وسط ألسنة اللهب المتصاعدة أو حطام الحوادث المروعة، وحتى في ملامح الشخصيات الخيالية، يتجاوز سؤال المشاهد عن "حقيقة ما يراه" حدود الفضول العابر، ليغدو مدخلًا رئيسيًا لفهم التحولات الجذرية في صناعة الصورة. فالتكنولوجيا اليوم تخطت دور "الإكسسوار" أو العنصر المساعد، ورسخت مكانتها كعمود فقري يضمن استمرارية الصناعة، فاتحةً أمام صناعها مساحات إبداعية كانت في السابق ضربًا من الخيال.
وفي السوق المصرية، اقتحمت التقنيات الرقمية البلاتوهات لتشارك في البطولة، كما ظهر بوضوح في فيلم "أوسكار: عودة الماموث".
في هذه التجربة، تجاوز المخرج هشام الرشيدي حدود التصوير التقليدي، معتمدًا على المؤثرات البصرية والتقنيات الرقمية كركيزة أساسية لبناء مشاهد الأكشن وإعادة هندسة الصورة السينمائية.
وعلى مسار موازٍ، وضع المخرج بيتر ميمي الذكاء الاصطناعي والروبوتات في قلب السرد الدرامي لفيلم "موسى".
هنا، تحول الاعتماد على الـ (CGI) من مجرد إضافة تجميلية إلى حجر زاوية في تصميم شخصية الروبوت وتحريكه، مقدمًا تجربة بصرية دمجت ببراعة بين الممثل البشري والشريك الرقمي، في خطوة غير مسبوقة محليًا.

من عمق الشاشة إلى "الإحياء الرقمي"
امتدت التجربة لتشمل "بيئة المشاهدة" نفسها، حيث سعى المخرج بيتر ميمي في فيلم "المشروع X" إلى تقديم مغامرة بصرية مختلفة كليًا للسوق المصري.
ارتكزت هذه المحاولة على حزمة من تقنيات التصوير والعرض المتقدمة، شملت "IMAX" و"4DX" ونظام الصوت المحيطي "Dolby Atmos" وتقنية "ScreenX". هذه الأدوات مجتمعة منحت المشاهد التاريخية ومشاهد المغامرة في الفيلم عمقًا بصريًا وكثافة حسية، صانعةً تجربة متكاملة تختلف جذريًا عن السائد.
ومن السينما إلى عالم الإعلانات التسويقية، اتخذت التكنولوجيا مسارًا أكثر شمولية. ففي موسم رمضان الماضي، خطت مبادرة "بداية" التابعة لمجلس الوزراء خطوة جريئة بإطلاق إعلان صُنع بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي. تضمنت هذه العملية كافة المراحل الإبداعية والتنفيذية؛ بدءًا من صياغة الفكرة وكتابة السيناريو، مرورًا بتصميم المشاهد وتأليف الصوت والموسيقى، وصولًا إلى الإخراج النهائي، ليخرج العمل كمنتج رقمي خالص.
وعلى المنوال نفسه، استعانت حملة "Egyptian Food Bank" بالذكاء الاصطناعي التوليدي لكتابة النص وتصميم المشاهد، مما يؤشر لمرحلة جديدة من المحتوى الإعلاني المُخلق رقميًا.
وفي مسار موازٍ يركز على الجودة البصرية، وظفت حملات كبرى لشركات الاتصالات وبنك مصر أحدث تقنيات التصوير والمونتاج، مما رفع جودة الصورة لمستويات تضاهي الحملات العالمية، وهو ما ترجمته ملايين المشاهدات عبر المنصات الرقمية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود جودة الصورة أو التأليف الآلي، بل وصل إلى "النبش في الذاكرة". فقد لجأت بعض الحملات إلى التوليد البصري الرقمي لإعادة إحياء نجوم "الزمن الجميل"، مستعيدةً ملامح أيقونات مثل سعاد حسني ومحمد عبدالوهاب على الشاشة، في لافتة تقنية أثارت فضول الجمهور وفتحت باب النقاش واسعًا حول استحضار الماضي بأدوات المستقبل.
لغة الأرقام وصوت الصناعة
لا يقف هذا التحول عند حدود التجربة البصرية، بل تدعمه بيانات دقيقة تكشف عمق تغلغل التقنية في عصب الصناعة عالميًا.
وفقًا لتقرير "AI In The Movie Industry Statistics 2025"، باتت الأدوات الرقمية شريكًا استراتيجيًا في كل مراحل الإنتاج؛ إذ تشير الأرقام إلى أن 78% من استوديوهات الأفلام العالمية دمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن عملياتها بحلول عام 2023.

وقد انعكس هذا الاعتماد بشكل مباشر على الكفاءة التشغيلية، مساهمًا في تقليص الزمن اللازم لتنفيذ المؤثرات البصرية (CGI) بنسبة تصل إلى 70%، مما أدى بالتبعية إلى خفض التكاليف الإنتاجية الباهظة المرتبطة بها.
