"الدستور" المشطور بخلافات الانتخابات.. هل تنقذه "مبادرة إنقاذ" وتحذير؟

في مفارقة سياسية تزامنت مع الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير، تحول حزب الدستور من ساحة للاحتفال إلى ميدان لـ "جبهتين متصارعتين" على الانتخابات، وقد كشفت وثائق وبيانات متضاربة حصلت عليها فَكّر تاني عن عمق الفجوة التنظيمية التي تضرب أروقة الحزب.

وفيما يطفو على السطح نزاع حول مواعيد الاقتراع (25 مقابل 31 يناير)، يدور في الكواليس صراع أشرس حول "الهوية التصويتية" للحزب، فجره خلاف محتدم على القوائم الانتخابية، وسط اتهامات متبادلة بمحاولة هندسة النتائج مسبقًا عبر استبعاد مئات الأصوات، وهو ما حول الخلاف من مجرد تباين إجرائي إلى أزمة وجودية تهدد وحدة الصف.

الدستور ولغم الكشوف المفصلة

هذه الأزمة البنيوية عبّرت عن نفسها بوضوح في تصريحات خاصة لـ فَكّر تاني أدلت بها ريهام الحكيم، عضو الهيئة العليا للحزب والقيادية بالجبهة الداعية لانتخابات 31 يناير، حيث شخّصت جوهر الصراع بأنه خلاف جذري حول "المؤسسية وآلية اتخاذ القرار"، متهمةً جميلة إسماعيل بالسعي المستمر للانفراد بالقرار الحزبي طيلة السنوات الماضية، على حد قولها.

في قلب هذا النزاع، تفجرت أزمة "الكشوف الانتخابية" كعقبة رئيسية تمنع أي مصالحة؛ إذ تؤكد الحكيم وجود "كشف منضبط" يضم نحو 800 اسم، سبق اعتماده وإجراء الانتخابات به في دورتين سابقتين (مرحلة خالد داوود ومرحلة جميلة إسماعيل نفسها)، إلا أن الجبهة المحسوبة على رئيسة الحزب ترفض الاعتراف به حاليًا.

ريهام الحكيم
ريهام الحكيم

وتفسر الحكيم هذا الرفض برغبة الطرف الآخر في "وضع أسماء بعينها في الكشوف وإقصاء آخرين" لضمان السيطرة على توجهات التصويت، وهو ما وصفته بـ "الكشوف غير المنضبطة".

واستنادًا إلى هذه المعطيات، أصدرت هذه الجبهة بيانًا رسميًا دعت فيه أعضاء الحزب لانتخابات مغايرة يوم 31 يناير، رافعة شعار "استعادة الإرادة الحرة".

تصف الجبهة تحركها بأنه محاولة لـ "طي صفحة الاستيلاء على قرار الأعضاء" وإنهاء ما اعتبرته ثلاث سنوات من "محاولات الاختطاف وتشويه الهوية"، مشددةً في بيانها على أن حزب الدستور سيظل منبرًا للديمقراطية ولا مكان فيه لـ "الديكتاتورية أو ضعف الكفاءة"، داعيةً من وصفتهم بـ "أصحاب المبادئ الحرة" للمشاركة في استعادة روح يناير.

مناورة "التماس" اللحظات الأخيرة

في المقابل، وكخطوة بدت استباقية لامتصاص غضب المعارضة قبل ساعات من فتح باب الترشح لانتخابات 25 يناير، لجأت جميلة إسماعيل، رئيسة الحزب المنتهية ولايتها، إلى تفعيل أدوات "المصالحة الداخلية".

وفي 21 يناير، تقدمت إسماعيل بالتماس رسمي - هو الثالث من نوعه خلال عامين - إلى هيئة التحكيم المركزية المنتخبة، مطالبةً بإنهاء قرارات "التجميد والوقف" الصادرة بحق أربعة من أعضاء الهيئة العليا (منذ أبريل 2024)، استنادًا إلى انتهاء المدد اللائحية القصوى وما أبدوه من حسن نوايا.

ولم يقتصر الالتماس، الذي أُرسل عبر البريد الإلكتروني بعد مشاورات موسعة مع المكتب السياسي ومفوضية الانتخابات، على ذلك؛ بل دعت إسماعيل أيضًا إلى فتح مسار جديد لثلاثة أعضاء سبق فصلهم، عبر السماح لهم بالمثول أمام لجنة تحقيق جديدة تُشكّل بمعرفة الإدارة المنتخبة في مارس المقبل.

ووضعت إسماعيل تحركها هذا في إطار "الحرص على وحدة الحزب وضمان مشاركة كل كوادره في رسم مستقبله"، معتبرةً أن استجابة هيئة التحكيم ستؤسس لمرحلة جديدة بمشاركة الجميع.

وفي رسالة ضمنية للطرف الآخر، حذرت رئيسة الحزب من أن بقاء التنظيمات السياسية مرهون بـ "وحدة الوعي"، مشددةً على أن الأحزاب لا تستمر بـ "المزايدات والاتهامات المجانية أو بضرب الالتزام الحزبي عرض الحائط".

نداء "الفرصة الأخيرة".. وتحذير من الانهيار

على خط التماس بين الجبهتين المتصارعتين، وفي محاولة لنزع فتيل الأزمة قبل الوصول لنقطة اللاعودة، تدخل وليد العماري، عضو الحزب ومتحدثه الرسمي السابق، طارحًا ما يشبه "مبادرة الإنقاذ".

وليد العماري
وليد العماري

في حديثه لـ فَكّر تاني، حرص العماري في البداية على تثمين خطوة جميلة إسماعيل، كاشفًا عن كواليس سبقت الإعلان الرسمي، حيث أشار إلى أن رئيسة الحزب بذلت "جهودًا مكثفة خلال الأسبوعين الماضيين" لإنهاء الانقسام، توجتها بتقديم الالتماس الأخير.

واستنادًا إلى هذه الأرضية، وجه العماري نداءً مباشرًا لكل الأطراف بضرورة استغلال هذه الفرصة، داعيًا بشكل صريح إلى "وقف إجراءات انتخابات 31 يناير"، والجلوس للتوافق على صيغة لإجراء "انتخابات موحدة" عبر التفاعل الإيجابي مع مبادرة هيئة التحكيم والالتماس المطروح.

لكن نداء العماري لم يخلُ من نبرة تحذيرية حادة، واضعًا قيادات الجبهتين أمام مسؤوليتهم أمام القواعد؛ إذ اختتم حديثه بالتأكيد على أن أعضاء حزب الدستور "لن يتسامحوا أبدًا" مع أي محاولات لتعميق الشقاق، أو التمسك بإجراءات أحادية من شأنها إضعاف الحزب وتشتيت جهوده، تاركًا المشهد مفتوحًا على كافة الاحتمالات: إما التقاط "الفرصة الأخيرة" للمصالحة، أو المضي قدمًا نحو تكريس الانقسام.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة