإلكترونية إلى الفعل الواقعي، ومن الذات الفردية إلي الذوات الجماعية المشتركة؟
"المواطنة الوجدانية والارتحال الوظيفي"
يكشف المؤشر العربي عن "توزيع وظيفي" مذهل للهوية لدى جيل زد المصري؛ فبينما ينكفئ مادياً على نجاحه الفردي واستثماره في ذاته، يسجل أعلى مستويات الانتماء القومي والعروبي؛ حيث يعتبر 92% أن قضية فلسطين هي قضية العرب جميعاً. هذا "اليقين القومي" الصارم لا يتناقض في وعيه مع رغبة 25% من الشباب في الهجرة والرحيل الجغرافي، بل هو محاولة "تكيفية" لحل الفجوة بين "المعنى الوجداني" و"المنفعة المادية".
الانتماء العربي هنا هو "مواطنة وجدانية تعويضية"؛ فبما أن البنى المحلية الصماء لا تمنحه اعترافاً كافياً بجدارته، يستمد الشاب قيمته المعنوية وكرامته من كونه جزءاً من أمة تمتلك قضية عادلة وتاريخاً ممتداً.
فلسطين هي "البوصلة الأخلاقية"، التي تمنحه شعوراً بالسمو والتحرر من ضغوط الواقع اليومي المتسم بالصراع المادي المرير (68% عوز). أما الهجرة، فهي في وعي هذا الجيل ليست "خروجاً من الهوية" بل هي "ترقية وظيفية للجدارة" وبحث عن "جغرافيا" تليق بمهاراته، التي اكتسبها بجهده الخاص.
هذا التكيف ينتج "هوية ديناميكية" بامتياز؛ فالشاب المصري "وطني" في اعتزازه بمصريته كجذر، "عروبي" في وجدانه السياسي وانحيازاته الأخلاقية، و"كوني" في طموحه المهني. الهوية تمنحه المعنى النفسي، والدولة تمنحه الاستقرار الأمني (وهو ما يبرر ثقته بالمؤسسات السيادية)، والهجرة تمنحه الخلاص المادي. إنه تقسيم عمل بين القلب والعقل والجسد؛ حيث العروبة وطن يسكن الشاشات والذاكرة، والجغرافيا المحلية مجرد موقع عمل قابل للاستبدال بحثاً عن "اليقين" الاقتصادي المفقود. الهجرة بالنسبة للمتعلمين هي رحيل بجسد "المواطن" للبقاء في وعي "الفرد العالمي" المتصل رقمياً بأمته.
الثقة الوظيفية في الأمان المادي
تمثل الثقة العالية في المؤسسات السيادية (الجيش 83% والأمن العام 78%) ذروة الواقعية السياسية واستراتيجية التكيف لدى جيل زد. هذا الانحياز ليس نتاج "تلقين" بقدر ما هو رغبة في تأمين "الحد الأدنى من اليقين الفيزيائي في بيئة إقليمية وجيوسياسية شديدة الاضطراب (حروب غزة،اليمن، ليبيا، السودان …).
الشاب يتعامل مع الدولة بمنطق الفصل الحاد بين "المعيشة" (التي باتت مسؤولية الفرد والجدارة) وبين "الحماية" (التي تظل حصراً في يد الأجهزة). هو يثق في المؤسسات الصلبة لضمان عدم انهيار "المسرح" الذي يمارس عليه مناوراته للنجاة، مثل ضمان استمرار تدفق الإنترنت، واستقرار سعر الصرف بالحدود المتاحة، وبقاء الخدمات الأساسية متوفرة.
هذه "الثقة الوظيفية" تنسجم مع خطاب الجدارة والسيولة؛ فالفرد الذي يرى نفسه "مشروعاً خاصاً" (Start-up) لا يريد فوضى أو صراعات أيديولوجية تعطل حركته اليومية، بل يريد نظاماً يضمن قواعد لعبة واضحة وحماية من التهديدات الخارجية والداخلية الكبرى.
كما يرتبط هذا التكيف بـ "أزمة اليقين المعرفي" في عصر المعلومات المضللة؛ حيث يميل الشاب للارتكان إلى المؤسسة، التي تملك القدرة على "الفعل المادي" والحسم على الأرض. إن تفاؤل الشاب بنفسه (إبسوس) وثقته في المؤسسة السيادية (المؤشر العربي) هما وجهان لعملة واحدة: ثقة في "الذات" لتدبير المستقبل الشخصي، وثقة في "القوة" لتأمين اللحظة الراهنة، ومنع انفراط عقد الدولة.
إننا أمام "مهادنة هيكلية"؛ حيث أخلى الشاب طرف الدولة من مسؤولية الرعاية الاجتماعية المباشرة (التي يئس من استعادتها) مقابل مطالبتها بالحماية المطلقة كشرط لممارسة "خصخصة الطموح". هذا الانفصال يسمح له بالبقاء تحت مظلة استقرار تمنع الانهيار الكلي للبيئة المحيطة.
جيل زد لا يراهن على الثورات الكبرى، بل على "التجاوز الفردي الذكي"؛ يتجاوز فقر أسرته بعمله الرقمي، ويتجاوز انسداد الأفق بالهجرة، ويتجاوز ضعف الوسائط المدنية بالاحتماء بالقوة السيادية، منتظراً اللحظة، التي تتيح له "السيادة الكاملة" على مصيره الفردي، فيتجاوز ضيق الهياكل، التي لم تعد تشبه أحلامه.
"المناورة العظيمة" وصياغة نجاة استثنائية
قطاعات من جيل زد المصري لا يعيشون حالة من "التناقض" بقدر ما يمارسون عملية "توليف" لاستراتيجيات تكيف ناضجة تهدف لحل معادلته الوجودية: كيف يظل منتمياً لوجدان جماعي بينما يضطر للتشظي والارتحال الفردي؟ إن بيانات المؤشر العربي واستطلاعات إبسوس ترسم صورة لذات قررت ألا تضيع طاقاتها في التصادم المباشر مع "بنى صماء" متكلسة، بل اختارت "الالتفاف" حولها لضمان البقاء الكريم، وتأمين مساحات للحركة في الظلال.
تتجلى هذه المناورة في "تأميم الطموح" الفردي كبديل عن الضمان الاجتماعي، و"المواطنة الوجدانية" التي تفصل المعنى القومي عن الارتباط الجغرافي، و"الثقة الوظيفية" في القوة لتأمين مسارات النجاة. لقد سقطت المؤسسات التقليدية (الأحزاب، النقابات، والأسرة والمؤسسة الدينية)، ولم يتبق من الدولة غير الأمن والحماية، فاخترق جيل زد الانسداد بـ "الرقمية"، محولاً الإنترنت إلى مجال عام بديل يمارس فيه سيادته السياسية (المقاطعة)، الاقتصادية (العمل الحر)، والمعرفية (بمتابعة الريتز والانفلونسرز) نحن أمام جيل "الواقعية الراديكالية" الذي يدرك أن تكلفة التغيير الهيكلي باهظة في زمن الانسداد، فقرر انتزاع مستقبله بمهاراته الذاتية وبأدواته العابرة للحدود.
إن فهم هذا الجيل يتطلب التحرر من النظرة الأبوية، التي تراه منسحباً أو "مغيباً". إن "الانفصام" الظاهري في سلوكه هو في الحقيقة "تكامل وظيفي" عبقري؛ يثق في القوة لحماية الشارع وتأمين البيئة الفيزيائية، وفي نفسه لحماية مستقبله المهني، وفي عروبته ودينه لحماية روحه وهويته الأخلاقية، وفي الهجرة لحماية حقه في حياة أفضل. هذه "المناورة العظيمة" ربما تكون أقصى ما يمكن فعله في زمن عدم اليقين الجيوسياسي والانسداد الهيكلي.
جيل زد لا يطلب من الدولة أن تقوده نحو الحلم، بل يطلب منها ألا تعطل حركته؛ هو جيل بنى جواز سفره داخل عقله، وجعل من "الجدارة" تذكرته الوحيدة للعبور من ضيق الهياكل المحلية إلى رحابة الآفاق العالمية، محولاً كل انسداد إلى مسار جديد للارتحال والسيادة الفردية في عالم لا يعترف بغير النتائج الملموسة.