وفيما يخص الجانب الإبداعي والكتابي، يلجأ ما يقرب من 45% من صناع الأفلام اليوم إلى أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في كتابة السيناريو أو تحسين حبكته.
يمتد التأثير ليشمل مراحل ما بعد الإنتاج، حيث توظف أكثر من 60% من شركات الإنتاج أدوات التحليل الذكية لتحسين المونتاج وهندسة الصوت لرفع الجودة النهائية للفيلم.
وحتى آليات الوصول للجمهور تغيرت، إذ يعتمد 62% من الصناع على تقنيات تحليل الجمهور لتوجيه التوزيع التسويقي بدقة، بينما نالت أفلام الرسوم المتحركة نصيبها من هذا التطور، حيث تضمنت 43% من الأعمال الحديثة شخصيات أو عناصر بيانية تم توليدها بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي.
وأمام هذا الطوفان الرقمي، تأتي رؤى صناع السينما لتعيد ضبط البوصلة نحو العنصر البشري. فخلال ندوة "مستقبل السرد والحكاية في عصر الذكاء الاصطناعي" ضمن فعاليات "أيام القاهرة لصناعة السينما" بالدورة الـ46، شدد المنتج والإعلامي عمرو قورة على أن الذكاء الاصطناعي يظل أداة مساعدة لتسريع الإنتاج، لكنه يعجز عن استبدال "الروح" التي يمنحها الإنسان للعمل.
وفي تصريح خاص، أوضح قورة رؤيته قائلًا: "الذكاء الاصطناعي وسيلة لتوسيع آفاق الإبداع، لكنه لن يحل مكان الإنسان.. القدرة على ابتكار الحكاية وملامسة المشاعر الإنسانية لا يمكن لأي آلة أن تحاكيها".
ويتفق الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، مع هذا الطرح المتوازن، مؤكدًا في حديثه الخاص أن التكنولوجيا تسرع الإنتاج وتفتح آفاقًا بصرية جديدة، شريطة أن تظل خادمة للإبداع البشري لا سيدة عليه. وتطرق فهمي إلى زاوية أخرى تتعلق بحفظ التراث.
ويشير فهمي إلى مشروع ترميم الأفلام القديمة بقوله: "الترميم الرقمي، على سبيل المثال، لا يعيد مجرد الصورة والصوت، بل يمنح الجمهور فرصة لرؤية الأعمال الكلاسيكية كما لو كانت جديدة.. التكنولوجيا هنا جسر يربط الحاضر بماضٍ غني بالتراث السينمائي".
ومن منظور إعلامي ومؤسسي، يطرح طارق نور، رئيس مجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، رؤيته خلال ندوة بمنتدى الإعلام، مؤكدًا أن هذه الأدوات تجاوزت حدود الخيال، وأن الفيصل في نجاحها هو "الوعي".
ويلخص نور فلسفة التعامل مع هذه الموجة قائلًا: "التكنولوجيا يمكن أن تقودنا لنتائج إيجابية أو سلبية، حسب الهدف وطبيعة الاستخدام.. الوعي هو المفتاح الأساسي لاستغلال هذه الأدوات بشكل مسؤول".
وعلى أرض الواقع التنفيذي، يرى المخرجون أن التكنولوجيا فرضت معادلات جديدة. فالمخرج هادي الباجوري أشار في تصريح خاص خلال ندوة عن فيلمه "هيبتا" إلى أن التجديد لا ينبع من التكنولوجيا وحدها، بل من دمجها بسرد بصري يتماشى مع ذوق الجمهور، مؤكدًا أن "الإعلانات الناجحة هي التي توظف التقنية لخدمة القصة، وليس العكس".
وفي السياق ذاته، حذّر المخرج مروان حامد من الانجراف الكامل، معتبرًا التكنولوجيا أداة سرد يجب توظيفها بحذر للحفاظ على الهوية الفنية للعمل، بينما رأى المخرج عمرو سلامة أن وفرة الأدوات الرقمية وسهولة استخدامها زادت من حدة المنافسة، فاتحة في الوقت نفسه فرصًا أوسع للإبداع.
ويحسم الخبراء التقنيون الجدل بالتأكيد على الفوائد العملية الملموسة؛ إذ يرى د. محمد حلمي، خبير الـ AI، أن التقنية تمنح الصناع قدرة فائقة على "تحليل الجمهور بسرعة ودقة، وتحسين جودة الإنتاج الفني".
وتضيف سلمى هاشم، مطورة المؤثرات البصرية (VFX)، بعدًا زمنيًا للمعادلة، مؤكدةً أن الذكاء الاصطناعي بات قادرًا على "إنشاء مؤثرات متطورة في أيام معدودة، موفرًا وقتًا وجهدًا كبيرين في مراحل الإنتاج".
وتظل الخلاصة الجامعة لهذه الآراء أن التكنولوجيا، بقدرتها على صناعة المستقبل وترميم الماضي، باتت قدرًا لا مفر منه، يتطلب توازنًا دقيقًا يضمن بقاء اللمسة الإنسانية في قلب الصورة الرقمية.